

جيلو بونتيكورفو: حين تصبح الكاميرا شاهدة على التاريخ
مخرج إيطالي جعل من السينما ذاكرةً للإنسان، ومن الصورة موقفاً، ومن التاريخ سؤالاً مفتوحاً
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير: إيليت فوت آرت
مقدمة: سينما لا تكتفي بأن ترى
هناك مخرجون يصنعون الأفلام، ومخرجون يجعلون من السينما طريقةً لرؤية العالم.
وفي المسافة الفاصلة بين الاثنين يقف الإيطالي جيلو بونتيكورفو، واحداً من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ السينما السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن غزير الإنتاج؛ فقد ترك وراءه عدداً محدوداً نسبياً من الأفلام الروائية، غير أن بعض أعماله تجاوزت حدود الفيلم بوصفه عملاً فنياً، لتتحول إلى وثائق بصرية عن الاستعمار والمقاومة والحرب والاضطهاد والعنف السياسي. وتظل «معركة الجزائر»، على وجه الخصوص، واحدة من أكثر التجارب السينمائية تأثيراً في تاريخ السينما العالمية.
كان بونتيكورفو يعرف أن الكاميرا ليست عيناً محايدة تماماً، وأن اختيار زاوية التصوير، وحركة الممثل، وقطع اللقطة، والصمت، والموسيقى، وحتى وجه الإنسان الذي يظهر أمام العدسة، كلها عناصر يمكن أن تحمل معنى يتجاوز الحكاية نفسها.
لهذا تبدو أفلامه، حتى اليوم، وكأنها لا تعرض الماضي بقدر ما تستدعيه إلى الحاضر.
من بيزا إلى السينما: ولادة عينٍ قلقة
وُلد جيلو بونتيكورفو في مدينة بيزا الإيطالية في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1919، في عائلة يهودية إيطالية ميسورة. كان اسمه الأصلي جيلبرتو بونتيكورفو، ونشأ في أسرة كبيرة كان من بين أفرادها علماء بارزون، من أشهرهم الفيزيائي النووي برونو بونتيكورفو وعالم الوراثة غيدو بونتيكورفو.
بدأ جيلو دراسة الكيمياء في جامعة بيزا، لكن طريقه لم يستقر في المختبرات. ومع تصاعد الفاشية والقوانين العنصرية في إيطاليا في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، انتقل إلى باريس عام 1938، حيث عمل في الصحافة، واحتك بالوسط الثقافي والسياسي، وبدأت علاقته بالسينما تتشكل تدريجياً.
كانت أوروبا آنذاك تتحول إلى مسرح هائل للصراعات السياسية والحروب والأيديولوجيات. ولم يكن بونتيكورفو بعيداً عن تلك التحولات؛ فقد ارتبط بالمقاومة الإيطالية خلال الحرب العالمية الثانية، وهي تجربة ستترك أثراً عميقاً في رؤيته للعنف والاحتلال والمقاومة.
لكن التحول الأكبر جاء حين اكتشف السينما لا باعتبارها صناعة ترفيهية، وإنما بوصفها لغة قادرة على الاقتراب من الحقيقة.
وكانت لحظة مشاهدته فيلم «بايزا» للمخرج الإيطالي روبرتو روسيليني بعد الحرب ذات أثر بالغ في اختياره طريق السينما. لقد رأى في الواقعية الجديدة الإيطالية إمكانية جديدة: أن يصبح الشارع بطلاً، وأن يكون الإنسان العادي مركز الحكاية، وأن تتراجع المسافة بين السينما والحياة.
من الصحافة إلى الكاميرا
بدأ بونتيكورفو العمل في السينما مساعداً للمخرج، واكتسب خبرة مبكرة في الإخراج والمونتاج، قبل أن يتجه إلى الأفلام التسجيلية في خمسينيات القرن الماضي.
ومن أعماله التسجيلية المبكرة «Missione Timiriazev» و**«Porta Portese»** و**«Cani dietro le sbarre»** و**«Uomini nel marmo»** و**«Pane e zolfo»**. وكانت هذه التجارب بمثابة مختبر بصري تعلم فيه كيف ينظر إلى الواقع قبل أن يعيد بناءه درامياً.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص أسلوبه اللاحق: حتى عندما انتقل إلى الفيلم الروائي، ظل يحمل معه عين المخرج التسجيلي.
فهو لا يريد للواقع أن يبدو مصقولاً أكثر مما ينبغي. يريد للوجه أن يحتفظ بتعبه، وللمكان أن يحتفظ بخشونته، وللحركة أن تبدو نابعة من الحياة لا من استعراض تقني.
وهكذا أصبح الواقع عند بونتيكورفو ليس مادةً خاماً للفيلم فحسب، وإنما جزءاً من جماليات الفيلم ذاته.
«جيوفانا»: البدايات التي كشفت الطريق
في عام 1956 أخرج بونتيكورفو فيلم «جيوفانا»، وهو جزء من الفيلم الجماعي La rosa dei venti / The Rose of the Winds، وتناول فيه إضراب عاملات في مصنع للنسيج ومقاومتهن لقرارات التسريح. وتكشف هذه التجربة المبكرة عن عدد من الثيمات التي سترافق المخرج لاحقاً: العامل، المرأة، التضامن، الصراع الاجتماعي، والعلاقة بين الفرد والجماعة.
لم تكن «جيوفانا» مجرد تمرين أول على الإخراج الروائي؛ بل بدت، بأثر رجعي، كأنها مسودة مبكرة لمشروع بونتيكورفو السينمائي كله.
فمنذ البداية كان اهتمامه موجهاً إلى الإنسان الواقع تحت ضغط نظام أكبر منه.
العاملات في المصنع، الصيادون، المعتقلون، المقاومون، المستعمرون والمستعمرون عليهم… شخصيات مختلفة، لكن بينها خيط واحد: الإنسان عندما يجد نفسه في مواجهة قوة تتجاوزه.
«الطريق الأزرق الطويل»: البحر بوصفه مرآة للفقر
في عام 1957 جاء أول أفلامه الروائية الطويلة، «La grande strada azzurra»، المعروف بالإنجليزية باسم The Wide Blue Road، والمبني على رواية للكاتب والسيناريست فرانكو سولينا.
ينقل الفيلم المشاهد إلى عالم الصيادين، حيث البحر ليس فضاءً رومانسياً كما قد توحي به الصورة التقليدية، بل مساحة قاسية للصراع مع الفقر والسوق والاحتكار.
وفي شخصية الصياد «سكوارشيو» يظهر الإنسان المحاصر بين حاجته إلى البقاء وبين القواعد التي يفرضها المجتمع والقانون.
هنا بدأ بونتيكورفو يطور لغته الخاصة: الطبيعة ليست خلفية، والفقر ليس مجرد ديكور اجتماعي، والشخصية ليست منفصلة عن الظروف الاقتصادية التي تحيط بها.
كان البحر أزرق، نعم، لكن ذلك الأزرق لم يكن لوناً للراحة؛ كان لوناً للمواجهة.
وقد تعاون بونتيكورفو في هذا الفيلم مع فرانكو سولينا، الذي أصبح لاحقاً شريكاً أساسياً في عدد من أهم أعماله.
«كابو»: الجمال حين يصبح سؤالاً أخلاقياً
في عام 1959 أخرج بونتيكورفو فيلم «كابو» (Kapò)، وهو من أكثر أعماله إثارة للنقاش الأخلاقي والجمالي، ويتناول مأساة المعتقلين في معسكرات الاعتقال النازية من خلال قصة امرأة شابة تجد نفسها داخل منظومة الموت والقهر. وقد حظي الفيلم باهتمام دولي ورُشح لجائزة الأوسكار عن فئة الفيلم الأجنبي.
كان موضوع المحرقة النازية بالغ الحساسية، وكان التحدي أمام المخرج مضاعفاً: كيف يمكن تحويل مأساة تاريخية هائلة إلى صورة سينمائية من دون أن تتحول المعاناة إلى مجرد استعراض؟
وفي «كابو» تظهر بوضوح حساسية بونتيكورفو تجاه الوجه الإنساني.
الإنسان عنده لا يختفي خلف الحدث الكبير؛ بل الحدث الكبير يدخل عبر وجه الإنسان.
وهذه المسألة ستبلغ ذروتها في «معركة الجزائر»، حيث تصبح الوجوه الجماعية، في لحظات معينة، أشبه بخريطة كاملة لمدينة تعيش تحت الاحتلال.
«معركة الجزائر»: الفيلم الذي جعل التاريخ يتنفس
ثم جاءت اللحظة التي غيرت موقع جيلو بونتيكورفو في تاريخ السينما.
عام 1966 أخرج «La battaglia di Algeri – معركة الجزائر»، الفيلم الذي تناول الصراع الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي في مدينة الجزائر خلال الفترة الممتدة أساساً بين 1954 و1957، مستعيداً أحداثاً وشخصيات وأساليب مقاومة وقمع من تلك المرحلة.
لم يكن الفيلم مجرد إعادة بناء تاريخية.
لقد صنع بونتيكورفو ما يشبه الوثيقة المتخيلة: فيلم روائي يبدو أحياناً كأنه تقرير إخباري عُثر عليه في أرشيف قديم.
التصوير بالأبيض والأسود، حركة الكاميرا، الوجوه غير المعروفة جماهيرياً، استخدام لغة قريبة من الفيلم التسجيلي، وإيقاع المونتاج؛ كلها عناصر ساهمت في منح العمل إحساساً بالواقعية الشديدة. وتشير بيانات مهرجان البندقية إلى أن الفيلم صُوّر بالأبيض والأسود، وبلغت مدته 121 دقيقة، وشارك في بطولته عدد من غير المحترفين إلى جانب جان مارتان.
وهنا تتجلى عبقرية بونتيكورفو التقنية: لم يكن يريد أن يقول للمشاهد «صدق أن هذا حدث»، بل كان يريد أن يجعل المشاهد يشعر وكأنه يشهد الحدث.
وهذا فرق جوهري.
المدينة بطلاً للفيلم
في «معركة الجزائر» لا يختفي الفرد، لكن المدينة تصبح الشخصية الكبرى.
الأزقة، الأسواق، الأبواب، الجدران، الحواجز، الوجوه، الحشود، الجنود، النساء، الأطفال… كل شيء يتحرك ضمن نسيج بصري واحد.
المدينة ليست مكاناً للأحداث؛ إنها جزء من الحدث.
والكاميرا تتحرك في قلب هذا النسيج بطريقة تجعل المشاهد قريباً من الناس، قريباً من الخوف، قريباً من الفوضى.
ومن هنا جاءت قوة الفيلم التي جعلته واحداً من أكثر الأعمال السياسية تأثيراً في تاريخ السينما. ويصفه المتحف الأسترالي للصورة المتحركة ACMI بأنه من أكثر الأفلام السياسية تأثيراً، مشيراً إلى قدرته على إعادة بناء الصراع الجزائري في العاصمة خلال حرب الاستقلال.
موسيقى إنيو موريكوني: عندما يصبح الصوت جزءاً من الصورة
لم تكن الصورة وحدها هي التي صنعت قوة «معركة الجزائر».
الموسيقى أيضاً كانت جزءاً من بنية الفيلم.
شارك بونتيكورفو في صياغة الموسيقى مع الموسيقار الإيطالي الكبير إنيو موريكوني، لتصبح الموسيقى عنصراً متداخلاً مع حركة الصورة والمونتاج. وتشير أرشيفات بينالي البندقية إلى أن الموسيقى من تأليف موريكوني وبونتيكورفو.
وكان بونتيكورفو ينظر إلى الموسيقى باعتبارها جزءاً من البناء الدرامي لا مجرد خلفية صوتية.
في أفلامه، يمكن للصوت أن يرفع التوتر، وأن يقطع المسافة بين المشاهد والحدث، وأن يمنح الصورة بعداً نفسياً لا تستطيع الصورة وحدها الوصول إليه.
البندقية: انتصار فني وعاصفة سياسية
في عام 1966 فاز «معركة الجزائر» بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي. وتؤكد أرشيفات البينالي أن الفيلم حاز الجائزة الكبرى للمهرجان في ذلك العام.
لكن الجائزة لم تكن نهاية القصة.
الفيلم أثار اعتراضات سياسية حادة، ولا سيما من الجانب الفرنسي، بسبب قراءته للاستعمار الفرنسي والحرب الجزائرية. وتذكر وثائق البينالي أن الوفد الفرنسي غادر احتجاجاً، في سياق الجدل الذي أثاره الفيلم.
وهنا ظهر وجه آخر من قوة السينما.
الفيلم الذي يبدأ كعمل فني يدخل فجأة في منطقة السياسة والتاريخ والذاكرة الوطنية.
إنه السؤال القديم الذي يطارد الفن دائماً:
ماذا يحدث عندما تصبح الصورة أقوى من قدرتنا على احتمال معناها؟
بين السياسة والفن: هل يستطيع الفيلم أن يكون محايداً؟
بونتيكورفو لم يكن مخرجاً يختبئ خلف فكرة «الحياد».
كان مؤمناً بأن السينما يمكن أن تتعامل مع الأسئلة السياسية والاجتماعية، لكن ذلك لا يعني أن أفلامه يمكن اختزالها في منشورات سياسية مصورة.
قوة تجربته تكمن تحديداً في أنه كان يحول الفكرة السياسية إلى صورة، وشخصية، وإيقاع، ومشهد، وصراع إنساني.
في «معركة الجزائر»، مثلاً، لا تُقدَّم القضية من خلال خطب طويلة، بل من خلال الحركة اليومية للمدينة، ومن خلال المواجهة بين المقاومة والقوات الفرنسية، ومن خلال آثار العنف على الأفراد والجماعات.
ولهذا ظل الفيلم موضوعاً للدراسة والنقاش حتى بعد عقود من إنتاجه.
«كويمادا»: الاستعمار خلف الستار
بعد «معركة الجزائر» انتقل بونتيكورفو إلى تجربة تاريخية أخرى مع فيلم «Queimada / كويمادا» عام 1969، من بطولة النجم الأمريكي مارلون براندو.
تدور الأحداث في جزيرة متخيلة في جزر الأنتيل، حيث تتقاطع الثورة والعبودية والاستعمار والمصالح الاقتصادية. ويؤدي براندو شخصية ويليام ووكر، الرجل الذي يتدخل في صناعة الثورة ثم يجد نفسه في مواجهة نتائج اللعبة السياسية التي ساهم في إطلاقها.
إذا كانت «معركة الجزائر» قد ركزت على الاستعمار والمقاومة في سياق القرن العشرين، فإن «كويمادا» يعود إلى القرن التاسع عشر ليطرح سؤالاً أوسع:
هل تصنع القوى الاستعمارية الثورات لمصلحة الشعوب، أم لمصلحة الأسواق؟
في هذا الفيلم، يصبح السكر والتجارة والقوة السياسية أجزاء من منظومة واحدة.
ولم يكن اختيار مارلون براندو اعتباطياً من الناحية السينمائية؛ فوجود نجم عالمي بهذا الحجم منح الفيلم مساحة جماهيرية واسعة، في الوقت الذي احتفظ فيه بونتيكورفو بنزعته السياسية والتاريخية. وتؤكد بيانات مهرجان تورينو أن الفيلم من إنتاج 1969، وبطولة براندو وإيفاريستو ماركيز وريناتو سالفاتوري.
«أوغرو»: العودة إلى أوروبا
بعد عقد من «كويتيمادا»، عاد بونتيكورفو عام 1979 إلى أوروبا مع فيلم «Ogro»، الذي يتناول اغتيال رئيس الوزراء الإسباني لويس كارّيرو بلانكو على يد انفصاليين باسكيين في سياق إسبانيا الفرانكوية. وتضع مصادر سينمائية موثوقة الفيلم ضمن سلسلة أعماله التي تناولت العنف السياسي والإرهاب والقضايا المرتبطة بالسلطة والمقاومة.
وهكذا ظل اهتمامه بالتاريخ السياسي مستمراً، لكنه لم يكن يكرر الفيلم نفسه.
كان ينتقل من الجزائر إلى الكاريبي، ومن النازية إلى إسبانيا، ومن الصراع الاستعماري إلى العنف السياسي، باحثاً في كل مرة عن السؤال نفسه تقريباً:
كيف يتغير الإنسان عندما يجد نفسه داخل آلة التاريخ؟
مخرج قليل الأفلام… كثير الأثر
قد يبدو غريباً أن مخرجاً ترك عدداً محدوداً نسبياً من الأفلام الروائية استطاع أن يحتل موقعاً بهذه الأهمية في تاريخ السينما.
لكن تاريخ الفن لا يقاس دائماً بعدد الأعمال.
فبونتيكورفو ترك أفلاماً قليلة، لكنها شديدة الكثافة.
وقد أشارت «بريتانيكا» السينمائية ومصادر أخرى إلى أن شهرته العالمية ارتبطت بصورة خاصة بـ«معركة الجزائر»، فيما ظل «كابو» و«كويتيمادا» و«أوغرو» أجزاء أساسية من مشروعه السينمائي.
إنه من أولئك المخرجين الذين لا يحتاجون إلى إنتاج عشرات الأفلام حتى يتركوا بصمتهم.
فيلم واحد مثل «معركة الجزائر» قادر وحده على أن يضع صاحبه في كتب تاريخ السينما.
المخرج الذي لم يتخلَّ عن الوثيقة
ربما كان أهم ما يميز بونتيكورفو هو أنه لم ينسَ أبداً بدايته التسجيلية.
حتى في أكثر مشاهده درامية، هناك شيء من عين الصحفي.
لقطة تشبه الخبر.
وجه يشبه الوثيقة.
شارع يبدو وكأنه لم يُبنَ من أجل الفيلم، بل كان موجوداً قبله.
وجماعة من الناس لا تبدو كـ«كومبارس»، بل كأنها جماعة حقيقية خرجت من الشارع ودخلت إلى الكادر.
هذه النزعة التسجيلية جعلت سينماه قريبة من الواقعية الجديدة الإيطالية، مع تطويره أسلوباً خاصاً يقوم على مزج الدراما بالتوثيق. وقد وصفت البينالي أسلوبه بأنه يجمع بين البساطة والقوة والطابع الشخصي، مع نزعة جافة شبيهة بالأسلوب الوثائقي وحس اجتماعي واضح.
الصورة عند بونتيكورفو: الوجه قبل البطولة
من يتأمل أفلام جيلو بونتيكورفو يلاحظ أن الكاميرا تحب الوجوه.
لكنها لا تبحث عن الوجوه الجميلة وفق المعايير التقليدية.
إنها تبحث عن الوجه الذي يحمل أثراً.
وجه العامل.
وجه المرأة.
وجه الجندي.
وجه الطفل.
وجه المعتقل.
وجه الرجل الذي يعرف أنه مراقَب.
وجه الإنسان الذي يخاف، ثم يقرر أن يفعل شيئاً رغم خوفه.
وهنا تبرز عبقرية التصوير لديه: الوجه يتحول إلى مساحة سردية.
لا يحتاج الممثل دائماً إلى خطاب طويل.
تكفي نظرة.
أو صمت.
أو حركة صغيرة في العين.
أو جسد ينسحب من المكان.
وهذا أحد أسباب اعتماد بونتيكورفو في بعض أعماله على ممثلين غير محترفين؛ فقد كان يبحث عن حضور إنساني يبدو أقرب إلى الحياة منه إلى الأداء المسرحي.
المونتاج: إيقاع الثورة
لم يكن المونتاج عند بونتيكورفو مجرد وسيلة لترتيب المشاهد.
إنه وسيلة لصناعة التوتر.
لقطة قصيرة تتبعها أخرى.
وجه مقابل وجه.
حشود مقابل جنود.
هدوء يقطعه انفجار.
شارع ساكن يتحول خلال لحظات إلى مسرح للصراع.
وهكذا تصبح عملية المونتاج أشبه بنبض داخلي للفيلم.
وفي «معركة الجزائر» خصوصاً، ساعد هذا الإيقاع على خلق إحساس بأن الأحداث تتقدم بسرعة لا يستطيع الفرد إيقافها.
التاريخ هنا ليس خلفية.
التاريخ هو آلة تتحرك.
والشخصيات تحاول أن تجد مكانها داخلها.
بونتيكورفو والبندقية: من المخرج إلى حارس ذاكرة السينما
لم تنته علاقة جيلو بونتيكورفو بمهرجان البندقية عند فوزه بالأسد الذهبي.
فقد عاد لاحقاً إلى المهرجان في موقع إداري وفني بالغ الأهمية، إذ تولى إدارة مهرجان البندقية السينمائي بين عامي 1992 و1996. وتصف أرشيفات البينالي تلك المرحلة بأنها فترة اتسمت بالتجريب والانفتاح على المواهب الجديدة، وبمبادرات مثل قسم «Finestra sulle immagini» الذي اهتم بالأفلام القصيرة والمتوسطة والطويلة والتجريب السينمائي.
وهكذا انتقل الرجل من الوقوف خلف الكاميرا إلى المشاركة في تحديد ما ينبغي أن تراه الكاميرا العالمية.
وكانت تلك مرحلة مهمة من تاريخ المهرجان، شهدت حضور أسماء سينمائية جديدة واهتماماً بالتجريب والسينما الدولية.
ومن المفارقات الجميلة في سيرته أن المهرجان الذي منحه أحد أعظم انتصاراته عاد ليستضيفه مديراً بعد سنوات طويلة.
سبليبرغ والأسد الذهبي… حكاية وفاء سينمائي
ومن أكثر الحكايات دلالة في علاقته بالبندقية ما حدث عام 1993.
فقد كان بونتيكورفو قد باع الأسد الذهبي الذي فاز به عن «معركة الجزائر» في مزاد خيري. وعندما حصل المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرغ على الأسد الذهبي عن مجمل إنجازه، أعاد إلى بونتيكورفو، في مفاجأة مؤثرة، الجائزة التي كان قد اشتراها، باعتبار بونتيكورفو أحد أساتذته ومصادر إلهامه. وتوثق أرشيفات البينالي هذه الواقعة بوصفها واحدة من اللحظات اللافتة في علاقة المهرجان بالمخرج الإيطالي.
إنها حكاية صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل معنى كبيراً:
الجائزة يمكن بيعها، لكن الأثر الفني لا يباع.
لماذا بقيت «معركة الجزائر» حية؟
ربما لأن الفيلم لم يكتفِ بتسجيل حدث تاريخي.
إنه يتعامل مع آليات الصراع ذاتها: كيف تنشأ المقاومة؟ كيف تتعامل السلطة مع التمرد؟ كيف تتحول المدينة إلى مساحة للمواجهة؟ كيف يتغير سلوك الأفراد عندما يعيشون تحت ضغط الاحتلال أو القمع أو الخوف؟
وهذه الأسئلة تتجاوز المكان والزمان.
ولهذا ظل الفيلم يعرض ويُرمم ويُعاد اكتشافه عبر أجيال مختلفة. وقد أعيد تقديمه في مهرجان البندقية عام 2016 ضمن عروض الترميم، في تعاون شاركت فيه مؤسسات سينمائية إيطالية ودولية.
إن الفيلم الذي صنع عام 1966 لم يعد ملكاً لزمنه وحده.
لقد أصبح جزءاً من تاريخ السينما العالمية.
جيلو بونتيكورفو في مرآة الفن
إذا حاولنا أن نقرأ تجربة بونتيكورفو بعيداً عن السياسة وحدها، سنكتشف مخرجاً شديد الحساسية تجاه المكان والضوء والوجه والصوت والحركة الجماعية.
كان يعرف أن المشهد السياسي يمكن أن يصبح مشهداً جمالياً من دون أن يفقد خطورته.
وكان يعرف أيضاً أن الجمال قد يكون خطراً إذا فصلناه عن الحقيقة.
لذلك جاءت صوره غالباً حادة، خشنة، متوترة.
لا توجد عنده مسافة مريحة بين المتفرج والحدث.
إنه يدفع المتفرج إلى الاقتراب.
والاقتراب في سينماه يعني أن ترى أكثر مما تريد أحياناً.
أن ترى الخوف.
أن ترى العنف.
أن ترى الإنسان وهو يتغير.
إرث مخرج لم يحتج إلى كثرة الأفلام
رحل جيلو بونتيكورفو في روما في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2006، عن 86 عاماً. لكن موته لم يضع نهاية فعلية لحضوره السينمائي؛ فإرثه ظل حاضراً في برامج المهرجانات، وفي الدراسات السينمائية، وفي أعمال المخرجين الذين تأثروا بلغته البصرية.
ولعل أجمل ما يمكن قوله عن مسيرته أن أفلامه لم تكن كثيرة، لكنها كانت ثقيلة الوزن.
لقد ترك وراءه سينما لا تُقاس بعدد العناوين، بل بقدرتها على البقاء داخل الذاكرة.
وإذا كان كثير من المخرجين قد حاولوا أن يجعلوا السينما مرآة للحياة، فإن بونتيكورفو ذهب خطوة أبعد:
لقد جعل الكاميرا شاهدة.
خاتمة: حين تتوقف الكاميرا… ولا يتوقف الفيلم
ثمة أفلام تنتهي عندما تظهر كلمة «النهاية».
وثمة أفلام تبدأ حياتها الحقيقية بعد النهاية.
سينما جيلو بونتيكورفو من النوع الثاني.
فحين تنطفئ الشاشة، لا ينطفئ السؤال.
من انتصر؟
من خسر؟
من يكتب التاريخ؟
هل تستطيع الصورة أن تكون عادلة؟
وهل يستطيع الفنان أن يقف خارج الصراع عندما يكون موضوعه هو الإنسان نفسه؟
لم يكن بونتيكورفو مخرجاً يبحث عن الإجابات السهلة. كان يفتح الجرح ويترك للمتفرج مهمة النظر إليه.
ولهذا بقيت «معركة الجزائر» أكثر من فيلم عن الجزائر، وبقيت «كابو» أكثر من فيلم عن معسكرات الاعتقال، وبقيت «كويتيمادا» أكثر من حكاية عن جزيرة وثورة واستعمار.
إنها جميعاً فصول من مشروع سينمائي واحد: مشروع الإنسان في مواجهة القوة.
وفي زمن تتسارع فيه الصور إلى درجة تفقد معها أحياناً قدرتها على ترك أثر، تبدو تجربة جيلو بونتيكورفو تذكيراً نادراً بأن الصورة يمكن أن تكون موقفاً، وأن الكاميرا يمكن أن تكون ذاكرة، وأن الفن حين يقترب من الحقيقة لا يفقد جماله، بل يكتسب معنى آخر.
لقد غادر جيلو بونتيكورفو الحياة، لكن عينه السينمائية ما زالت مفتوحة.
تراقب.
تسأل.
وتنتظر من المشاهد أن يكمل الجملة التي تركها على الشاشة:
إن التاريخ لا يعيش في الكتب وحدها… أحياناً يسكن في لقطة.
ملاحظة تحريرية: صححتُ في المقال بعض البيانات الواردة في النص الأصلي: الفيلم الأول الطويل هو «La grande strada azzurra» عام 1957، و«كابو» 1959، و«كويتيمادا» 1969، كما أن «معركة الجزائر» فازت بالأسد الذهبي في البندقية عام 1966. �
treccani.it +١
إذا رغبت، أستطيع أيضاً إعداد نسخة أكثر فخامة واحترافية بأسلوب افتتاحيات المجلات الثقافية العالمية، مع عناوين فرعية أقصر، واقتباسات افتتاحية، و«صندوق معلومات» عن حياته وأفلامه وجوائزه، لتكون جاهزة مباشرة للإخراج الصحفي في مجلة «إيليت فوت آرت».


