💥 «من قتل أليكس عودة؟».. سؤال يطارد العدالة
وثائقي صندانس ينافس في مسابقة «الجونة»
الجونة، مصر ـ خاص «سينماتوغراف»
ليست كل الجرائم التي تبقى بلا محاسبة جرائم منسية، بعضها يظل حاضراً في ذاكرة عائلة تنتظر الحقيقة، وفي مجتمع يتساءل عن قيمة العدالة حين تتعطل مؤسساتها، وفي تاريخ عام يختار أحياناً ما يتذكره وما يتركه في الظل.
من هذه المساحة الشائكة ينطلق الفيلم الوثائقي «من قتل أليكس عودة؟» (Who Killed Alex Odeh?)، للمخرجين جيسون أوسدر وويليام لافي يومانز، المشارك في المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية الطويلة بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي.
يعيد الفيلم فتح ملف اغتيال الناشط الفلسطيني الأميركي أليكس عودة، الذي قُتل في 11 أكتوبر 1985، إثر انفجار عبوة ناسفة عند باب مكتبه في مدينة سانتا آنا بولاية كاليفورنيا.
كان عودة معلماً وشاعراً وناشطاً في الدفاع عن الحقوق المدنية للعرب الأميركيين، ومديراً إقليمياً للجنة الأميركية العربية لمناهضة التمييز، كما عُرف بدعوته إلى التعايش والحوار.
لكن مقتله ظل، رغم مرور العقود، قضية لم تنتهِ إلى محاسبة قضائية للمسؤولين عنه.
من عنوانه، يضع الفيلم المشاهد أمام سؤال مباشر، لكنه لا يتعامل معه بوصفه لغز جريمة تقليدياً ينتظر حلاً نهائياً.
فالسؤال الأعمق ليس فقط مَن نفذ الاغتيال، بل كيف أمكن لقضية بهذا الثقل أن تظل معلقة كل هذه السنوات، وما الذي يكشفه استمرارها عن علاقة العنف السياسي بالسلطة والإعلام والعدالة.
** من التحقيق الجنائي إلى مساءلة الصمت
يعتمد أوسدر ويومانز على مزيج من المواد الأرشيفية والتحقيق المعاصر والشهادات، في محاولة لإعادة تركيب ملابسات الاغتيال ومتابعة الخيوط التي ظلت قائمة منذ وقوعه.
ويستعين الفيلم بالصحافي ديفيد شين، الذي يبحث في خلفيات القضية والاشتباه في ارتباطها بعناصر من رابطة الدفاع اليهودية، وهي جماعة متشددة ارتبط اسمها بشخصيات ومواقف معادية للعرب.
ويعرض العمل مسارات التحقيق والأشخاص الذين وردت أسماؤهم في سياق القضية، من دون أن يحوّل الاشتباه إلى حكم قضائي نهائي.
هنا تتجاوز قيمة الفيلم حدود إعادة سرد واقعة تاريخية.
فالتحقيق لا ينحصر في تتبع الأدلة، بل يمتد إلى فحص البيئة التي أحاطت بالجريمة، وما إذا كان تقاعس المؤسسات أو غياب الإرادة الكافية قد أسهما في إطالة أمدها.
وبهذا، يتحول السؤال الوارد في العنوان من وسيلة لجذب الانتباه إلى أداة لمساءلة منظومة كاملة: من يملك القدرة على إبقاء قضية حية، ومن يستطيع دفعها إلى الهامش؟.
وتكمن قوة هذه المقاربة في ربط الجريمة الفردية بسياق أوسع من التمييز ضد العرب الأميركيين والترهيب السياسي، من دون أن تفقد القضية مركزها الإنساني. فالفيلم لا يطلب من المشاهد الاكتفاء بإدانة فعل عنيف وقع قبل أربعة عقود، وإنما يدعوه إلى التفكير في الظروف التي تسمح لآثاره بأن تستمر، حتى بعد اختفاء الجريمة من واجهة الأخبار.
** العائلة في مواجهة الزمن
على الرغم من اتساع التحقيق وتشعب خلفياته، لا يغيب الثمن الإنساني للقضية عن بناء الفيلم.
فحضور أرملة عودة، نورما، وابنته هيلينا يعيد المأساة إلى حجمها الشخصي: رجل غاب عن أسرته، وعائلة اضطرت إلى مواصلة حياتها بينما بقي السؤال الأساسي بلا إجابة نهائية.
هذه المساحة تمنح الوثائقي ثقله العاطفي، وتمنعه من التحول إلى ملف معلوماتي بارد. فالأرشيف والشهادات والتحقيقات تشرح ما جرى، لكن انتظار الأسرة يكشف ما لا تستطيع الوثائق وحدها التعبير عنه: كيف يتحول غياب العدالة إلى عبء طويل، تتوارثه الأجيال ويعيد تشكيل علاقتها بالماضي.
