“سلامة الأنظمة” تربك سباق الذكاء الاصطناعي بين الشركات وواشنطن

يحذر محللون من أن خفض الإنفاق لدى “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، سواء على البحث والتطوير أو التوظيف أو المشروعات الرأسمالية، قد يمتد أثره إلى قطاع التكنولوجيا والأسواق المالية، بسبب دور الشركتين في تحفيز الطلب على الرقائق والحوسبة السحابية ومراكز البيانات.

تواجه شركتا “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” ضغوطًا متعارضة بين الدعوات المتزايدة إلى التمهل في تطوير أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا، والمصالح الاستثمارية والجيوسياسية التي تدفع في اتجاه استمرار السباق، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تباطؤ إلى هز أسواق التكنولوجيا ومنح الصين فرصة لتقليص الفجوة مع الولايات المتحدة.

وأعلنت الشركتان إجراءات جديدة لتعزيز سلامة أنظمتهما وتقييم المخاطر المرتبطة بها، في أعقاب حوادث أظهرت قدرة نماذج متقدمة على تنفيذ مهام إلكترونية بصورة مستقلة، وأثارت تساؤلات بشأن مدى قدرة الشركات على إبقاء أنظمتها تحت السيطرة.

ودعا الرئيس التنفيذي لـ”أنثروبيك”، داريو أمودي، في مقال نشره السبت، إلى إبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدمًا، محذرًا من احتمال تجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي قدرة البشر على التحكم بها، بما قد يقود إلى أضرار كارثية.

وأيد الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي”، سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لـ”إكس إيه آي”، إيلون ماسك، جانبًا من دعوة أمودي، الذي أوضح أن المقصود ليس تعليق تدريب النماذج أو وقف التقدم التقني، بل إتاحة وقت كاف لإجراءات السلامة والاختبارات كي تواكب سرعة تطور الأنظمة.

وتصطدم هذه الدعوات بحجم الرهانات المالية المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي، إذ ضخت شركات ومستثمرون مئات مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الحاسوبية. وأثارت احتمالات تباطؤ القطاع ضغوطًا على عدد من الأسهم المرتبطة به، بينها “إس كيه هاينكس” و”سامسونج” في كوريا الجنوبية، فيما تراجع سهم مجموعة “سوفت بنك”، أحد أبرز المستثمرين في “أوبن إيه آي”، بما يصل إلى 13%.

ويحذر محللون من أن خفض الإنفاق لدى “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، سواء على البحث والتطوير أو التوظيف أو المشروعات الرأسمالية، قد يمتد أثره إلى قطاع التكنولوجيا والأسواق المالية، بسبب دور الشركتين في تحفيز الطلب على الرقائق والحوسبة السحابية ومراكز البيانات.

وعلى الصعيد السياسي، قد تصطدم أي محاولة واسعة لإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي بموقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تضع تسريع الابتكار والحفاظ على التفوق على الصين ضمن أولوياتها الاقتصادية والأمنية.

وقال ترمب، الأحد، على هامش بطولة للغولف في إيرلندا، إن الولايات المتحدة تتقدم على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي وإنه يريد الحفاظ على هذا التفوق. وأبدى انفتاحًا على فرض بعض الضوابط، لكنه انتقد ما اعتبره مبالغة في التركيز على المخاطر المحتملة للتكنولوجيا.

من جانبه، شدد ألتمان على أن إبطاء الوتيرة لا يعني وقف التطوير، معتبرًا أن المجال الذي يحتاج إلى تدخل حكومي بصورة أساسية هو التنسيق الدولي، فيما ينبغي على الشركات اتخاذ ما تستطيع من إجراءات ذاتية لرفع مستويات السلامة.

وتصاعد الجدل داخل قطاع الذكاء الاصطناعي خلال الأيام الماضية، بعدما استقال الباحث السابق في “أنثروبيك”، جاكوب كوكسون، متهمًا الشركات بالمخاطرة بحياة البشر في سباقها نحو أنظمة أكثر تقدمًا.

وتزامنت هذه المخاوف مع الكشف عن سلسلة حوادث أمنية. فقد أعلنت “أوبن إيه آي” أن أنظمة قيد الاختبار تمكنت من الوصول إلى خدمة إلكترونية رغم قيود مفروضة عليها، كما شاركت أنظمة تابعة لها في اختراق منصة “هاجينغ فيس” خلال اختبار أمني في تموز/يوليو. وكشفت “أنثروبيك” و”ميتا” بدورهما عن حوادث نفذت فيها أنظمة ذكاء اصطناعي عمليات هجومية إلكترونية بصورة ذاتية.

ووصل النقاش إلى الكونغرس الأميركي، حيث طرح مشرعون مقترحات لضوابط إضافية وآليات تتيح إيقاف أنظمة الذكاء الاصطناعي عند الضرورة، إلا أن فرص تمرير تشريع شامل تبدو محدودة في ظل الانقسامات السياسية واقتراب انتخابات التجديد النصفي.

وفي إطار تشديد الرقابة، اقترح أمودي السماح لجهات مستقلة متخصصة في تقييم السلامة بالوصول إلى شركات الذكاء الاصطناعي بمستوى قريب من موظفيها، بهدف فحص النماذج قبل إطلاقها.

وقال إن “أنثروبيك” ستفتح أنظمتها الجديدة أمام مقيّمين مستقلين، وهي خطوة أبدى ألتمان تأييده لتطبيقها في “أوبن إيه آي”، فيما اعتبر ماسك أن مراجعة الأقران بين مطوري الذكاء الاصطناعي تستحق التنفيذ.

كما دعا أمودي إلى إشراف حكومي على الأنظمة المتقدمة، معتبرًا أن التنظيم يتيح للجمهور والمؤسسات المنتخبة المشاركة في تحديد الحدود التي ينبغي أن تلتزم بها الشركات الخاصة.

وفي مؤشر إلى تأثير مخاوف السلامة على الخطط التجارية، قال ألتمان إن “أوبن إيه آي” لن تطرح أسهمها للاكتتاب العام خلال 2026، معتبرًا أن هذه الخطوة ليست مناسبة في الوقت الحالي قبل معالجة مسائل السلامة ومواءمة النماذج. وأضاف أنه لا يقبل مخاطرة تصل إلى 10% باحتمال أن تؤدي التكنولوجيا إلى مقتل البشر بحلول نهاية العقد.

في المقابل، لا تزال “أنثروبيك” ماضية في خططها للطرح العام، وسط تقارير عن اختيار بورصة “ناسداك” للإدراج المتوقع، ما يعكس استمرار الضغوط التنافسية والاستثمارية رغم تصاعد التحذيرات.

وتزداد صعوبة التوصل إلى تباطؤ منسق في ظل استمرار الشركات الصينية في طرح نماذج جديدة وتقليص الفجوة مع منافسيها الأميركيين، إذ يخشى مسؤولون وخبراء في القطاع من أن يؤدي أي تراجع أحادي الجانب من الشركات الأميركية إلى منح الصين أفضلية في سباق باتت واشنطن تنظر إليه بوصفه جزءًا من منافستها الاستراتيجية معها.

وبذلك، تجد “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” نفسيهما أمام تحدي الموازنة بين تطوير إجراءات السلامة بما يتناسب مع القدرات المتسارعة للنماذج، وبين استمرار الاستثمار والابتكار والحفاظ على موقع الشركات الأميركية في المنافسة العالمية.

******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم