بافليكوفسكي ينافس في الجونة،بفيلم «أرض الأجداد» (Fatherland)، ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.

💥 مراجعة | «أرض الأجداد».. ذاكرة ممزقة على الطريق بافليكوفسكي ينافس في الجونة بسينما العائلة والذنب الجونة، مصر ـ خاص «سينماتوغراف»لا يحتاج بافل بافليكوفسكي إلى معارك كبيرة أو مشاهد صاخبة ليضع التاريخ أمام الكاميرا. في «أرض الأجداد» (Fatherland)، المشارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، يختار المخرج البولندي طريقًا أكثر هدوءًا وتعقيدًا، رحلة بالسيارة تتحول تدريجيًا إلى مواجهة مع وطن مدمّر، وذاكرة مثقلة بالذنب، وعلاقة عائلية لم تنجُ هي الأخرى من آثار الحرب.تدور الأحداث في عام 1949، عندما يعود الكاتب الألماني الحائز نوبل توماس مان إلى ألمانيا بعد 16 عامًا من المنفى في الولايات المتحدة، برفقة ابنته إريكا، الممثلة والكاتبة وسائقة الراليات. يعبر الاثنان ألمانيا المنقسمة من فرانكفورت الخاضعة للنفوذ الأميركي إلى فايمار الواقعة تحت السيطرة السوفياتية، في رحلة تعبر الجغرافيا بقدر ما تستعيد شروخ الماضي.لكن العودة ليست إلى مكان فحسب، وإنما إلى سؤال الهوية نفسه. ماذا يعني أن يعود شخص إلى وطن غادره هربًا من النازية، ثم يجده مقسمًا ومحمّلًا بآثار الحرب؟، وماذا يبقى من علاقة الأب بابنته حين يصبح الماضي حاضرًا في كل حوار، وفي كل صمت؟.** رحلة قصيرة تحمل تاريخًا طويلًايعتمد بافليكوفسكي على اقتصاد واضح في السرد. فالفيلم، الذي لا يتجاوز 82 دقيقة، لا يحاول أن يشرح حقبة ما بعد الحرب عبر خطاب تاريخي مباشر، وإنما يترك الأحداث الكبرى في الخلفية، بينما يركز على التفاصيل الصغيرة للعلاقة بين الأب وابنته.السيارة تصبح مساحة درامية مغلقة، فيما تتحول الطرق والأنقاض والنقاط الفاصلة بين مناطق النفوذ إلى امتداد بصري لحالة الشخصيتين. وكلما تقدمت الرحلة، بدا أن العودة إلى ألمانيا لا تعني استعادة الماضي، بل محاولة فهم ما الذي حدث للعائلة والوطن معًا.وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم: التاريخ لا يظهر بوصفه درسًا، وإنما كجرح ما زال يؤثر في الأشخاص الذين يعيشون بعده.** ساندرا هولر.. قوة الصمتتقدم ساندرا هولر شخصية إريكا بحدة محسوبة. لا تحتاج الممثلة إلى خطب طويلة كي تكشف المسافة بين ابنة تحب والدها، وامرأة تحمل تجاهه أسئلة واعتراضات لا تستطيع دائمًا قولها مباشرة.إريكا ليست مجرد شخصية مرافقة لتوماس مان، بل هي مركز عاطفي وفكري للفيلم. حضورها يضع صورة الكاتب الكبير تحت الاختبار، ويمنع عودته من التحول إلى احتفال بسيط بشخصية أدبية عادت إلى وطنها.وتمنح هولر الشخصية توترًا داخليًا واضحًا، فالعاطفة والغضب والشك والحنين تتحرك في ملامحها أكثر مما تتحرك في الكلمات. وقد وصفتها صفحة مهرجان الجونة بأنها المركز الهادئ والمؤثر للفيلم.** توماس مان بين المجد والمنفىفي المقابل، يقدم هانس تسيشلر توماس مان بصورة مختلفة تمامًا. إنه كاتب عالمي يعود إلى وطنه محاطًا بهالة أدبية ضخمة، لكنه يجد نفسه أمام بلد لم يعد كما تركه، وأسرة تحمل جروحها الخاصة.لا يعامل بافليكوفسكي الشخصية بوصفها تمثالًا أدبيًا، بل يترك مساحة للضعف والتردد والتناقض. وهنا تتقاطع صورة الكاتب مع صورة الإنسان الذي يحاول التعامل مع ماضٍ لا يمكن استعادته.العلاقة بين الأب والابنة تصبح بالتالي أكثر من علاقة عائلية، إنها مواجهة بين جيلين، وبين تصورين للذاكرة، وبين رجل يحاول العودة إلى وطنه وامرأة تنظر إلى تلك العودة بعين أكثر شكًا وحذرًا.** الأبيض والأسود.. ذاكرة لا تنطفئاختيار الأبيض والأسود ليس مجرد استعادة شكلية لأفلام الحقبة. الصورة التي صاغها مدير التصوير لوكاش زال تمنح ألمانيا ما بعد الحرب ملمسًا قاسيًا ومجردًا، وتضع الوجوه والخرائب في المستوى البصري نفسه.وهذا التعاون يعيد بافليكوفسكي إلى اللغة البصرية التي رسخها في «إيدا» ثم «الحرب الباردة»، حيث تتحول الإضاءة والمساحات الفارغة والتكوينات الدقيقة إلى جزء من السرد نفسه. وقد أشار مهرجان كان إلى عودة زال للعمل مع المخرج، وإلى استمرار اهتمام بافليكوفسكي بالتصوير بالأبيض والأسود والتاريخ الأوروبي الحديث.لكن جمال الصورة لا يأتي على حساب الخراب. الفيلم يعرف أن اللقطة الجميلة يمكن أن تحمل داخلها تاريخًا قاسيًا، وأن جمال المكان لا يعني شفاءه.** حين يصبح الوطن سؤالًاأهم ما يفعله «أرض الأجداد» أنه لا يقدم الوطن باعتباره مكانًا ثابتًا. ألمانيا التي يعود إليها توماس مان ليست ألمانيا التي غادرها، والعائلة التي يحاول استعادة صلته بها تحمل بدورها آثار سنوات المنفى والحرب والانقسام.من هنا يبدو عنوان الفيلم نفسه محمّلًا بالمفارقة. فـ«الوطن» ليس بالضرورة المكان الذي نعود إليه، وإنما المكان الذي نحاول أن نفهم علاقتنا به بعد أن يتغير، أو بعد أن نتغير نحن.وهذا ما يجعل الرحلة في الفيلم أكثر من انتقال جغرافي. إنها رحلة في الذاكرة، وفي معنى الانتماء، وفي المسافة التي يمكن أن تصنعها السنوات بين الإنسان والمكان الذي كان يسميه وطنًا.** بافليكوفسكي يواصل ثلاثيتهيأتي «أرض الأجداد» امتدادًا واضحًا لاهتمام بافليكوفسكي بتاريخ أوروبا في القرن العشرين، بعد «إيدا» و«الحرب الباردة». وفي الأفلام الثلاثة، لا يستخدم المخرج التحولات التاريخية كخلفية منفصلة، بل يضع العلاقات الإنسانية داخلها، بحيث يصبح الخاص انعكاسًا للعام.لكن الجديد هنا أن التاريخ يمر عبر علاقة أب وابنته، وهي علاقة تسمح للفيلم بأن يقترب من أسئلة الحب والذنب والذاكرة دون أن يتحول إلى فيلم تاريخي تقليدي.ولهذا تبدو جائزة أفضل مخرج التي حصل عليها بافليكوفسكي مناصفة في مهرجان كان منطقية ضمن مسار الفيلم، فالقوة الأساسية هنا ليست في ضخامة الحكاية، وإنما في الطريقة التي يضغط بها المخرج تاريخًا كاملًا داخل رحلة قصيرة، وحوارات مقتصدة، وصمت يحمل أحيانًا ما تعجز الشخصيات عن قوله.** منافسة مختلفة في الجونةوجود «أرض الأجداد» في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بمهرجان الجونة يمنح المنافسة فيلمًا يعتمد على السينما الهادئة، لا على صخب الأحداث. إنه عمل يراهن على الأداء، والتكوين، والإيقاع، وما بين الكلمات أكثر مما يراهن على المفاجآت الدرامية. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم