حين يمتطي الضوء صهوة الجمال:جائزة الشيخ منصور بن زايد لتصوير الخيل العربي تحتفي بذاكرة الفروسية وعدسة الإبداع.من مهرجانات الخيول وميادين الفروسية إلى منصات التكريم في المملكة المغربية- إعداد: فريد ظفور


حين يمتطي الضوء صهوة الجمال: جائزة الشيخ منصور بن زايد لتصوير الخيل العربي تحتفي بذاكرة الفروسية وعدسة الإبداع
من مهرجانات الخيول وميادين الفروسية إلى منصات التكريم في المملكة المغربية، تتجدد حكاية الخيل العربي في الصورة الفوتوغرافية، حيث يلتقي التراث الأصيل بالرؤية الفنية، وتتحول الحركة إلى ذاكرة بصرية تحفظ جمال الحصان العربي ومكانته في الثقافة العربية.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين يصبح الخيل قصيدةً من الضوء
ليس الخيل العربي مجرد كائن جميل تتناسق في جسده العضلات، وتلمع في عينيه شرارة الحياة، وتنساب في حركته رشاقة موروثة عبر القرون؛ إنه رمز ثقافي وحضاري تختزن ملامحه تاريخ الفروسية العربية، وقيم الأصالة والشجاعة والوفاء، وعلاقة الإنسان بالأرض والحرية. ومن هنا، تكتسب الفوتوغرافيا المتخصصة في تصوير الخيل أهمية تتجاوز التوثيق إلى بناء صورة فنية تحفظ الذاكرة وتعيد تقديم التراث بلغة بصرية معاصرة.
وفي هذا السياق، تبرز جائزة الشيخ منصور بن زايد لتصوير الخيل العربي، في نسختها الثانية عشرة، التي ينظمها اتحاد المصورين العرب، بوصفها مناسبة للاحتفاء بالصورة الفوتوغرافية التي تجعل من الخيل موضوعاً للإبداع والتأمل، وتفتح أمام المصورين مجالاً لاختبار قدراتهم في قراءة الحركة والضوء والتكوين، واستكشاف العلاقة العميقة بين جمال الحصان وروح المكان.
ويكتسب حفل التكريم الذي أُقيم في المملكة المغربية بُعداً ثقافياً عربياً، إذ يلتقي الاحتفاء بالإنجاز الفني مع حضور الخيل في الوجدان والتراث، في مشهد تتجاور فيه الذاكرة العربية مع طموحات التصوير الحديث.
جائزة تحتفي بالخيل العربي وبراعة المصور
تنبع أهمية الجوائز الفوتوغرافية المتخصصة من قدرتها على توجيه الاهتمام إلى موضوعات تحمل قيمة ثقافية وإنسانية، وتمنح المصورين فرصة لتقديم رؤاهم المختلفة ضمن مساحة من التنافس الإبداعي. وعندما يكون الموضوع هو الخيل العربي، تصبح المهمة أكثر دقة؛ فالمصور لا يواجه جمالاً ثابتاً يمكن تسجيله بسهولة، بل كائناً حياً تتبدل ملامح حضوره مع كل حركة، وتتغير علاقته بالضوء والخلفية والمسافة في أجزاء من الثانية.
إن تصوير الخيل يتطلب معرفة بطبيعة الحيوان وسلوكه، وإدراكاً لتفاصيل بنيته التشريحية، وقدرة على توقع اللحظة التي تتكامل فيها حركة القوائم مع امتداد العنق وارتفاع الرأس وتطاير العرف والذيل. وفي تلك اللحظة القصيرة قد تتجسد صورة تختصر قوة الحصان ورشاقته وشموخه، وتمنح المشاهد إحساساً بأن الحركة قد توقفت زمناً، من دون أن تفقد شيئاً من طاقتها.
ومن هنا، لا تُقاس قيمة الصورة بعدد التفاصيل الواضحة وحدها، بل بقدرتها على بناء علاقة بين الموضوع والمشاهد؛ علاقة تجعل الحصان أكثر من عنصر داخل الإطار، وتمنحه حضوراً بصرياً يكاد يلامس الشخصية الإنسانية.
