عاشق اوغاريت : د.غسان القيم..كتب :لا تخافوا إذا غلا الخبز… اشتروا طحين وكلكم بتعرفوا تلتوا وتعجنوا.

لا تخافوا إذا غلا الخبز… اشتروا طحين وكلكم بتعرفوا تلتوا وتعجنوا.
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
ما أجمل هذا المثل الريفي الذي وُلد من رحم الأرض لا من دفاتر الاقتصاد. ففيه حكمة الفلاح الذي تعلّم من السنابل أن الخبز لا يبدأ من الرغيف بل من حبة القمح التي تنام في التراب ثم تستيقظ سنبلةً تحت الشمس.
هكذا كان يقول لنا شيوخ قُرانا في ريف الساحل السوري الأصيل وهم يبتسمون بثقة من خبر مواسم القمح وعركتهم السنون كما تعرك اليد العجين.
لم يكن القول دعوةً إلى الاقتصاد فحسب بل كان ترتيلةً صغيرة في تمجيد القدرة الإنسانية على التكيّف. فالخبز عند أهل الريف لم يكن سلعةً تُشترى فقط بل حكايةُ يدين تعرفان كيف تزرعان وتحصدان وتذرّيان وتعجنان وتخبزان. لذلك كانوا يرون أن ارتفاع ثمن الرغيف لا ينبغي أن يزرع الخوف في القلوب ما دامت النار مشتعلة في التنور، وما دامت الأيدي تعرف سرّ العجين.
وفي الصباحات التي كانت تفوح فيها رائحة الخبز من بين أشجار الزيتون والتوت كانت النساء يملأن البيوت دفئاً فيتحول الطحين إلى أرغفة ذهبية كأنها أقراص شمس صغيرة خرجت تواً من حضن الأرض. وكان الأطفال ينتظرون حول التنور بلهفة فيما يتصاعد البخار من الخبز الساخن كأنه بخورٌ ريفيٌّ مبارك.
ذلك المثل لم يكن حديثاً عن الطحين وحده بل عن الإنسان نفسه. عن تلك القوة الكامنة فيه حين تضيق الأحوال. فكلما ارتفع ثمن شيء تذكّر أهل الريف أن المعرفة أثمن من المال وأن اليد التي تعرف كيف تصنع حاجتها لا تجوع بسهولة.
ولذلك ظلّ هذا القول يتردد على ألسنتهم جيلاً بعد جيل كأنه وصية سنبلةٍ عجوز لحقول القمح: لا تخافوا من غلاء الخبز بل خافوا يوم تنسون كيف يُعجن الطحين وكيف تتحول حفنةُ قمحٍ بسيطة إلى نعمةٍ تملأ البيوت دفئاً وشبعاً وكرامة.
إنه مثلٌ يحمل روح الريف السوري كلها: البساطة والقناعة والاعتماد على الذات والإيمان بأن الإنسان ما دام يمتلك المعرفة واليد العاملة فإنه قادرٌ على أن يحوّل القليل إلى كثير والطحين إلى خبز والتعب إلى حياة.
د.غسان القيم

أخر المقالات

منكم وإليكم