جورج كدر… من حمص إلى هولندا
رحلة كاتب يبحث عن جذورنا الضائعة
جورج كدر الكاتب والصحفي السوري يطل علينا من منفاه الهولندي حاملاً في جعبته شجاعة نادرة ،شجاعة البحث في أغوار الذاكرة العربية، ورقة روح لا تذبل، وإصراراً على أن المعرفة ليست ترفاًبل طريق الحرية الوحيد. وُلد في حمص عام 1978، في مدينة عُرفت بضحكتها التي تخفي وجعاً عميقاً وربما لهذا السبب كان أول كتبه عن “النكتة الحمصية”، وكأنه أراد أن يفهم سرّ هذا الشعب الذي يضحك في وجه الألم. هو ليس مجرد صحفي يمارس مهنته، بل يعد قلّاباً للتراب، يبحث عن جذور آلهتنا القديمة، عن كلمات طفولتنا الأولى، عن تفاصيلنا الحميمية التي طالما اعتبرناها تابوهاً لا يُمسّ. جورج كدر روح تبحث عن معنى في زمن فقدان المعاني، وفي كل سطر يكتبه يهمس لنا: “لا تخافوا من ماضيكم، فهو المفتاح الوحيد لمستقبلكم”.
بدأ جورج كدر رحلته المهنية من جامعة دمشق حيث تخرّج من كلية الصحافة عام 2000، لكنه لم يكتفِ بالدراسة، فانطلق في دروب الإعلام العربي والدولي، متنقلاً بين عدة محطات مهمة.عمل منتجاً ومراسلاً في قناة الجزيرة، وهي تجربة فتحت له أبواباً واسعة للتعامل مع القضايا العربية من منظور مهني وعميق، ثم كتب في صحيفة “الحياة” اللندنية و”القدس العربي”، ملامساً قضايا ثقافية وسياسية بحساسية الصحفي الباحث، كما أصدر عن مركز الجزيرة للدراسات العديد من الدراسات والتحقيقات المتخصصة. لم يتوقف عند الإعلام التقليدي، بل كان من أوائل الصحفيين السوريين الذين انخرطوا في الإعلام الإلكتروني، وساهم في تأسيس مواقع إخبارية محلية، مؤمناً بأن الرقمنة تفتح أبواباً جديدة للحرية والمعرفة. أما اليوم، فيقيم جورج كدر في هولندا حيث يحمل جنسيتها ويدير شركة لإنتاج الإعلام، لكن قلبه يظل معلقاً بذاكرة الوطن وهمومه.
تنوعت كتابات جورج كدر بين الأنثروبولوجيا والتاريخ واللغة والدراسات الاجتماعية، وكل كتاب له طابع خاص وكأنه يحمل قطعة من روحه. في التراث والأنثروبولوجيا، أصدر “البحث في جذور النكتة الحمصية” عام 2004 وأعيد توسيعه عام 2018، وهي دراسة أنثروبولوجية فريدة تبحث في سرّ الفكاهة الحمصية وتكشف كيف تحولت النكتة إلى أيديولوجيا مقاومة وطقوس بقاء، كما أصدر “معجم آلهة العرب قبل الإسلام” عن دار الساقي عام 2013، وهو معجم هجائي يوثق لأكثر من 330 صنماً ومعبوداً قديماً في شبه الجزيرة العربية، عمل بحثي ضخم يعيد إحياء ذاكرة دينية منسية. وفي اللغة والطفولة، أصدر “معجم لغة الطفولة (اللهو مع تاريخ الكلمات)”، وهي دراسة لغوية شائقة تتعقب جذور الكلمات التي ينطقها الأطفال وتكشف عن تاريخها الممتد عبر آلاف السنين. أما في الفكر والسياسة، فقد أصدر “هندسة الفتن” عام 2016، وهي قراءة فكرية تحليلية لآليات تفتيت المجتمعات وإثارة النزاعات، وكتاب “سقوط الأبد” الذي يقدم جردة حساب قاسية لتاريخ السلطة في سوريا والعراق مستلهماً رمزية إنكيدو الأسطورية من ملحمة جلجامش، وقد تُرجم إلى الإنجليزية. وفي الجانب الوجداني والأدبي، أصدر “كتاب الرحم” عن دار عشتار في كندا عام 2022، وهو نصوص أدبية ومذكرات ذات طابع وجداني دافئ تلامس الذاكرة والمشاعر الإنسانية وكأنها خواطر كاتب في منفاه، كما أصدر “قصص على حائط الفيس بوك” الذي يضم نصوصاً وتدوينات أدبية واجتماعية نشرها رقمياً وتكشف عن جانب عفوي وحميمي من كتاباته. أما مشروعه الأكثر جرأة فهو “مكتبة الجنس في حياة العرب” الصادر عن دار أطلس، وهو سلسلة توثيقية تهدف إلى إعادة قراءة التراث العربي من زاوية مغايرة، وتضم سبعة كتب أبرزها “فن النكاح في تراث شيخ الإسلام جلال الدين السيوطي” في ثلاثة أجزاء صدرت عام 2011، و”سقيفة حبى” عام 2011، و”نون الصريح المدفون” عام 2012، و”نزهة المتأمل ومرشد المتأهل في فضائل النكاح” وهو كتاب محقق، و”رشف الرضاب وفاكهة الأحباب” وهو أيضاً كتاب محقق.
جورج كدر عاش الغربة والتهميش والأسئلة التي لا تنتهي عن الحرية والكرامة، لكنه لم يستسلم، بل اختار أن يضيء شمعة في العتمة، أن يكتب لنا عن آلهتنا المنسية، عن ضحكاتنا المسروقة، عن كلماتنا الأولى التي نطقناها ونحن لا نزال على حافة الحياة. ربما يكون السؤال الأهم الذي يتركه لنا هو: هل يمكن لإنسان أن يكون حراً حقاً، حتى في منفاه؟ جورج كدر يجيبنا بطريقته: الحرية ليست مكاناً، بل هي قرار داخلي، هي أن تبحث عن الحقيقة ولو كانت مؤلمة، أن تبتسم في وجه الخرافة، أن تكتب عن الجنس والحب والموت دون أن ترتجف. الرضا الذي تحدث عنه ليس مجرد فلسفة، بل هو حياة عاشها بكل تفاصيلها. في النهاية، يظل جورج كدر مثالاً للكاتب الذي يكتب بروحه لا بقلمه فقط، وهو تذكير بأن الثقافة العربية، رغم كل جراحها، لا تزال قادرة على إنجاب عقول شجاعة وأرواح متحررة وكلمات لا تموت. كما قال هو نفسه: “في الرضا عن نفسك قناعة، وفي القناعة سلام” وهكذا يمنحنا جورج كدر السلام، ليس لأن العالم أصبح أفضل، بل لأنه علّمنا أن ننظر إلى أنفسنا بعين المحب لا بعين الخائف.
سوريات_souriat
سمر عزيز
رابط المقال في موقع سوريات