مهرجانات الخيول: مسرح مفتوح للصورة
تشكّل فعاليات الخيول ومهرجانات الفروسية بيئة استثنائية للمصورين، لما تجمعه من عروض جمال الخيل، واستعراضات الحركة، ومشاهد الانطلاق، والتفاعل بين الفرسان وخيولهم، إلى جانب الأجواء الاحتفالية التي تحيط بهذه الفعاليات.
في ميادين الفروسية، تتعدد الحكايات التي تستطيع الكاميرا التقاطها. فهناك الحصان الواقف في وقفة اعتداد، والحصان المنطلق بأقصى سرعته، والفارس الذي ينسجم جسده مع حركة جواده، واللحظات الهادئة التي تكشف علاقة الثقة بين الإنسان والحيوان. كما تقدم تفاصيل السرج واللجام والعرف والعضلات والحوافر مادة غنية للصور القريبة التي تحتفي بالجمال التشريحي والحرفية التقليدية.
ولا تقل المشاهد المحيطة أهمية عن الحدث نفسه؛ فالغبار المتصاعد خلف الحوافر، وأشعة الشمس التي تخترق الساحة، وظلال الخيول الممتدة على الأرض، ووجوه الجمهور، واستعداد الفرسان قبل الانطلاق، كلها عناصر قادرة على إثراء السرد البصري للمهرجان.
والمصور المحترف لا يكتفي بالبحث عن اللقطة الصاخبة أو الأكثر إثارة، بل يحاول أن يبني قصة متكاملة: صورة افتتاحية للمكان، وأخرى توثق الاستعداد، وثالثة تلتقط ذروة الحركة، ثم صور تفصيلية وإنسانية تمنح المشاهد إحساساً بأنه عاش الحدث، لا أنه شاهد نتائجه فقط.
لغة الضوء في تصوير الخيل
يمثل الضوء أحد أهم عناصر النجاح في هذا النوع من التصوير. فالضوء الجانبي قادر على إبراز عضلات الحصان وتفاصيل جسده، بينما يساعد الضوء الخلفي على رسم هالة مضيئة حول العرف والذيل، وقد يحول الغبار المتناثر إلى ستار ذهبي يمنح المشهد عمقاً سينمائياً.
أما الضوء القاسي في منتصف النهار، فقد ينتج ظلالاً كثيفة وتبايناً مرتفعاً، ما يتطلب من المصور قراءة دقيقة لاتجاه الإضاءة والتعامل بحذر مع المناطق المضيئة والداكنة. وفي المقابل، تمنح ساعات الصباح الباكر وقبيل الغروب فرصاً لتصوير الخيل بألوان دافئة وتدرجات ناعمة، مع ضرورة مراعاة طبيعة الفعالية وسرعة الحركة.
وفي التصوير بالأبيض والأسود، تتراجع الألوان لمصلحة البنية والملمس والتباين. عندها تتحول تفاصيل الجسد إلى خطوط وكتل ضوئية، ويصبح العرف المتطاير والحوافر والغبار عناصر تشكيلية تقارب لغة الرسم والنحت. وهكذا يستطيع المصور أن يقدم قراءة مختلفة للخيل العربي، تتجاوز تسجيل مظهره إلى الكشف عن إيقاعه الداخلي.
السرعة والتوقيت: معركة أجزاء الثانية
تتطلب صور الحركة معرفة تقنية تتناسب مع سرعة الحدث. فاختيار سرعة غالق مرتفعة يساعد على تجميد حركة الحصان وإظهار تفاصيل الحوافر والعرف والغبار، بينما يمكن استخدام سرعة أبطأ نسبياً مع التحريك المتابع للكاميرا، أو ما يُعرف بتقنية Panning، لإبقاء الحصان واضحاً مع تحويل الخلفية إلى خطوط توحي بالسرعة.
ويحتاج المصور إلى ضبط التركيز التلقائي المستمر، واختيار نمط تتبع مناسب، والاستعداد للتغير السريع في المسافة والاتجاه. كما ينبغي الانتباه إلى سرعة التصوير المتتابع، وسعة الذاكرة، وأداء الكاميرا في الإضاءة المتغيرة، مع اختيار عدسة تسمح بتغطية الحدث من دون الاقتراب بصورة قد تعرّض المصور أو الحيوان للخطر.
لكن التقنية، مهما بلغت دقتها، لا تصنع الصورة وحدها. فالمصور الذي يفهم سلوك الخيل يستطيع توقع اتجاه الحركة، واختيار موضعه مسبقاً، والتمييز بين لحظة عادية وأخرى تحمل ذروة التعبير الجسدي. وهنا يتقدم الوعي البصري على سرعة المعدات، وتصبح الخبرة عاملاً حاسماً في تحويل المصادفة إلى إنجاز فني.
من التوثيق إلى الإبداع
يمكن لصورة الخيل أن تكون وثيقة تحفظ ملامح سلالة أو فعالية أو تقليد من تقاليد الفروسية، ويمكنها في الوقت ذاته أن تكون عملاً فنياً مستقلاً. ويتحدد الفارق من خلال رؤية المصور وطريقة بنائه للإطار، واختياره للزاوية والخلفية، وعلاقته بالمساحة السلبية، وتوظيفه للخطوط والكتل والإيقاع.
قد يختار المصور زاوية منخفضة تمنح الحصان حضوراً مهيباً، أو يترك مساحة واسعة أمامه لتوحي الصورة باستمرار الحركة نحو المستقبل. وقد يختزل المشهد في عين الحصان أو تفاصيل الرأس، فيجعل النظرة مركزاً عاطفياً للعمل. وفي صورة أخرى، قد تتوزع مجموعة من الخيول في تشكيل متوازن، لتتحول الأجساد إلى إيقاع بصري تتجاوب فيه الحركة مع الفراغ.
أما المعالجة الرقمية، فينبغي أن تخدم الرؤية لا أن تطغى عليها؛ فالتوازن اللوني، وضبط التباين، واستعادة التفاصيل، وتنظيف العناصر المشتتة ضمن ضوابط المسابقة، كلها خطوات يمكن أن تعزز جودة الصورة، شرط المحافظة على صدق المشهد والالتزام بقواعد المنافسة.
وتظل الصورة الأقوى هي التي تجمع بين الدقة التقنية والقرار الجمالي والصدق التعبيري؛ صورة تمنح المشاهد متعة النظر، وتثير فضوله، وتترك في ذاكرته أثراً يتجاوز لحظة الالتقاط.
حفل التكريم في المغرب: الاحتفاء بالإنجاز والذاكرة العربية
يحمل حفل التكريم الذي أُقيم في المملكة المغربية دلالة تتجاوز الاحتفاء بالفائزين، ليصبح مناسبة لتأكيد حضور التصوير الفوتوغرافي في المشهد الثقافي العربي، وتعزيز التواصل بين المصورين والمؤسسات والمهتمين بالفنون البصرية.
ويمنح هذا اللقاء الخيل العربي مساحة إضافية للظهور بوصفه موضوعاً فنياً وثقافياً مشتركاً، تتعدد حوله التجارب والرؤى، وتختلف أساليب التعبير عنه من مصور إلى آخر. فهناك من يرى في الخيل امتداداً للتاريخ، ومن يقرأ في حركته طاقة جمالية، ومن يقترب من تفاصيله بعين علمية تدرس التكوين والتشريح والضوء، بينما يبحث آخرون عن اللحظة الإنسانية التي تجمع الفارس بجواده.
وفي مثل هذه المناسبات، تتجلى أهمية الجوائز في تشجيع التجارب الجادة، وإبراز المواهب، وتحفيز المصورين على تطوير أدواتهم البصرية، كما تتيح للمتلقي اكتشاف تنوع المقاربات الفنية التي يمكن أن يتناول بها موضوع واحد.
ومع ذلك، فإن التوثيق الدقيق لتفاصيل النسخة الثانية عشرة، وأسماء الفائزين، وفئات الجوائز، والجهات المشاركة، والبرنامج الرسمي لحفل التكريم، يظل ضرورياً عند إعداد تقرير صحفي موسع عن الحدث، حتى تكتمل الصورة بين جمال الكتابة ودقة المعلومة.
أخلاقيات تصوير الخيل ومسؤولية المصور
لا تنفصل القيمة الفنية عن المسؤولية الأخلاقية، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتصوير الحيوانات في ميادين مزدحمة أو أثناء عروض تتطلب جهداً بدنياً. فسلامة الخيل والفارس والجمهور يجب أن تسبق الحصول على اللقطة، وعلى المصور احترام تعليمات المنظمين، وعدم دخول مسارات الحركة، وتجنب استخدام وسائل قد تفزع الحيوانات أو تشتت انتباهها.
كما ينبغي ألا تتحول الرغبة في الحصول على صورة استثنائية إلى ضغط على الحصان أو تدخل في سلوكه الطبيعي. فالصورة التي تحترم موضوعها تحمل قيمة إنسانية أعمق من صورة تحقق الإثارة على حساب سلامة الكائن الذي تصوره.
ومن مسؤولية المصور أيضاً أن يلتزم بأمانة التوثيق، وأن يوضح أي معالجة جوهرية إذا كانت قواعد المسابقة أو طبيعة النشر تتطلب ذلك، وأن يحافظ على حقوقه الفكرية وحقوق الجهات المنظمة والأشخاص الظاهرين في الصور وفق الضوابط المعمول بها.
* وندلف للقول بأن مدينة الجديدة المغربية تحتفي بالصورة والخيل العربي:
احتضنت مدينة الجديدة في المملكة المغربية حفل تكريم الفائزين بالدورة الثانية عشرة من جائزة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان لتصوير الخيل العربي، يوم 15 أكتوبر 2026، ضمن فعاليات معرض الفرس. وشهدت المناسبة تكريم الفائزين في المحاور الأربعة للجائزة، إلى جانب تكريم أعضاء لجان التحكيم والمتعاونين، تقديراً لإسهاماتهم في إنجاح هذه الدورة.
كما افتُتح معرض الصور الخاص بالدورة الثانية عشرة بحضور ولي عهد المغرب الأمير مولاي الحسن، في مشهد يعكس الاهتمام الثقافي والفني بالخيل العربي، ويؤكد دور التصوير الفوتوغرافي في إبراز جماله وتوثيق حضوره في تراث الفروسية.
وتتوزع موضوعات الجائزة على أربعة محاور رئيسية: جمال الخيل العربي، وفعاليات ومهرجانات الخيول، والتبوريدة (الفنتازيا) المغربية، والفيديو المتخصص في الخيل، بما يتيح للمصورين تقديم رؤى متنوعة تجمع بين جمال التكوين، وديناميكية الحركة، والتوثيق الثقافي، والسرد البصري.
خاتمة: حين تحفظ العدسة صهيل التاريخ
إن جائزة الشيخ منصور بن زايد لتصوير الخيل العربي، في نسختها الثانية عشرة التي ينظمها اتحاد المصورين العرب، تتيح مدخلاً للحديث عن العلاقة بين الفروسية والفن الفوتوغرافي، وعن قدرة الصورة على حفظ الجمال العربي وإعادة تقديمه للأجيال بلغة تجمع بين التقنية والإحساس والذاكرة.
ومن فعاليات الخيول ومهرجاناتها إلى لحظة التكريم في المملكة المغربية، تظل الكاميرا شاهداً على حكاية لا تنتهي؛ حكاية حصان يركض في الميدان، وضوء يعبر جسده، ومصور ينتظر اللحظة التي يتوقف فيها الزمن داخل إطار صغير.
فالصورة الناجحة لا تحفظ شكل الخيل فحسب، بل تحفظ شيئاً من روحه وإيقاعه وحضوره في الوجدان. وعندما يلتقي هذا الجمال بعين تعرف كيف ترى، وبيد تعرف متى تضغط على زر الغالق، يصبح الضوء لغةً للفروسية، وتغدو الصورة قصيدةً بصريةً تصهل في ذاكرة الفن العربي.
***&***

أخر المقالات

منكم وإليكم