سمات الميلودراما في مسرحيات يوسف وهبي القصيرة


(1)
الميلودراما تعني أن العمل الدرامي فيه مبالغة في تصوير حوادثه، وشخصياته، وأن سير الحوادث فيه لا يخضع للتطور الدرامي الذي يتطلبه البناء الدرامي المتقن، ولكننا نرى الحوادث في الميلودراما تسير حسب المصادفات غير المتوقعة، ونرى بها مفاجآت لم يمهد لها؛ بغرض إثارة المشاهد، ودغدغة مشاعره بأسلوب خشن.
ولا شك أن الميلودراما بهذا الوصف لا تعد مدحًا، فهي خلاف العمل الدرامي الذي تم بناؤه بشكل منطقي، ولا يوجد فيه افتعال أو تكلف أو محاولة إثارة المشاهد بطريقة فجة ومباشرة، وعلى الرغم من ذلك فإننا نرى بعض الكتاب والمخرجين يميلون للميلودراما؛ وذلك حتى يستطيعوا استثارة الجمهور المتلقي لهم بطرق سهلة، لا سيما لو كان هذا الجمهور ليس معتادًا على تذوق الفنون الراقية في الفن والمسرح على وجه الخصوص.
(2)
والحقيقة أن يوسف وهبي هو أحد عشاق الميلودراما تأليفًا وتمثيلًا وإخراجًا، ولا يعني هذا أنه كان ضحل الثقافة، وضعيف الموهبة، بل الأمر على عكس ذلك تمامًا، فقد كان يوسف وهبي مثقفًا ثقافة مسرحية كبيرة، وقد اكتسب هذه الثقافة – على وجه الخصوص- في شبابه خلال الفترة التي قضاها في إيطاليا يدرس المسرح، ويطلع على كل ما يخصه وما حدث له من تطورات في ذلك العصر الحديث.
ونرى بعض مسرحيات يوسف وهبي القصيرة التي كتبها في خمسينيات القرن الماضي، ونشرها في بعض المجلات، وخاصة “مجلة الكواكب” – تدل على أنه كان مؤلفًا مسرحيًّا موهوبًا ومطلعًا على كل جديد في فن المسرح؛ ولهذا نراه كتب مسرحية المونودراما، كما نرى ذلك في مسرحية “على مسرح الحياة”، ولعل مسرحيته هذه هي أول مسرحية مونودراما عربية تؤلف، وكذلك نرى له في ميدان التجريب في التأليف المسرحي مسرحية أخرى بعنوان “بدون كلام”، ونراه يعتمد في هذه المسرحية على الوصف لحركة الممثلين فقط، ولا نرى للكلمة أي دور في هذه المسرحية باستثناء ختامها الذي جاء مفتعلًا فيها.
(3)
وعلى الرغم مما قلته عن ثقافة يوسف وهبي الفنية والمسرحية الكبيرة، وعن اطلاعه على كل جديد في الفن والمسرح بشكل خاص، وعلى الرغم كذلك من موهبته في كتابة المسرحية – فإنه كان يعشق الميلودراما – خاصة في المسرحيات التي يعرضها على جمهوره في مسرح رمسيس أو غيره من المسارح – وأغلب الظن أن هذا العشق منه للميلودراما كان بسبب معرفته طبيعة المتلقين لمسرحه من الشعب المصري، فهم من عامة الشعب الذي يميل لمن يستثير انفعالاته بالحوادث المثيرة حتى لو كانت هذه الحوادث لم يعد لها جيدًا،
ولا يوجد إحكام في الربط بينها، إلى جانب أن هذا الجمهو قل من يتذوق منه الفن الرفيع.

(4)
ومن سمات الميلودراما في المسرحيات القصيرة التي كتبها يوسف وهبي اعتمادها على الحوادث غير المنطقية، والتي تكتنفها المصادفات التي لم يمهد لها، كما نرى ذلك في مسرحية “أيها القاتل تمهل”، ففي هذه المسرحية نرى رجلًا عجوزًا قد أدان شخصًا بمبلغ يعد كبيرًا بمقياس الوقت الذي كُتبت فيه هذه المسرحية، ولا يستطيع ذلك الرجل المدين سداد ذلك الدين الذي عليه، فيطلب إليه ذلك الرجل العجوز الدائن أن يزوجه ابنته في مقابل هذا الدين، ويعجز ذلك الأب عن فعل أي شيء، وتضحي هذه الابنة الشابة بنفسها لإنقاذ والدها، ثم تحدث المصادفة العجيبة، وهي أن هذا الرجل العجوز بمجرد أن يكتب كتابه على هذه الفتاة، ويتجه معها للبيت يضع قدمه على قشرة موز، ويقع ويموت، وترث هذه الفتاة ربع مليون جنيه منه.
ومن سمات الميلودراما أيضًا التي نراها في مسرحيات يوسف وهبي القصيرة الاكتشافات الغريبة التي لم يمهد لها، كاكتشاف الطبيب – في مسرحية “القدر” – أن الشخص الذي عمل لابنه عملية عاجلة في بيته وأنقذ حياته من الموت هو نفسه الجلاد الذي سيقوم بإعدام ابن هذا الطبيب بعد وقت قليل.
وأيضًا من سمات الميلودراما في مسرحيات يوسف وهبي القصيرة تصوير الأجواء الحزينة المقبضة بشكل مبالغ فيه، كما نرى مثالًا لذلك في مسرحية “القربان”، ففيها يضطر الأب أن يضحي بابنته التي انحشرت قدمها في تحويلة بين قضيبين من قضبان السكك الحديدية، فيسير فوقها القطار؛ حتى لا يصطدم هذا القطار بقطار آخر لو غير هذا الرجل – وهو عامل التحويلة – مسار ذلك القطار لمسار آخر غير الذي انحشرت قدم ابنته في التحويلة التي بمر بها.
ويكون موت هذه الابنة في يوم العيد حتى يكون تصوير الفاجعة شديدًا، ويكون موتها بيد أبيها وأمام أمها حتى يكون وقعها عنيفًا على المتلقين لها، فيستثير منهم البكاء والتأوهات.
وأيضًا من سمات الميلودراما في مسرحيات يوسف وهبي القصيرة انقلاب الشخصيات فيها، فيتحولون لغير طبائعهم التي تم تصويرهم بها من قبل لطبائع أخرى، كما نرى ذلك في مسرحية “الموعد” التي نرى فيها لصًّا مجرمًا يتحول لشخص شديد النبل، فيتسبب في قتل نفسه؛ حتى تعيش زوجته مع زوجها الآخر الذي تزوجته بعده، ولم تكن تعلم أن زوجها الأول على قيد الحياة، وقد أراد هذا الشخص بموته هذا أن يضمن لها استمرار السعادة مع ابنه في رعاية ذلك الزوج الآخر.
ونرى أيضًا من سمات الميلوراما في مسرحيات يوسف وهبي القصيرة وجود الوعظ المباشر، كما نرى مثالًا لذلك في مسرحية “الكافر” التي نرى فيها بطلها في نهايتها يرجع عن قنوطه من رحمة الله وكفره به إثر حادث تم بطريق المصادفة، وحُلَّتْ مشاكله من خلاله، وهنا يقوم ذلك الشخص بدور الواعظ، فيدعو لعدم القنوط من رحمة الله، ولشكر الله على نعمه، ولا شك أن متلقي هذه المسرحية سيدرك – من متابعته أحداث هذه المسرحية- تلك المواعظ دون حديث ذلك الشخص عنها بشكل مباشر.
وهكذا رأينا أهم سمات المسرحية الميلودرامية بارزة في مسرحيات يوسف وهبي القصيرة.

بقلم د.علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم