مئة عام من العزلة” وما لم أفهمه عن فرناندا قبل 33 عاماً
عد القرش
لم أنتبه، عام 1993، إلى شخصية فرناندا ديل كاربيو في رواية غابرييل غارثيا ماركيز “مئة عام من العزلة”. كنت في مثل سنّها تقريباً، يمسُّني شيء من تعصُّبها. والآن أتعجب، كيف لم تجذب فرناندا اهتماماً استأثرت به أخريات، أورسولا ورميديوس الجميلة، وبيترا كوتيس؟ كنت مشدوداً إلى النهايات. يغمرني تدفُّق الأحداث، فلا أطفو، ويختلط عليَّ خوسيهات وأوريليانوات وأركاديوات، يتناسلون ويتمرد الجيل الجديد المحكوم بلعنات تورّثها أسماء: خوسيه وأوريليانو وأركاديو. لا يزعجني الالتباس، أتعلل به لإعادة قراءة هذا المشهد، وتلك الجملة، فلا أجد أوريليانو شبيهاً بأوريليانو، ولا خوسيه مثل سميِّه، أما نصيب رميديوس الجميلة من رميديوس موسكوتي، زوجة الكولونويل أوريليانو، فهو الاسم والبراءة.

كنت ألهث، عام 1993، للوصول إلى الصفحة الأخيرة في رواية من 700 صفحة، لأعرف المصائر، وأرى تحقق النبوءة الخاصة بسلالة عائلية، أولها مربوط في شجرة بسبب جنونه، وآخرها مولود بذيل خنزير والنمل يلتهمه. إنه لقائي الأول بماركيز، أقرأ وأتعجل، أريد معرفة “ماذا” جرى. واستقرت في نفسي شخصيات الرواية التي ترجمها سليمان العطار باقتدار، واختفى طيف فرناندا.
وفي عام 2005 اشتريت ترجمة صالح علماني للرواية، ولم أقرأها، ولم يعجبني تبسيط شجرة العائلة المرسوم هندسيّاً في الصفحة الأخيرة، لاهتمامه بالنسل الشرعي، “الشريف”، وإهماله نساءً حافظن على السلالة. بيلار تيرنيرا أنجبت للعائلة: أركاديو من خوسيه أركاديو، وأوريليانو خوسيه من الكولونويل أوريليانو. وكلا الولدين حمل لقب العائلة. بيلار تيرنيرا والجدة أورسولا هما الأطول عمراً والأكثر خلوداً في هذا السفر الكبير.
في عام 2014، حرصت على اقتناء طبعة جديدة لترجمة سليمان العطار (دار آفاق)، وإليها أعود بعد المشاهدة الكاملة للمسلسل الذي أنتجته نتفليكس؛ مسلسل ملحمي، انتظرته طويلاً. أُدرك رهبة صناع الأفلام والمسلسلات من هذا النص الماركيزي، يخشون أن تهزمهم رواية كبيرة تتحدى الإمكانات البصرية. عرض الموسم الأول عام 2025. في الحلقة الثامنة، الأخيرة، ينجو الكولونيل أوريليانو من الإعدام رمياً بالرصاص. هنا الوصول إلى الجملة الافتتاحية: “بعد سنوات طويلة، وأمام الفصيلة المكلفة بتنفيذ حكم الإعدام، لم يجد الكولونيل أوريليانو بوين ديا سبيلاً إلا تذكّر تلك الأمسية البعيدة حين حمله أبوه ليرى الثلج”.
ولا يبلغ القارئ هذا المشهد إلا بعد ثلث الرواية، والاطمئنان إلى نجاة الكولونيل، وصعود أسطورته. هذه الجملة من أوجز وأعمق افتتاحيات الروايات؛ جملة لحنية تضبط الإيقاع الدرامي والموسيقي، ولا تريح قارئاً يكاد يربط مصيره بالكولونيل، المغامر المتوحد الذي جعلته المصادفة قائداً، وانتهى وحشاً يشبه عسكريين يكرههم. كان يتنبأ بكل شيء، ولم يكن قد رأى موته، حتى مثوله أعزل أمام فصيلة الإعدام. وقد نجا بفضل أخيه خوسيه أركاديو.
رمياً بالرصاص. هنا الوصول إلى الجملة الافتتاحية: “بعد سنوات طويلة، وأمام الفصيلة المكلفة بتنفيذ حكم الإعدام، لم يجد الكولونيل أوريليانو بوين ديا سبيلاً إلا تذكّر تلك الأمسية البعيدة حين حمله أبوه ليرى الثلج”.
ولا يبلغ القارئ هذا المشهد إلا بعد ثلث الرواية، والاطمئنان إلى نجاة الكولونيل، وصعود أسطورته. هذه الجملة من أوجز وأعمق افتتاحيات الروايات؛ جملة لحنية تضبط الإيقاع الدرامي والموسيقي، ولا تريح قارئاً يكاد يربط مصيره بالكولونيل، المغامر المتوحد الذي جعلته المصادفة قائداً، وانتهى وحشاً يشبه عسكريين يكرههم. كان يتنبأ بكل شيء، ولم يكن قد رأى موته، حتى مثوله أعزل أمام فصيلة الإعدام. وقد نجا بفضل أخيه خوسيه أركاديو.
مئة عام من العزلة”، رجحتْ في نفسي كفَّة الرواية، بالدقة المعمارية المتينة، وقد سيطر ماركيز على التفاصيل. كما ظللت أعتقد أن روايته “خريف البطريرك” أكثر أهمية. وحمل صيف 2026 الموسم الثاني من المسلسل، ثماني حلقات أنهيت مشاهدتها، وأعدتُ قراءة الرواية. لست متعجلاً، أعرف المصائر، فلا يشغلني “ماذا” جرى، أمضغ الجمل المسبوكة على مهل، والحوارات النادرة، ولا يخلو الأمر من توتُّر في بعض المشاهد، كأني أقرؤها للمرة الأولى.مسلسل “مئة عام من العزلة” على نتفليكسبهذه القراءة المتأنية، تصعد “مئة عام من العزلة” درة لماركيز، ذروة مشروعه، بما فيه “خريف البطريرك”. تأتي هذه القراءة وقد كبرتُ 33 عاماً، سنٌّ تكفي للنبوة، كبرتُ وكبرت الرواية، ولا تشيخ فرناندا؛ لا تزال تمارس الغطرسة، والاستعلاء الديني على عائلة تراها بعيدة عن الله. كأن ماركيز الماكر، بعد هذا العمر وقد تقاعدتُ ولا أزال مثقلاً بالديون لا السنين، ادَّخر لي ما أخفاه عني في رسم شخصية فرناندا. القراءة الجديدة للرواية تدفعني إلى مشاهدة المسلسل كاملاً.تحصد فرناندا وهماً زرعته أمها أنها ستصبح ملكة. الفتاة، التي تساعد أباها في صناعة أكاليل الجنازات من سعف النخيل، انتظرت التتويج. لم تعقد صداقة مع أحد، ولم تعرف عن العالم إلا ما درسته عن الشعر والعقيدة، وعزف الموسيقى. وإذا خرجت مع أبيها فإلى صلاة التسابيح. ثم خاض أوريليانو الثاني رحلة، من قرية ماكوندو، للبحث عنها في المدينة البعيدة، وتزوجها، فبدأت سعادته وانتهت.
فرناندا “خطة التخلص من العار”، فأجبرت ميمي على دخول الدير، من دون استشارة أبيها، وكذبت عليه مدَّعية أن ميمي قررت أن تصير راهبة. كما تمادت في الكذب فكتبت إلى ابنها خوسيه أركاديو، في روما، أن أخته ميمي “صعدت إلى سلام الأمجاد السماوية بسبب القيء الأسود… كانت قديسة”.
ظنت أنها طوَت صفحة ميمي، وضمنت صمتها إلى الأبد، حتى طرقت الباب راهبة تحمل سلة. سلمتها رضيعاً عمره شهران، ولدته ميمي وأطلقوا عليه اسم جده أوريليانو. أخبرت الراهبةَ بأنها ستقول إنها عثرت عليه طافياً في سلَّة. قالت الراهبة إن أحداً لن يصدق ذلك. فأصرَّت فرناندا على التمسك بهذا الادعاء، وقالت للراهبة: “إذا كانوا قد صدقوا في الكتاب المقدس فلا أرى لماذا لا يصدقونه مني”.
ما علاقة التدين بالأخلاق؟ غير المتدين قد يكون رفيع الأخلاق. والمتدين المتشدد قلَّما يتمتع بقلب طيب، وسماحةٍ في التعامل مع آخرين يراهم مقصّرين في أداء الشعائر. لا يكتفي بشعوره بالامتياز؛ فيتشفى منهم راسماً لهم مصيراً في نار الآخرة. التدين لم يردع فرناندا عن ارتكاب خطايا كالكذب والرغبة في القتل. استمرأت الكذب: على زوجها بأن ميمي اختارت الرهبنة فجأة، وعلى ابنها بزعم موت أخته ميمي، وعلى الراهبة التي سلمتها الرضيع. والراهبة، شاهد الإثبات، صمتت. وندمت فرناندا “على إيقاف عادة العصور الوسطى في شنق الرسول الحامل للأخبار السيئة. في تلك اللحظة قررت إغراقه في صهريج حتى يزيح الله بفضله الأزلي العقبة”.
حتى في نية القتل، تراهن المتديّنة المنافقة على أن يساعدها الله في طمس أدلة الجريمة. فرناندا بقلبها الحجري قررت أن ابنتها ميمي قد ماتت، وأنكرت ابن ميمي، “اعتقلته في غرفة نوم ميمي”. عرفوا بوجود الحفيد بعد ثلاث سنوات من وصوله إلى فرناندا. تسلل في غفلة منها فرأوه عارياً، متلبد الشعر، “صورة لآكل لحوم البشر”.
جدُّه أوريليانو الثاني قصَّ شعره، وألبسه. أوريليانو الثاني أوكل إلى أمه الحنون القديسة صوفيا ذات الرحمة رعاية أوريليانو الحفيد، “دون أن تعرف… أنه ابن حفيدتها” ميمي. شبَّ الصبي، وبلغ المراهقة معزولاً عن العالم. فرناندا، التي لا عمل لها إلا الصلوات والتذمُّر، لا تسمح له بالخروج. أما بيترا كوتيس، بعد موت أوريليانو الثاني، فظلَّت ترسل إلى فرناندا، كل أربعاء، سلة أطعمة تكفي أسبوعاً، حتى لو بقيت “دون طعام حتى تأكل فرناندا” التي خلا لها البيت الكبير، وفيه تسجن حفيدها المنبوذ. يجهز لها الطعام، ولا تناديه إلا باللقيط.
وبعد مغادرة القديسة صوفيا ذات الرحمة، احترقت أصابع فرناندا “عندما حاولت أن تشعل موقداً لأول مرة في حياتها، وغلبت على أمرها بطلب المعروف من أوريليانو (حفيدها) كي يعلمها كيف تعدُّ فنجاناً من القهوة. ومع مضي الوقت، كان هو من وضع على عاتقه القيام بأعمال المطبخ. وعند النهوض من الفراش، كانت فرناندا تجد إفطارها معدّاً. وكانت تغادر فقط غرفة نومها لالتقاط الطعام الذي كان أوريليانو يتركه لها مغطى حتى لا يفقد سخونته”.
في وجود حماتها القديسة صوفيا ذات الرحمة، وبمساعدة من الجدة الكبرى أورسولا، تفرغت فرناندا للعبادة، ولم تقرب المطبخ. ثم أنقذها الحفيد، الذي لا تعترف به، من فوضى انعدام الدراية بإعداد طعامها. أعفاها من إضاعة الوقت في غير الصلاة.
هكذا رسم ماركيز ملامح فرناندا، بيقين مطلق لا يتزعزع، واتساق مع عُقدها النفسية، وتناقضات سلوكها مع جوهر دين تشهره في وجه من تراهم وثنيين، وهم أشدُّ إيماناً بالله وبالحياة.
#رصيف ٢٢#مجلة ايليت فوتو ارت


