رحلة مع الفيلسوف إيمانويل كانط

هل نرى العالم كما هو حقيقةً؟ أم كما تفرضه علينا عقولنا؟

لو سألت أي شخص: “أين توجد الأشياء؟” سيقول لك: “في المكان”. ولو سألته: “متى حدث هذا؟” سيقول لك: “في الزمان”. ولو سألته: “لماذا سقط الكوب؟” سيقول لك: “بسبب الجاذبية (السببية)”.
بالنسبة لنا، هذه بديهيات موجودة في الكون الخارجي ونحن فقط نلاحظها. لكن الفيلسوف الألماني المعقد والعبقري إيمانويل كانط قلب هذه الطاولة تماماً في كتابه الشهير
“نقد العقل المحض”(Critique of Pure Reason)، وجاء بما يسمى “الثورة الكوبرنيكية في الفلسفة”.

فماذا قال؟ 1. الزمان والمكان ليسا في العالم، بل هما “نظّارة” عقلك!
كانط يقول إن الزمان والمكان ليسا أشياء مادية نجدها في الطبيعة، وليسا فضاءات فارغة تحتوي الأشياء.
هما ببساطة “قوالب قبلية” (A priori) أو (مفاهيم سابقة على التجربة) ولدنا وعقولنا مبرمجة بها.
تخيل أنك ولدت بنظارة ذات عدسات حمراء ملتصقة بعينيك، سترى كل العالم أحمر بالضرورة.
الزمان والمكان هما نظارة العقل البشري؛ نحن لا نستطيع إدراك أي شيء خارج إطار الوقت والمساحة، ليس لأن العالم هكذا، بل لأن عقولنا لا تستطيع الفهم إلّا من خلال هذا الفلتر!

2. مبدأ السببية: العقل يربط الخيوط:
قبل كانط، خرج الفيلسوف “ديفيد هيوم” وقال إن (السبب والنتيجة) مجرد عادة بشرية ووهم (نحن نرى النار ثم نرى الاحتراق، لكن لا نرى خيطاً خفياً اسمه السببية).
هنا جاء كانط لإنقاذ العلم، وقال: السببية ليست وهماً، وليست أيضاً صفة نكتشفها في الأشياء الخرجية.. بل هي “مقولة عقلية قبلية”.
العقل البشري لا يستقبل المعلومات كـ “دش عشوائي” من الصور والأصوات.
عقلك يحتوي على “برنامج تنظيم” داخلي، يأخذ الأحداث ويرتبها تلقائياً بآلية: (هذا سبب.. وهذا نتيجة) ليجعل العالم منطقياً وقابلاً للفهم.

خلاصة فكرة كانط (الزيتونة):
نحن لا نعرف “الشيء في ذاته” (Noumenon) — أي العالم على حقيقته المطلقة بدون حواسنا وعقولنا.
نحن فقط نعرف “الظواهر” (Phenomena) — أي العالم كما يظهر لنا بعد أن تمت صياغته وترتيبه داخل مصنع العقل البشري عبر قوالب الزمان والمكان والسببية.

باختصار: أنت لا تعيش في العالم… العالم هو من يعيش في “إحداثيات” عقلك!

# مجلة إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم