يمامة حمص
يبحر الفنان زيناتي قدسية في ذاكرة المسرح، مواصلاً رحلة إبداعية طويلة مع فن المونودراما، امتدت لأكثر من أربعة عقود حمل خلالها أسئلة الإنسان وهموم المجتمع وأحلامه. فلم تكن الخشبة بالنسبة له مجرد مساحة للأداء، بل كانت فضاءً للبحث عن الحقيقة، ومنبراً للبوح بما يختلج في وجدان الناس.
وبين تكريم احتفى بتجربته المسرحية ومسيرته في فن الممثل الواحد، ومشاركة ترأس فيها لجنة تحكيم مهرجان المونودراما، يؤكد قدسية أن المسرح فعل ثقافي وحضاري يتجاوز حدود العرض، ليصبح أداة لصناعة الوعي وملامسة القضايا الكبرى التي تشغل الإنسان.
وحول عرض “سيد الخشبة” الذي اختير لافتتاح المهرجان، وتجربته الطويلة مع المونودراما، تحدث الفنان زيناتي قدسية:
لماذا وقع الاختيار على عرض “سيد الخشبة” ليكون عرض الافتتاح؟
لأن العرض لا يتناول معاناة فنان مسرحي بعينه فقط، بل يضيء على واقع المسرح وما يواجهه من تحديات. فمعاناة المسرحي هي جزء من معاناة المسرح، ومعاناة المسرح ترتبط بالهموم الاجتماعية العامة. والممثل ابن مجتمعه، وعندما يعبر عن أوجاعه وأحلامه وطموحاته فإنه يعكس بالضرورة قضايا الناس وتطلعاتهم.

ما الذي يميز هذا العمل عن غيره من العروض المشاركة؟
ما يميز العمل أنه لا يبقى أسير التجربة الذاتية، فالمونودراما لا تكتسب أهميتها إلا عندما تخرج من دائرة الخاص إلى دائرة العام. الهدف أن يكون الموضوع مرتبطاً بالإنسان وهمومه، وأن يتحول صوت الممثل الواحد إلى مساحة للتعبير عن قضايا المجتمع.
هل يحمل العرض رسالة خاصة تنسجم مع هوية المهرجان؟
بالتأكيد، فالمسرح ليس مجرد فن للعرض، بل مساحة للتعبير عن قضايا الإنسان وبناء الوعي. وقيمة المونودراما تكمن في قدرتها على ملامسة هموم الناس وأحلامهم، لا الاكتفاء بسرد تجربة فردية مغلقة.
كيف كان التحضير لهذا العرض من الناحية الفنية والتنظيمية؟
تجربتي مع المونودراما ليست جديدة، فقد بدأت عام 1985، وقدمت أكثر من خمسة عشر عملاً مونودرامياً، وما زلت أشعر بأن كل عمل جديد يمثل تحدياً حقيقياً. المهم بالنسبة لي أن أكون جاهزاً على المستويات كافة لخوض هذه التجربة، وأن يحمل العمل موضوعاً يستحق أن يقدم.
ما الانطباع الأول الذي لمستموه من الجمهور بعد عرض الافتتاح؟
التفاعل مع الجمهور هو القيمة الأهم لأي عمل إبداعي. أنا لا أفكر بالجوائز عندما أقدم عملاً أو أشارك في مهرجان، ما يعنيني هو الحضور الإيجابي، وأن أفيد وأستفيد. أما التكريم والجوائز فهي حافز جميل يدفع الفنان إلى تجديد نشاطه الإبداعي، وهي في جوهرها تكريم للمسرح السوري ولكل من يؤمن برسالته ودوره الثقافي والاجتماعي.
ويبقى زيناتي قدسية شاهداً على أن المسرح ليس مجرد لحظة عابرة على الخشبة، بل رحلة بحث مستمرة عن الإنسان في ضعفه وقوته، في أحلامه وانكساراته. وبعد أكثر من أربعة عقود من العطاء، ما زال يؤمن بأن الفن الحقيقي يولد من قضايا الناس، ويكبر بقدرته على لمس وجدانهم، وأن خشبة المسرح ستظل مساحة للوعي والجمال والحوار مع الحياة

