بقلم د.علي خليفة
برع ألفريد فرج براعة كبيرة في رسم شخصة أبي الفضول في مسرحية حلاق بغداد، فهو فضولي بالفطرة، ولديه ذكاء حاد وفراسة كبيرة، يستطيع من خلالهما قراءة ما بين السطور، ومعرفة ما تحاول النفوس إخفاءه، ولكنه يلوح في قسمات وجوهها، وما أشبهه في ذلك بالمخبر الخبير الذي يستطيع أن يجمع خيوط الجريمة من تفاصيل صغيرة؛ ليعرف المتسبب في وقوعها.
وبهذا نرى أن أبا الفضول في هذه المسرحية لم يقتصر فيها على صفة الحلاق الفضولي فقط، ولكنه اتصف فيها أيضا بصفات أخرى، كالذكاء وحدة النظر والفراسة، وخفة الظل، ولكن تبقى صفة الفضول هي الصفة الرئيسة فيه، وقد استعان بصفاته الأخرى كالذكاء والفراسة وخفة الظل في ممارسة فضوله الذي لا يكاد يفارقه، حتى إنه حين رأى مع نهاية الفصل الأول – من هذه المسرحية – أن ذلك الفضول كان السبب الرئيس في سحب رخصة الحلاق ثم رخصة الحمال منه – حاول أن يمنع نفسه عن ذلك الفضول، ولكن طبعه غلب عليه، فاستمر في فضوله، وأيقن في النهاية أنه لا يمكنه أن يفارقه ذلك الفضول، كما أنه لا يستطيع أن يحيا بدونه.
وتتكون مسرحية حلاق بغداد من فصلين، وكل فصل فيه حكاية منفصلة عن الأخرى، ويجمع بينهما وجود شخصية أبي الفضول فيهما، واستخدامه فضوله وصفاته الأخرى التي تعينه في ذلك الفضول؛ لكشف مواقف يتعرض لها بعض الأشخاص، ويقوم بمساعدتهم، وبدلا من أن يشكر ممن ساعدهم، ومن الخليفة وقاضيه ووزيره الذين رأوا براعة أبي الفضول في مساعدة هؤلاء الأشخاص الذين كان لفضوله دخل كبير في إنقاذهم – إذا بالجميع يأخذ عليه فضوله، ويراه شديد الإزعاج للآخرين بذلك الفضول.
وفي الحكاية الأولى بالفصل الأول من هذه المسرحية يعرف أبو الفضول – بسبب فضوله الشديد وحدة ذكائه وفراسته – أن الشاب يوسف وياسمينة بنت القاضي قد قررا أن ينتحرا؛ لأن الوزير كان قد خطب هذه الفتاة بموافقة أبيها رغم رفضها له، وأدركت ياسمينة مع يوسف ألا سبيل لهما للزواج، فقررا الانتحار، ويستطيع أبو الفضول أن يحول دون انتحارهما، كما أنه يتسبب في زواجهما بموافقة الخليفة والقاضي والوزير، ومن الغريب أنه بعد كل ذلك يرمى من ألسنة الجميع بالفضولي الذي اعتاد أن يدس أنفه لإزعاج الآخرين، وليس بالشخص الطيب المنقذ الذي كان لفضوله فضل في إنقاذ يوسف وياسميينة من الموت، بل كان له الفضل أيضا في زواجهما.ونرى في الحكاية الثانية بالفصل الثاني في هذه المسرحية أن أبا الفضول استطاع من خلال حيلة طريفة أن ينقذ سيدة شريفة من محنة كبيرة تعرضت لها بعد موت زوجها، وكان هذا الزوج قد أودع مبلغ ألف دينار عند شبندر التجار؛ ليعطيه لزوجته بعد وفاته، ولكنه أنكر عليها ذلك، وحاول أن يراودها عن نفسها، وكذلك فعل معها ذلك الأمر أمين سر المحكمة حين استجارت به من شبندر التجار.وحينما تدخل أبو الفضول في هذا الأمر استطاع أن يظهر حق هذه المرأة، وإدانة هذين الرجلين في حضور الخليفة والوزير والقاضي، ورغم ذلك فإنه لم ينصفه أحد بمدحه، بل عادوا ليصفوه بالفضول وإزعاج الناس بتدخله في أمورهم.ومن هنا تبدو المفارقة؛ في أن فضول أبي الفضول – الذي هو مفطور عليه – يبدو في ظاهره فرضه نفسه على الآخرين، وتدخله في أمورهم، لكنه – في حقيقته – مفيد لمن يدس أنفه في شئونهم، فهو بفطرته الطيبة يحاول إنقاذ كل من يراه في مشكلة بحلها.وفي اعتقادي أن شخصية أبي الفضول التي رسمها ألفريد فرج في هذه المسرحية أظرف من كل شخصية حلاق ظريف نراه في أي عمل مسرحي آخر، فهو أظرف من الحلاق الظريف في مسرحية حلاق فيجارو لبومارشيه، ومن الحلاق الظريف الخير في مسرحية المحارة واللؤلؤة لوليم سارويان، وهو أيضا أظرف من الحلاق الذي صوره توفيق الحكيم في مسرحية الصفقة، ومن الحلاق الآخر الذي صوره في مسرحية كل شيء في محله.


