المدرب الفوتوغرافي الأستاذ : سقراط قاحوش..كتب عن واقع المشهد الفوتوغرافي بين الأمس واليوم.

واقع المشهد الفوتوغرافي بين الأمس واليوم

شهدت الساحة الفوتوغرافية خلال العقود الماضية حضوراً واضحاً لأسماء صنعت مكانتها بجهدها وخبرتها وإنتاجها الحقيقي. كان المصور المعروف يُعرَف من خلال أعماله قبل أن يُعرَف من خلال اسمه، وكانت صوره تتحدث عنه في المعارض والصحف والكتب والمنشورات الرسمية. آنذاك، لم يكن الوصول إلى مكانة “المعلم” أمراً سهلاً أو متاحاً لكل من امتلك كاميرا، بل كان لقباً يُكتسب بعد سنوات طويلة من التعلم والتجربة والعطاء، حتى أصبح العديد من المصورين الرواد مرجعاً معتمداً لدى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، يُستشارون ويُستعان بخبراتهم في كل ما يتعلق بالفن الفوتوغرافي.
أما اليوم، فقد أصبح المشهد أكثر ضبابية وتعقيداً. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة الوصول إلى المعدات التقنية، دخل إلى الساحة عدد هائل من حَمَلة الكاميرات الذين وجدوا في المنصات الرقمية وسيلة سريعة للظهور والشهرة. ولم يعد التميز قائماً دائماً على جودة العمل أو عمق التجربة، بل أصبح في كثير من الأحيان مرتبطاً بحجم الترويج الذاتي وعدد المتابعين ومهارة صناعة الصورة الشخصية. فأصبح البعض يقدم نفسه على أنه الخبير الأول والمعلم الأوحد، في مشهد تختلط فيه الحقيقة بالدعاية، والخبرة الحقيقية بالادعاءات البراقة.
وللأسف، فإن بعض الجهات الرسمية وغير الرسمية قد تنخدع أحياناً بهذه الصورة المصنوعة إعلامياً، فتمنح المساحة والفرص لمن يجيد التسويق لنفسه أكثر ممن يمتلك الرصيد الحقيقي من الإنجازات. وهكذا يتصدر بعض الأشخاص المشهد أمام مجتمع قد لا يعرف شيئاً عن خلفياتهم العلمية أو الفنية أو المهنية، بينما يغيب عن الواجهة أصحاب التجارب العميقة والإنجازات الموثقة. وعند البحث الجاد في مسيرة الكثير من هؤلاء المتصدرين، قد لا نجد أعمالاً فوتوغرافية مؤثرة أو مشاريع معروفة أو إصدارات أو مشاركات ذات قيمة تركت أثراً حقيقياً في تاريخ هذا الفن.
وتكمن الخطورة الأكبر في تأثير هذا الواقع على الأجيال الجديدة من محبي التصوير. فكثير من الشباب الذين يسعون إلى التعلم وتطوير مهاراتهم يقعون ضحية الصورة الإعلامية المضللة، فينجرفون خلف ألقاب كبيرة مثل “المصور العالمي” أو “الخبير الدولي” أو “المعلم المحترف”، دون التحقق من حقيقة هذه الادعاءات. وبعد قضاء الوقت والجهد وربما المال في متابعة بعض هؤلاء، يكتشفون أن ما تلقوه لم يكن سوى معلومات سطحية وتجارب محدودة لا تؤسس لمصور حقيقي ولا تبني معرفة راسخة. وعندها تظهر خيبة الأمل، ويشعر كثيرون بالندم بعدما ضاعت عليهم فرص التعلم من أصحاب الخبرة الفعلية.
إن حماية المشهد الفوتوغرافي وتحصين الأجيال القادمة تبدأ من تعزيز ثقافة التحقق والتدقيق. فمن الضروري ألا يُمنح أي شخص صفة الخبير أو المعلم لمجرد حضوره الإعلامي أو كثرة متابعيه، بل يجب البحث في تاريخه المهني، والاطلاع على أعماله المنشورة، ومراجعة إنجازاته الموثقة، ومعرفة مدى تأثيره الحقيقي في هذا الفن. والأهم من ذلك كله، النظر إلى سلوكه وأخلاقه المهنية، لأن المعرفة الحقيقية لا تنفصل عن القيم، والمعلم الحقيقي لا يُقاس فقط بما يعرفه، بل أيضاً بما يمثله من قدوة واحترام ومسؤولية.
فالفوتوغرافيا ليست مجرد كاميرا وصورة ومنصة إلكترونية، بل تاريخ وثقافة ورسالة ومسؤولية. ومن حق الأجيال الجديدة أن تجد أمامها نماذج حقيقية تستحق أن تُحتذى، لا مجرد صور لنجومية مؤقتة سرعان ما تكشف الأيام حقيقتها.

أخر المقالات

منكم وإليكم