ابو محمد ثامر محمود شهيدو
“صدّق أو لا تصدّق… رحيل هذه العجوز هو سبب وصول سعر الكباش إلى ماهو عليه الآن
كانت تسكن في قرية نائية بين الجبال
امرأة بسيطة لا تظهر في التلفزة، ولا تملك صفحة فايسبوك تنشر فيها “روتيني الصباحي”، ولا تعرف معنى التنمية المستدامة ولا الاقتصاد الأخضر. لكنها كانت، دون أن تدري، تدير نظامًا اقتصاديًا كاملًا أكثر نجاعة من عشرات الندوات
كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، تنام بعد غيابها، وتتحرك طوال اليوم كأنها جيش كامل في جسد امرأة عجوز.
تطعم الأغنام، تنظف الإسطبل، تحلب البقرات السبع، تجمع البيض، تراقب الخراف الصغيرة وهي تتقافز في الحقول حتى أصبح من المستحيل عدّها. وإن ضاع خروف، لا أحد ينتبه… من كثرة الخير.
كان الحليب متوفرًا لدرجة أن الكلاب نفسها أصبحت تشربه.
أما البيض والدجاج، فلم يعودا طعامًا ذا قيمة داخل البيت، بل تحولا إلى هدايا تُمنح للضيف والغريب والجيران.
تلك العجوز لم تكن خبيرة اقتصاد، لكنها كانت تصنع التوازن الحقيقي بين الإنتاج والاستهلاك.
كانت توفّر فائضًا يجعل الأسواق مستقرة والأسعار معقولة دون أن تطلب دعمًا من صندوق النقد أو قرضًا من بنك أجنبي.
ثم رحلت العجوز.
ورحل معها جيل كامل من النساء اللواتي كنّ يحملن البلاد فوق ظهورهن دون ضجيج.
أما الأبناء والأحفاد، فقد اكتشفوا حياة أخرى: كرواسون في مقاهي المدن الحديثة ، صور “سيلفي”، وهواتف ذكية، وأحاديث عن “الطاقة السلبية” و”تحقيق الذات”.
هجرت الحقول، صمتت الإسطبلات، واختفت رائحة الحليب الطازج.
الخراف التي كانت تتكاثر كالعشب أصبحت تُباع بالقطعة وكأنها سيارات ألمانية مستعملة.
واليوم، عندما تسمع أن سعر الكبش تجاوز أضعاف سعره بأشواط عديدة لا تغضب من التاجر فقط.
تذكر أن هناك عجوزًا ماتت… ومعها مات اقتصاد كامل كان قائمًا على العرق، والصبر، والعمل الحقيقي.
كنا نعيش بفضل نساء يصنعن الثروة بأيديهن،
أما اليوم فأصبح بعض الأحفاد يصنعون “المحتوى” فقط.
جدّاتنا كنّ ينفخن النار تحت الطاجين،
وحفيداتهن أصبحن ينفخن الشفاه والمؤخرات بالبوتوكس.
فانتفخ كل شيء بعدهن… حتى الأسعار”.


