بقلم د.علي خليفة
(١)
تعد مسرحية الآنسة جولي من أشهر مسرحيات الكاتب السويدي أوجست استرندبرج، ومن أكثرها عرضا على المسارح في مختلف بلدان العالم، كما تعد أيضا مسرحية الأميرة تنتظر من أكثر مسرحيات صلاح عبد الصبور روعة وإثارة، وعروضها والدرسات عنها لا تتوقف في مصر وبعض البلاد العربية.وعلى الرغم من تأثر صلاح عبد الصبور في مسرحية الأميرة تنتظر بمؤثرات مختلفة – وقد تناول بعض النقاد هذا الأمر في بعض دراساتهم النقدية – فإن مسرحية الآنسة جولي – في اعتقادي – من أهم المؤثرات التي تأثر بها صلاح عبد الصبور في مسرحيته الأميرة تنتظر.
(٢)
وهناك تشابه كبير بين شخصية الأميرة في مسرحية الأميرة تنتظر وشخصية الآنسة جولي في مسرحية الآنسة جولي، فكل واحدة منهما انخدعت بشخص معين، واستطاع أن يستدرجها حتى نال شهوته منها، وشعرت كل واحدة منهما بالسقوط عند ذلك.كما أن هناك بعض تشابه بين الشخص الذي قام بإغواء الآنسة جولي في مسرحية الآنسة جولي والشخص الذي أغوى الأميرة في مسرحية الأميرة تنتظر، فكلاهما من طبقة متدنية عن طبقة الآنسة جولي والأميرة، وكذلك كان وراء كل واحد منهما رغبة في تجاوز الطبقة الدنيا التي ينتمي إليها بالاننماء لطبقة أرقى من خلال خداع كل واحد منهما للمرأة التي خدعها.أما جون في مسرحية الآنسة جولي فقد كان خادما عند الكونت والد الآنسة جولي، وكان يشعر أنه يستحق أن ينتسب لطبقة أعلى من طبقته الدنيا، لا سيما أنه قد تلقى بعض التعليم، ويعرف بعض اللغات؛ ولهذا استغل في ليلة الاحتفال بليلة منتصف الصيف ميل الآنسة جولي للمرح، والحالة التي كانت عليها في سكرها، فحكى لها حكاية مكذوبة عن غرامه لها منذ طفولتهما، وصدقته، ونال شهوته منها، ولما أفاقت من سكرها أدركت بشاعة الجرم الذي ارتكبته، وخشيت من أن تنكشف فضيحتها أمام والدها الكونت.أما جون فكان ثابتا في هذا الموقف، وطلب إليها ان تسرق كثيرا من أموال أبيها؛ حتى يهربا بها لسويسرا؛ ويفتحا فندقا فيها، ويحتال هو بالمال حتى يحصل على لقب كونت أو ما شابه ذلك، ويساويها في طبقتها.أما السمندل في مسرحية الأميرة تنتظر فكان مجرد جندي في حرس الملك والد الأميرة، وأراد هو أيضا أن يقفز من طبقته الدنيا لطبقة هذه الأميرة، ولهذا بدأ ينفذ خطة ماكرة خطرت له، للتقرب من هذه الأميرة؛ ليكون ملكا معها بعد وفاة أبيها؛ لأن والدها الملك لم ينجب غيرها.واستطاع السمندل أن يستميل الأميرة له بسحر كلامه، ثم احتال حتى نال جسدها، وصارت عند ذلك خاضعة له، حتى إنها عندما أدخلته حجرة نوم أبيها، وخنقه، وأخذ من تحت وسادته خاتم ملكه ومفتاح قصره لم تفعل شيئا سوى البكاء، ونفذت كلامه حين طلب إليها أن تقول لكبير الحراس في هذا القصر: إن والدها الملك قد مات ميتة طبيعية بحكم الشيخوخة والمرض، وإنه أوصى قبيل موته بابنته وملكه للسمندل.ولا تستطيع الأميرة تحمل هذه الأكاذيب طويلا، وتشعر بتأنيب ضمير شديد، فتهجر هذا القصر مع ثلاث وصيفات لها إلى كوخ منعزل في غابة السرو، وكن كل ليلة يعدن تمثيل مشاهد إغواء السمندل للأميرة، وقتله الملك، وصمتها على ذلك، وكانت بهذا تشعر أنها تعذب نفسها؛ لعلها تتطهر من الخطايا التي شاركت السمندل فيها.
(٣)
وتختلف نهاية مسرحية الأميرة تنتظر عن نهاية مسرحية الآنسة جولي، ففي المسرحية الأخيرة عندما تعرف الآنسة جولي بوصول والدها الكونت للقصر تشعر بعجزها التام عن فعل أي شيء، ويغريها جون بالانتحار بموسى يقدمه لها، وتنتحر به، ويشعر هو عند ذلك بنشوة النصر على الطبقة الأرستقراطية التي تننمي لها الآنسة جولي، وإن كان هذا الشعور تبدد سريعا حين سمع الجرس يدق من قبل الكونت والد جولي يطلبه إليه، فعاد له شعوره بالاستخذاء نحوه.أما نهاية مسرحية الأميرة تنتظر فمختلفة، فعندما أتى لها السمندل في هذا الكوخ؛ ليرغبها في العودة معه للقصر والمملكة؛ حتى تهدأ نحوه ثورة الجنود والحرس الذين لم يعودوا يصدقون بوصية الملك السابق له بابنته وملكه، وكادت الأميرة تخضع له؛ لمعسول كلامه، ولكن أحد أبناء الشعب في هذه المملكة كان قد عرف بهذه الحيلة التي سيقوم بها السمندل، فسبقه لهذا الكوخ، وانتظره به، وقتله، وطلب إلى الأميرة ألا تقع في هذا الخطأ مرة أخرى، فلا تستخذي لأحد، ولا تستسلم لإغوائه؛ وتستجيب لكلامه، وتستعد مع وصيفاتها الثلاث للذهاب لمملكتها؛ لإدارة شئونها بعد أن تجاوزت هذه المحنة.ومن هنا نرى أن الآنسة جولي لم تستطع تجاوز محنتها بعد سقوطها، وشعرت بالعجز عن فعل أي شيء، ولم تتلق أي مساعدة من أحد لتجاوز هذا السقوط، حتى إن كريستين طباخة بيت أبيها وخطيبة جون حين علمت بسقوطها وطلبت إليها الآنسة جولي تقديم مساعدتها لها رفصت ذلك، وعبرت عن سخريتها منها، ورأت أن بنات طبقتها لا يسقطن مثل هذا السقوط.أما الأميرة في مسرحية الأميرة تنتظر فقد وجدت من أبناء شعبها من يقف معها لتجاوز محنتها، وبهذا استطاعت أن تتجاوز هذه الأزمة.
(٤)
وبعد ما ذكرته من مقارنة بين مسرحية الأميرة تنتظر ومسرحية الآنسة جولي، وبخاصة في تصوير حال المرأة المنكسرة فيهما فإنه يتأكد لنا تأثر صلاح عبد الصبور القوي بمسرحية الآنسة جولي في مسرحيته الأميرة تنتظر، كما يتأكد لنا وجود تشابه كبير في سقوط الآنسة جولى والأميرة في هاتين المسرحيتين، ولكن الأميرة وجدت من يقيلها من سقوطها، في حين لم تجد الآنسة جولي من يساعدها؛ لتجاوز هذا السقوط.


