حركة المياه الجوفية داخل طبقات الارض.

كيف تتحرك المياه الجوفية تحت الأرض؟
هل تتحرك في اتجاه واحد؟ وهل يمكن أن تسير عكس اتجاه ميل سطح الأرض؟
عندما نتحدث عن المياه الجوفية، كثيراً ما نتخيل أن الماء موجود تحت الأرض في مكان ثابت، وكأنه خزان كبير لا يتحرك.
لكن الحقيقة مختلفة.
المياه الجوفية تتحرك باستمرار، وإن كانت حركتها في كثير من التكوينات أبطأ بكثير من حركة المياه على سطح الأرض.
والأهم من ذلك أن اتجاه حركة المياه الجوفية لا يمكن تحديده دائماً بمجرد النظر إلى اتجاه انحدار الأرض.
وهنا تبدأ أهمية فهم طبيعة الطبقات والصخور والضغط الهيدروليكي.
أولاً: من أين تأتي حركة المياه الجوفية؟
تبدأ دورة المياه الجوفية غالباً عندما تتسرب مياه الأمطار أو مصادر المياه الأخرى إلى داخل الأرض.
تمر المياه عبر:
التربة → الطبقات النفوذة → المسامات → الشقوق والفواصل → التكوينات الجوفية.
ثم تتحرك داخل الخزان من مناطق ذات منسوب أو ضغط هيدروليكي أعلى نحو مناطق ذات منسوب أو ضغط هيدروليكي أقل، وفق خصائص الوسط الجيولوجي.
ولهذا فإن حركة المياه الجوفية مرتبطة بما يسمى:
التدرج الهيدروليكي.
ثانياً: هل تسير المياه الجوفية دائماً من المرتفع إلى المنخفض؟
إذا كنا نتحدث عن المنسوب الهيدروليكي للمياه، فإن الحركة تكون من المناطق ذات الرأس الهيدروليكي الأعلى إلى المناطق ذات الرأس الهيدروليكي الأقل.
لكن هنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
الرأس الهيدروليكي ليس هو نفسه ارتفاع سطح الأرض.
فقد يكون سطح الأرض منحدراً في اتجاه معين، بينما يكون اتجاه حركة المياه الجوفية مختلفاً بسبب:
ميل الطبقات، والضغط، والنفاذية، والبنية الجيولوجية، ومناطق التغذية والتصريف.
لذلك لا يصح أن نقول:
“الماء الجوفي يتحرك دائماً مع انحدار الأرض.”
ثالثاً: الصخور تحدد الطريق الذي تستطيع المياه أن تسلكه
المياه الجوفية لا تتحرك بحرية داخل الأرض كما تتحرك المياه في قناة مفتوحة.
بل تعتمد حركتها على خصائص الوسط الذي تمر خلاله.
في بعض التكوينات تتحرك المياه عبر:
المسام الصغيرة بين الحبيبات.
وفي تكوينات صخرية أخرى قد تكون الحركة مرتبطة بشكل أكبر بـ:
الشقوق والفواصل والصدوع ومناطق التكسير والتجوية.
ولهذا قد تجد أن المياه تتحرك بسهولة في اتجاه معين داخل الصخور، بينما تكون حركتها محدودة جداً في اتجاه آخر.
رابعاً: النفاذية ليست متساوية في جميع الاتجاهات
قد يكون التكوين الجيولوجي أكثر نفاذية أفقياً من رأسيًا، أو العكس حسب بنيته.
كما يمكن أن تكون هناك طبقات متعاقبة تختلف في خصائصها.
ولهذا فإن:
وجود الماء في منطقة لا يعني أن المياه ستنتشر حولها بالتساوي.
قد تكون الحركة مركزة داخل ممرات أو مناطق ذات نفاذية أعلى.
وهذه النقطة مهمة جداً عند تفسير سبب اختلاف إنتاجية آبار متقاربة.
خامساً: لماذا قد يختلف بئران متقاربان في كمية المياه؟
قد يكون هناك بئران يفصل بينهما عشرات الأمتار فقط، ومع ذلك:
الأول ينتج كمية جيدة، والثاني إنتاجيته ضعيفة.
لماذا؟
لأن البئر الأول قد يكون اخترق:
منطقة أكثر نفاذية، أو شبكة شقوق أفضل اتصالاً، أو جزءاً أكثر إنتاجية من التكوين.
بينما قد يكون البئر الثاني داخل كتلة صخرية أقل تشققاً أو طبقة أقل نفاذية.
ولهذا فإن المسافة بين الآبار وحدها لا تكفي لتفسير الاختلاف.
سادساً: هل المياه الجوفية تتحرك بسرعة؟
تختلف السرعة بشكل كبير من تكوين إلى آخر.
في بعض البيئات قد تكون الحركة بطيئة جداً، بينما تكون أسرع في تكوينات ذات نفاذية مرتفعة أو في مسارات متشققة ومفتوحة.
ولهذا لا يمكن إعطاء سرعة واحدة لجميع المياه الجوفية.
كما أن سرعة حركة المياه الجوفية ليست هي نفسها سرعة دخول المياه إلى البئر أثناء الضخ.
وهذا فرق مهم يجب الانتباه إليه.
سابعاً: ما علاقة الشقوق والفواصل بحركة المياه؟
في الصخور المتماسكة، قد تكون المسامات صغيرة جداً ولا تسمح بحركة كبيرة للمياه.
لكن عندما توجد:
شقوق + فواصل + مناطق تكسير متصلة
يمكن أن تصبح هذه المناطق مسارات مهمة لحركة المياه.
ولهذا عند المعاينة الميدانية لا يكفي تحديد وجود الشقوق، بل نهتم أيضاً بـ:
اتجاهها، وكثافتها، ودرجة اتصالها، ومناطق تقاطعها، وعلاقتها بالتكوينات المحيطة.
لكن لا يعني وجود أي شق أن الماء موجود فيه بالضرورة؛ ففاعلية الشق تعتمد على خصائصه واتصاله وبقية الظروف الجيولوجية.
ثامناً: أين تدخل المياه وأين تخرج؟
لكل نظام جوفي تقريباً مناطق يمكن أن تدخل منها المياه إلى الخزان، وأخرى قد تخرج منها.
وتسمى الأولى:
مناطق التغذية
والثانية:
مناطق التصريف.
وقد تكون منطقة التغذية بعيدة جداً عن موقع البئر.
وهذا يعني أن الماء الذي تضخه من بئرك اليوم قد يكون قد دخل إلى النظام الجوفي في منطقة أخرى، وتحرك عبر التكوينات حتى وصل إلى المنطقة التي يوجد فيها البئر.
تاسعاً: هل الوادي يعني أن المياه الجوفية تتحرك تحته مباشرة؟
ليس بالضرورة.
الوادي قد يكون منطقة مهمة للتغذية في بعض الظروف، لكن اتجاه المياه الجوفية يعتمد على:
الجيولوجيا + النفاذية + التدرج الهيدروليكي + البنية الصخرية + ظروف التغذية والتصريف.
لذلك لا ينبغي رسم مسار المياه الجوفية اعتماداً على شكل الوادي وحده.
وهنا تظهر أهمية الجمع بين قراءة التضاريس والجيولوجيا والمعلومات المائية.
عاشراً: كيف يمكن الاستدلال على اتجاه حركة المياه الجوفية؟
لا توجد علامة سطحية واحدة تكفي وحدها لتحديد الاتجاه.
لكن يمكن الاستفادة من مجموعة من البيانات، مثل:
مناسيب المياه في عدة آبار + التضاريس + طبيعة الطبقات + اتجاهات الشقوق والفواصل + مواقع التغذية والتصريف + بيانات الضخ + الخصائص الهيدرولوجية للموقع.
وعندما تتوفر مناسيب المياه من عدة آبار، يمكن مقارنتها لتكوين تصور عن التدرج الهيدروليكي واتجاه الحركة المحتمل.
وهذه طريقة أقوى من الاعتماد على شكل سطح الأرض فقط.
الحادي عشر: ماذا نستفيد من فهم حركة المياه قبل الحفر؟
هذه المعلومة مهمة جداً في دراسة مواقع الآبار.
فإذا فهمنا:
من أين تأتي المياه؟
وأين يمكن أن تتحرك؟
وما التكوينات التي تسمح بمرورها؟
وأين يمكن أن تتجمع أو تتصرف؟
يمكن أن يساعد ذلك في تحسين اختيار النقاط المرشحة للحفر.
وفي منهجي الميداني لا أعتمد على عامل واحد، بل أجمع بين:
المعاينة الميدانية + قراءة التضاريس + دراسة الصخور والطبقات + الشقوق والفواصل + بيانات الآبار + الطرق التقليدية المجربة ميدانياً + وسائل وأجهزة الاستشعار المصنّعة محلياً والمطورة.
ثم أقارن المؤشرات ببعضها للوصول إلى تصور أفضل عن النظام الجوفي.
الثاني عشر: هل يمكن معرفة اتجاه المياه قبل الحفر؟
يمكن وضع تقدير مبدئي لاتجاه الحركة المحتمل عندما تتوفر بيانات كافية عن الموقع، خصوصاً عند وجود عدة آبار ومعلومات عن مناسيب المياه والتكوينات الجيولوجية.
أما الاعتماد على مؤشر واحد فقط، فلا يكفي لإثبات اتجاه حركة المياه الجوفية.
وهنا تظهر قيمة الدراسة المتكاملة.
الثالث عشر: ماذا يحدث عندما نضخ من البئر؟
عند تشغيل البئر، يتغير الوضع الهيدروليكي حوله.
وينخفض مستوى الماء في المنطقة القريبة من البئر بدرجات تختلف حسب:
معدل الضخ + مدة الضخ + خصائص الخزان + نفاذية التكوين + ظروف التغذية.
ولهذا فإن مراقبة تغير مستوى المياه أثناء الضخ وبعد إيقافه تعطينا معلومات مهمة عن استجابة النظام الجوفي.
الرابع عشر: أهم قاعدة يجب أن تتذكرها
إذا أردت أن تعرف أين تتحرك المياه الجوفية، فلا تنظر إلى الأرض من الأعلى فقط.
انظر إلى:
التضاريس فوق الأرض، والطبقات تحتها، واتجاه الشقوق، ومناسيب المياه، ومناطق التغذية والتصريف.
فالمشهد الذي نراه على سطح الأرض هو جزء واحد فقط من القصة.
أما بقية القصة فتوجد تحت أقدامنا.
الخلاصة
المياه الجوفية ليست ساكنة، وليست بالضرورة تتحرك في اتجاه انحدار سطح الأرض.
إنها تتحرك وفق التدرج الهيدروليكي وخصائص التكوين الجيولوجي، وقد تسلك مسارات مختلفة حسب:
المسامية، والنفاذية، والطبقات، والشقوق، والفواصل، والصدوع، ومناطق التغذية والتصريف.
ولهذا فإن فهم حركة المياه الجوفية يساعدنا على فهم:
لماذا ينجح بئر ويفشل آخر، ولماذا تختلف الإنتاجية بين الآبار، وكيف يمكن أن تتحرك المياه من منطقة إلى أخرى، ولماذا لا يكفي النظر إلى سطح الأرض وحده عند اختيار موقع البئر.
المياه الجوفية لا تتبع دائماً الطريق الذي تراه العين؛ بل تتبع الطريق الذي تسمح به الجيولوجيا.
إعداد وتأليف:
المهندس عبدالحكيم الصوفي
من سلسلة: الموسوعة العربية للمياه الجوفية واستكشافها ودراسة مواقع الآبار

#المياه_الجوفية #حفر_الآبار #الآبار #المياه #الجيولوجيا #استكشاف_المياه #المياه_السطحية #المزارعين #الزراعة #الموارد_المائية #اليمن#م٠لة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم