دراسة ادبية تحليلية عن الاعتباطية في العلاقة التي تربط الدال بالمدلول.

الاعتباطية في اللسانيات: دراسة في طبيعة العلاقة بين الدال والمدلول

تمهيد

تُعدّ الاعتباطية من المبادئ المركزية في التصور اللساني الحديث، وقد ارتبطت بصورة خاصة باللساني السويسري فرديناند دي سوسير، الذي جعل منها إحدى الخصائص الأساسية للعلامة اللسانية. والمقصود بالاعتباطية أن العلاقة التي تجمع بين الدال، أي الصورة الصوتية للكلمة، والمدلول، أي المفهوم الذي تحيل إليه، ليست علاقة طبيعية أو ضرورية في أصلها، وإنما هي علاقة تقوم على العرف والاصطلاح داخل الجماعة اللغوية.

  1. مفهوم الاعتباطية

يرى سوسير أن العلامة اللسانية تتكون من طرفين متلازمين:

الدال: الصورة الصوتية أو الشكل الذي تتخذه الكلمة في اللغة.

المدلول: التصور الذهني أو المفهوم المرتبط بذلك الدال.

فعندما نقول «شجرة»، فإن الأصوات التي تتكون منها الكلمة /شجرة/ لا تحمل في ذاتها شيئًا يجعلها مرتبطة ضرورة بالمفهوم الذي تدل عليه.

والدليل على ذلك أن اللغات المختلفة تستعمل ألفاظًا مختلفة للمفهوم نفسه:
العربية: شجرة، الفرنسية: arbre، الإنجليزية: tree.

ولو كانت العلاقة بين الدال والمدلول طبيعية وضرورية، لكان من المتوقع أن تتقارب اللغات في تسمية الأشياء نفسها.

  1. لماذا سُمّيت العلاقة اعتباطية؟

لا يعني الاعتباط أن المتكلم يستطيع أن يختار أي لفظ شاء لأي معنى في اللحظة التي يتكلم فيها. فالفرد لا يستطيع أن يقرر، مثلًا، أن لفظ «كتاب» سيعني «ماء» داخل العربية، لأن اللغة نظام اجتماعي سابق على الفرد.

فالاعتباطية تعني أن اختيار الدال بالنسبة إلى مدلوله ليس مفروضًا بطبيعة الشيء، وإنما استقر تاريخيًا داخل الجماعة اللغوية وأصبح عرفًا ملزمًا لأفرادها.

ولهذا يمكن القول:

العلاقة اعتباطية من حيث أصلها، لكنها إلزامية من حيث استعمالها داخل النظام اللغوي.

  1. الاعتباطية والطبيعية

ينبغي التمييز بين الاعتباطية وبين الحالات التي يبدو فيها أن هناك صلة طبيعية بين الصوت والمعنى، خصوصًا في ألفاظ المحاكاة الصوتية مثل: «خرير»، «همهمة»، «طنين».

وقد تبدو هذه الألفاظ أقل اعتباطية لأنها تحاول محاكاة أصوات موجودة في الواقع. غير أن سوسير لا يرى فيها نقضًا حقيقيًا للمبدأ؛ لأن المحاكاة نفسها تختلف من لغة إلى أخرى، وتخضع للتنظيم الصوتي والصرفي للغة.

فالصوت الذي يمثّل نباح الكلب مثلًا لا يُنقل بالطريقة نفسها في جميع اللغات.

  1. الاعتباطية ليست فوضى

من أكثر الأخطاء شيوعًا فهم الاعتباطية باعتبارها عشوائية.

الاعتباطية لا تعني أن اللغة فوضى، وإنما تعني أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست علاقة طبيعية ضرورية. أما بعد أن تستقر العلامة داخل النظام اللغوي، فإنها تصبح جزءًا من شبكة من العلاقات والقواعد التي تحدد استعمالها.

فكلمة «كتاب» لا تكتسب قيمتها من ذاتها فقط، وإنما من موقعها داخل شبكة لغوية أوسع، ومن علاقاتها بكلمات أخرى مثل: كاتب، مكتوب، مكتبة، كتابان، كتب…

وهنا ننتقل من اعتباطية العلامة إلى نظامية اللغة.

  1. الاعتباطية والدلالة

تكشف الاعتباطية أن المعنى اللغوي لا يُستمد بالضرورة من المادة الصوتية للكلمة. فاللفظ في ذاته لا يحمل المعنى الذي نربطه به، وإنما يكتسب قيمته من النظام اللغوي ومن الاستعمال الاجتماعي.

وهذا يفسر لماذا لا يستطيع متعلم لغة أجنبية أن يستنتج معنى كلمة جديدة بمجرد سماع أصواتها، بل يحتاج إلى تعلم العلاقة التي أقامتها الجماعة اللغوية بين ذلك الدال ومدلوله.

  1. هل الاعتباطية مطلقة؟

لا ينبغي التعامل مع الاعتباطية بوصفها مبدأ مطلقًا يخلو من الاستثناءات أو القيود. فقد ناقش اللسانيون ظواهر مثل:

المحاكاة الصوتية.

الرموز الصوتية.

بعض العلاقات بين البنية الصرفية والمعنى.

التناسب بين بعض الصيغ الصرفية والوظائف الدلالية.

كما أن سوسير نفسه تحدث عن الدافع النسبي في بعض العلامات، حيث تكون العلاقة بين أجزاء العلامة أكثر قابلية للتفسير، مثل العلاقة بين عشرة وعشرين في بعض الأنظمة العددية، مقارنة بكلمات لا يمكن تفسير بنيتها الداخلية دلاليًا.

إذن يمكن التمييز بين اعتباطية مطلقة واعتباطية نسبية.

  1. الاعتباطية والقيمة اللسانية

تكمن أهمية مبدأ الاعتباطية في أنه ساعد سوسير على نقل دراسة اللغة من البحث عن علاقة مباشرة بين الكلمات والأشياء إلى دراسة العلاقات داخل النظام اللغوي.

فالقيمة اللغوية لا تتحدد فقط بما تحيل إليه الكلمة في العالم الخارجي، بل أيضًا بموقعها وعلاقاتها داخل النظام.

ومن هنا جاءت الفكرة السوسيرية الشهيرة التي يمكن تلخيصها بأن اللغة نظام من العلامات والقيم، وأن قيمة العنصر تتحدد من خلال علاقته بالعناصر الأخرى.

خاتمة

تمثل الاعتباطية أحد الأسس التي قامت عليها اللسانيات البنيوية الحديثة. فهي تؤكد أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست علاقة طبيعية تفرضها الأشياء، وإنما علاقة اصطلاحية اجتماعية تستقر داخل النظام اللغوي.

غير أن الاعتباطية لا تعني الفوضى أو حرية الفرد في تغيير معاني الكلمات، بل تعني أن اللغة نظام اجتماعي تاريخي يفرض على المتكلمين قيم علاماته وعلاقاتها. ولذلك فإن دراسة الاعتباطية تقود في النهاية إلى فهم أعمق لطبيعة اللغة بوصفها نظامًا من العلامات والعلاقات، لا مجرد قائمة من الأسماء التي تطلق على الأشياء.

باختصار
الاعتباطية تعني أن الدال لا يرتبط بالمدلول ارتباطًا طبيعيًا ضروريًا، وإنما يرتبط به بفضل العرف اللغوي والنظام الاجتماعي الذي تتحدد داخله قيمة العلامة.

#اللسانيات واللغة العربية#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم