رفيق فرحة.حين تعود الذاكرة على جناحي العود والكمان .خمسون عاماً من الحكاية: فنانٌ حمل الموسيقى من مقاعد الدراسة إلى دفء البيت. مشاركة: مصطفى رعدون.

دعوة
على فنجان قهوة

من قبل الأستاذ الفنان رفيق فرحة حيث واجهته في إحدى الدوائر الرسمية اليوم الإثنين 2026/9/7
وقد لبيت دعوته ، وجلسنا في منزله ، نتجاذب أطراف حديث يشمل خمسين سنة مضت ،
كان طالبا في الصف العاشر ، في المجمع الثانوي ، شاليشه جميل و نضارته بادية ، وكان يلفت انتباهي برسمه الجميل ، وميوله الموسيقية والغنائية الرائعة ،
وقد ولد في السقيلبية عام 1960 ، ودرس في معهد إعداد المدرسين في حلب ،قسم التربية الموسيقية ، وكان تخرجه عام 1982حيث التحق بالتدريس في مدارس المنطقة ، وبذل جهودا طيبة في تعليم الجيل لهذه المادة الذوقية الجميلة ، ولا زال الى اليوم يتابع في تعليم بعض الطلاب الموهوبين في منزله ، بالرغم من تقاعده ، وهو يكتب الأغنية ، ويلحنها ، ويعزف لها ، ويؤديها بصوته الرائع ، ومن أدواته الموسيقية ، العود ، والكمان ، والأورغ ،
وهو واحد من أسرة كل أفرادها فنانين ، الأخوة جميعا ، لفتت إنتباهي منذ سبعينات القرن الماضي :
تذكرني بعائلة البندلي ،
بديع ، وعايد ، ورفيق ، وسمير ، وفايز
يقرضون الأهازيج ، ويلحنون ، ويغنون ، ويرسمون ،
بارك الله بهم وأرضاهم ،
مصطفى رعدون

***&***
رفيق فرحة… حين تعود الذاكرة على جناحي العود والكمان
خمسون عاماً من الحكاية: فنانٌ حمل الموسيقى من مقاعد الدراسة إلى دفء البيت
بقلم: مصطفى رعدون
هناك لقاءات لا تشبه سواها…
تبدأ بفنجان قهوة، وتنتهي بفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها.
وهناك أشخاص، حين تجلس إليهم بعد عقود طويلة، تشعر أن الزمن لم يمضِ تماماً، وأن وجوه الأمس ما زالت تحتفظ بشيء من بريقها الأول، وأن صوتاً قديماً يمكن أن يعيدك فجأة إلى مقعد دراسي، أو إلى ممر مدرسة، أو إلى أيام الشباب حين كانت الموهبة تولد أمام أعيننا، فنراها تكبر عاماً بعد عام.
هكذا كانت دعوتي إلى منزل الأستاذ الفنان رفيق فرحة.
لبّيت الدعوة، وجلست إلى جانبه، وكان فنجان القهوة مدخلاً إلى حديث طويل، حديث لم يكن عن الحاضر وحده، بل كان رحلة امتدت نحو خمسين عاماً من الذكريات؛ نستعيد خلالها وجوهاً وأياماً وأحلاماً وأغنيات، ونتوقف عند محطات لا تزال عالقة في الذاكرة كما لو أنها حدثت بالأمس.
من مقعد الطالب بدأت الحكاية
أتذكر رفيق فرحة في سنوات الدراسة، حين كان طالباً في الصف العاشر في المجمع الثانوي.
كان شاباً جميلاً، نضراً، لافت الحضور، لكن أكثر ما كان يجذب الانتباه إليه هو ذلك العالم الفني الذي كان يتشكل داخله باكراً.
كان يرسم، وكانت رسوماته تكشف عن حس جمالي واضح، وكان يميل إلى الموسيقى والغناء، وكأن الفن لم يكن بالنسبة إليه هواية عابرة، بل طريقاً بدأ يرسم ملامحه منذ وقت مبكر.
ومنذ تلك السنوات، كان يمكن للعين أن تلتقط شيئاً مختلفاً في هذا الشاب؛ موهبة تبحث عن أدواتها، وإحساساً موسيقياً يريد أن يجد صوته.
ولد رفيق فرحة في السقيلبية عام 1960، ثم تابع دراسته في حلب، في معهد إعداد المدرسين – قسم التربية الموسيقية، وتخرج عام 1982.
ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة أخرى من الحكاية؛ مرحلة لم يعد فيها الفن مجرد موهبة شخصية، بل أصبح رسالة.
المعلم الذي لم يتقاعد منه الفن
التحق رفيق فرحة بالتدريس في مدارس المنطقة، وحمل معه إلى الصفوف الدراسية ما يحمله الفنان الحقيقي من إيمان بأن الموسيقى ليست مجرد مادة تضاف إلى جدول الحصص، وإنما هي تربية للروح، وتهذيب للذائقة، واكتشاف للمواهب.
كم من طالب ربما اكتشف صوته أو لمس آلته الموسيقية الأولى بفضل معلم آمن به!
وهذه واحدة من أجمل وظائف الفن والتربية؛ أن ترى موهبة صغيرة قبل أن يراها الآخرون، وأن تمنحها شيئاً من الوقت والمحبة والتشجيع.
ورغم وصوله إلى سن التقاعد، فإن رفيق فرحة لم يضع الموسيقى جانباً، ولم يغلق باب التعليم.
ما زال يتابع في منزله تعليم بعض الطلاب الموهوبين، وكأن رسالة المعلم لم تنتهِ بخروجه من المدرسة.
فثمة معلمون يتقاعدون من الوظيفة، لكنهم لا يتقاعدون من الرسالة.
يكتب الأغنية… ويلحنها… ويغنيها
أما الفنان في داخله، فما زال حاضراً بكل تفاصيله.
رفيق فرحة يكتب الأغنية، ويلحنها، ويعزف لها، ثم يؤديها بصوته؛ أي أنه لا يقف عند مرحلة واحدة من العمل الفني، وإنما يشارك في صناعة الأغنية منذ ولادة الفكرة والكلمة، مروراً باللحن، وصولاً إلى الأداء.
وترافقه في هذه الرحلة آلاته الموسيقية التي تبدو وكأنها جزء من شخصيته الفنية:
العود… الكمان… الأورغ.
ثلاثة أصوات مختلفة، لكنها تلتقي في يد الفنان لتصنع عالماً موسيقياً خاصاً.
فالعود يحمل دفء الشرق، والكمان يفتح مساحة واسعة للحن والإحساس، أما الأورغ فيمنح الموسيقى ألواناً ومساحات أخرى.
وهكذا لا يصبح الفنان مجرد عازف على آلة، بل يصبح قادراً على الانتقال بين أكثر من نافذة موسيقية.
حين تكون العائلة نفسها فرقة فنية
لكن قصة رفيق فرحة لا تكتمل من دون الحديث عن أسرته.
فهو واحد من عائلة لفتت انتباهي منذ سبعينيات القرن الماضي؛ عائلة يبدو أن الفن فيها لم يكن ضيفاً، بل كان واحداً من أفراد البيت.
بديع، وعايد، ورفيق، وسمير، وفايز.
أخوة اجتمعت لديهم مواهب متعددة؛ يقرضون الأهازيج، ويلحنون، ويغنون، ويرسمون.
وحين أستعيد صورة هذه العائلة، أجدني أتذكر إلى حد بعيد عائلة البندلي؛ تلك الصورة الجميلة التي يمكن أن يتحول فيها البيت إلى مساحة فنية، ويصبح الغناء والموسيقى والرسم جزءاً من الحياة اليومية.
إنها ظاهرة تستحق التوقف عندها؛ فالفن حين يتوارثه أفراد الأسرة لا يعني بالضرورة انتقال الموهبة وحدها، وإنما انتقال المناخ الفني أيضاً.
الطفل الذي يكبر بين أغنية ولحن وريشة رسم، يعيش الفن بطريقة مختلفة؛ يسمعه قبل أن يتعلم اسمه، ويراه قبل أن يعرف مصطلحاته، ويكتشف أن الإبداع يمكن أن يكون جزءاً طبيعياً من الحياة.
خمسون عاماً… وما زالت الأغنية حاضرة
وأنا أجلس مع رفيق فرحة على فنجان القهوة، لم أشعر أننا نتحدث عن خمسين عاماً مضت.
كانت الذكريات حاضرة بقوة؛ وجوه الشباب، المدرسة، الرسم، الموسيقى، الأغنية، الأصدقاء، الأسرة، والأيام التي كان فيها الفن أكثر التصاقاً بالحياة اليومية.
تلك الأيام التي لم تكن فيها التكنولوجيا قد اختصرت المسافات بين الفنان وجمهوره، ولم تكن الأغنية تولد بضغطة زر، ولم تكن الصورة والموسيقى تعيشان في الهاتف كما هما اليوم.
كان هناك وقت للتعلم، ووقت للتجربة، ووقت للخطأ، ووقت طويل كي تنضج الموهبة.
ومن هنا تأتي قيمة هذه الذكريات؛ فهي ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما شهادة على جيل آمن بأن الفن يمكن أن يصنع الإنسان، وأن المعلم يمكن أن يكون فناناً، وأن الفنان يمكن أن يبقى معلماً حتى آخر الطريق.
الخاتمة: فنجان قهوة… وذاكرة لا تنتهي
انتهى فنجان القهوة، لكن الحديث لم ينتهِ.
فالذاكرة حين تلتقي بالفن لا تعرف كيف تضع نقطة في آخر السطر.
رفيق فرحة ليس مجرد اسم في دفتر قديم، ولا مجرد مدرس موسيقى وصل إلى التقاعد؛ إنه صفحة من صفحات زمن فني جميل، زمن كانت فيه الموهبة تنمو في المدارس والبيوت، وكانت العائلة تستطيع أن تتحول إلى ورشة للإبداع، وكان الفنان يحمل آلته الموسيقية كما يحمل جزءاً من روحه.
وحين غادرت منزله، بقي في الذاكرة ذلك الشاب الذي رأيته قبل عقود، طالباً في الصف العاشر، جميل الطلعة، يلفت الأنظار برسوماته وميوله الموسيقية.
تغيرت السنوات، وتبدلت الأيام، وكبرت التجربة…
لكن رفيق فرحة ما زال يمسك بالعود، ويستدعي الكمان، ويجلس إلى الأورغ، ويكتب ويُلحن ويغني ويعلّم.
وكأن الرسالة التي بدأت في مقاعد الدراسة لم تصل بعد إلى سطرها الأخير.
بارك الله برفيق فرحة وإخوته، وحفظ هذه العائلة الفنية، وأرضاهم، وجعل ما قدموه من فن وتعليم وذاكرة إرثاً جميلاً يبقى في وجدان الأجيال.
فبعض الناس نلتقيهم في الحياة مرة،
وبعضهم نلتقي بهم فنجد أننا التقينا بزمن كامل.

أخر المقالات

منكم وإليكم