ويحسب للفيلم أنه لا يجعل عودة الضحية إلى الذاكرة مرتبطة فقط بظروف مقتله. فاستعادة حياته ومواقفه، ودوره في الدفاع عن الحقوق والحوار، تتيح النظر إليه بوصفه إنساناً وصاحب قضية، لا مجرد اسم في سجل جريمة سياسية.
وهذه نقطة أساسية، إذ إن الاقتصار على تفاصيل الاغتيال قد يمنح الجريمة حضوراً أكبر من صاحبها، بينما يحاول الفيلم استعادة المعنى الذي أراد القاتل إسكاتَه.
** حين يصبح الأرشيف أداة للمساءلة
يستفيد العمل من خبرة أوسدر السابقة في الأفلام الوثائقية التي تتناول العنف المؤسسي والذاكرة العامة، ومن اهتمام يومانز بالقضية انطلاقاً من نشأته داخل المجتمع العربي الأميركي.
ويمنح هذا التلاقي الفيلم زاويتين متكاملتين: نظرة تحقيقية تسعى إلى تنظيم الوقائع واختبارها، وأخرى تدرك أن القضية ليست مجهولة التفاصيل بالنسبة إلى مجتمع ظل يتذكرها، حتى عندما تراجعت عن اهتمام المجال العام.
لكن الطموح الاستقصائي يضع الفيلم أمام تحدٍ لا يمكن تجاهله. فكلما ازدادت خيوط القضية وتشعبت الشخصيات والوقائع، أصبح على السرد أن يوازن بين كثافة المعلومات ووضوح المسار.
وقد تبدو بعض التفاصيل أكثر تعقيداً للمشاهد الذي لا يعرف خلفية القضية أو تاريخ الجماعات والأطراف المرتبطة بها.
كما أن إعادة فتح ملف لم يُحسم قضائياً تفرض على صناع الفيلم مسؤولية الفصل بين ما تدعمه الأدلة، وما يظل في دائرة الاشتباه أو الاستنتاج.
هذه الحدود لا تنتقص من أهمية العمل، بل تبرز حساسية مهمته.
فالفيلم الاستقصائي لا يحقق العدالة بمجرد عرض الأدلة أو إعادة طرح الأسئلة، ولا يستطيع أن يحل محل القضاء، لكنه يستطيع أن يختبر الروايات السائدة، ويكشف الثغرات، ويمنع قضية من الاختفاء خلف تراكم الزمن.
** من صندانس إلى الجونة
حظي الفيلم بعرضه الأول في مهرجان صندانس السينمائي عام 2026، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة للامتياز الصحفي وجائزة المنتجين للأفلام غير الروائية.
ويعكس هذا التقدير أهمية مقاربته التي تجمع بين التحقيق الصحافي والصناعة الوثائقية، فيما تتيح مشاركته في مسابقة الجونة تقديم القضية إلى جمهور عربي يتصل مباشرة بجانب من تاريخها وهويتها.
ولا تنبع أهمية عرض الفيلم في الجونة من موضوعه الفلسطيني وحده، بل من قدرته على فتح نقاش حول وظيفة السينما الوثائقية حين تتعامل مع قضايا لم يغلقها التاريخ.
فالأرشيف هنا ليس مستودعاً للماضي، بل مادة لإعادة فحص الحاضر، والسؤال ليس مجرد استعادة جريمة قديمة، بل اختبار قدرة الصورة على مقاومة النسيان ومساءلة المؤسسات التي يفترض أن تحمي الحق.
في النهاية، لا تكمن قوة «من قتل أليكس عودة؟» في الوعد بإجابة سهلة عن سؤال ظل مفتوحاً لعقود، بل في إصراره على إبقاء السؤال حياً، وربطه بحياة إنسان وعائلة ومجتمع حُرموا من خاتمة عادلة.
وقد لا تكون السينما قادرة على إصدار الأحكام أو تعويض سنوات الانتظار، لكنها تستطيع أن تفعل شيئاً بالغ الأهمية: أن تعيد القضية إلى المجال العام، وأن تذكّر بأن مرور الزمن لا يحوّل الجريمة غير المحاسَب عليها إلى واقعة منتهية.
هكذا يصبح الفيلم أكثر من تحقيق في اغتيال، إنه مساءلة لذاكرة تختارها المؤسسات، ولعدالة قد تفقد معناها حين تتأخر إلى حد يصبح فيه الانتظار جزءاً من العقوبة.
وفي هذا المعنى، لا يطلب العمل من المشاهد أن يكتفي بالسؤال: «من قتل أليكس عودة؟»، بل أن يضيف إليه سؤالاً أشد إلحاحاً: كيف يمكن أن تبقى الحقيقة معلقة كل هذه السنوات، ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟.
#فيلم، #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.


