د.عصام عسيري بمقاله عن رسوم الاطفال .

رسوم الأطفال، البراءة التي غيّرت تاريخ الفن

د. عصام عسيري

لا تُعد رسوم الأطفال مجرد مرحلة عابرة في نمو الإنسان، ولا نشاطًا ترفيهيًا ينتهي بانتهاء سنوات الطفولة، بل هي لغة بصرية فطرية تكشف عن آليات الإدراك الأولى، وتعكس قدرة الإنسان على التعبير قبل أن تُقيده القواعد الأكاديمية أو الأعراف الجمالية. ولهذا لم ينظر إليها علماء النفس والتربية بوصفها شخبطات عشوائية، وإنما باعتبارها وثائق بصرية تكشف تطور التفكير والخيال والانفعال، كما وجد فيها فنانو القرن العشرين مصدرًا أصيلًا لتجديد اللغة التشكيلية بعد انتشار صور الكاميرات ولصدقها في التعبير.

فالطفل لا يرسم ما تراه العين، بل يرسم ما يعرفه العقل وما يشعر به الوجدان. لذلك تتسم رسوماته بالبساطة، والتسطيح، والرمزية، والمبالغة والتصغير في الأحجام، والشفافية والجرأة اللونية، وغياب المنظور التقليدي. وهي خصائص كانت تُعد قديمًا علامات نقص في المهارة، لكنها تحولت مع ظهور الحداثة إلى قيم جمالية مستقلة، بعدما أدرك الفنانون أن فطرية الصدق التعبيري قد يكون أكثر أهمية من الدقة البصرية المكتسبة، وأن الحقيق تخرج من أفواه الأطفال.

لقد جاءت الحداثة الفنية ثورة على القواعد الأكاديمية، وكان من أبرز منابعها العودة إلى مصادر التعبير الأولى؛ ومنها رسوم الأطفال. فلم يعد الهدف محاكاة الواقع كما تراه العين، بل إعادة اكتشاف العالم كما يراه العقل والخيال. ولهذا وجد عدد من كبار الفنانين في رسوم الأطفال نموذجًا للنقاء والعفوية والحرية التي فقدها الفن الأوروبي عبر قرون من الالتزام بالقواعد الصارمة في هندسة ورصانة الصورة.

ولعل أشهر من عبّر عن هذه الفكرة هو بابلو بيكاسو حين قال: استغرق مني أربع سنوات لأرسم مثل رفائيل، لكن احتجت عمراً كاملاً لأرسم مثل طفل. لم تكن عبارته دعابة، بل تلخيصًا لفلسفة فنية كاملة؛ فالرسم بعفوية الطفل يحتاج إلى تحرر من المعرفة والقيود قبل أن يحتاج إلى اكتسابها. وقد تجلت هذه الروح في كثير من أعماله التكعيبية والمتأخرة، حيث اختزل الأشكال وحرر الخطوط من القيود الأكاديمية.

كما استلهم بول كلي رسوم الأطفال بوصفها بداية جديدة للفن، واحتفظ برسومات طفولته وعدّها مرجعًا لتطوره الفني، بينما بنى جوان ميرو عالمًا بصريًا يقوم على الرموز والخطوط الحرة والأشكال التي تبدو طفولية في ظاهرها، لكنها تحمل عمقًا فلسفيًا بالغًا. أما جان دوبوفيه فقد جعل من العفوية والبراءة أساسًا لما عُرف لاحقًا بالفن الخام، داعيًا إلى التحرر من سلطة المؤسسات الأكاديمية، ولقى هذا الاتجاه تقديراً عالياً جدا في سوق الفن مع أعمال الفنان الأمريكي جين باسكيا.

وفي التجربة العربية، يمكن ملاحظة أثر هذه الجماليات في أعمال الفنانة جاذبية سري، التي استعادت البساطة التعبيرية والرموز الشعبية بروح قريبة من عالم الطفل، كما ظهرت ملامح هذا التوجه في عدد من التجارب المصرية كإبراهيم البريدي وتجارب عربية أخرى فضّلت التعبير الحر على المحاكاة الحرفية.

أما في السعودية، فتبرز تجربة عدة فنانين منهم: يوسف جاها، عبدالعزيز الناجم، فهد خليف، عُلا حجازي، عبدالعزيز عشر بوصفها تجارب التي منحت الخط واللون والشكل حرية كبيرة، واعتمدت الاختزال والتلقائية والتعبير المباشر، وهي سمات تتقاطع مع كثير من خصائص رسوم الأطفال، دون أن تكون تقليدًا لها، بل إعادة صياغة واعية لقيمها الجمالية.

إن قيمة رسوم الأطفال لا تكمن في أنها جميلة لأنها مرسومة بأيدي أطفال، وإنما لأنها تذكر الفنان بأن الإبداع يبدأ قبل القواعد، وأن الحرية تسبق التقنية، وأن الخيال يسبق الإتقان. وربما لهذا السبب ظل كثير من رواد الفن الحديث يبحثون طوال حياتهم عن تلك البراءة الأولى التي يفقدها الإنسان كلما ازداد معرفة.

ولعل المفارقة أن الطفل يحاول أن يرسم مثل الكبار، بينما يقضي كبار الفنانين أعمارهم في محاولة استعادة قدرة الطفل على الرسم بحرية. وبين المحاولتين تتشكل واحدة من أعظم مفارقات تاريخ الفن؛ فالبدايات التي ظُنّت يومًا مجرد خربشات، أصبحت لاحقًا أحد أهم منابع التجديد في الفن الحديث والمعاصر، وأثبتت أن البراءة ليست نقيضًا للإبداع، بل قد تكون منابعه الأولى وأكثرها صدقًا.

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم