وقف الملك الأوغاريتي ملقارت في بهو القصر الملكي في اوغاريت..حيث كانت أعمدة خشب الأرز ترتفع نحو السماء والمباخر تنثر عبير اللبان أمام عرش الآلهة. كان المساء يهبط على أوغاريت بطيئًا والبحر يحمل إلى المدينة همس الأزمنة بينما انحنى الملك أمام الإله الذي حمل اسمه ورفع كفيه المرتجفتين ثم قال بصوت أثقله العمر:
“أيها الإله ملقارت.. يا سيد القوة وربُّ المدن والحصون.. يا من تُخضع البحر والريح وتكتب أعمار الملوك على ألواح القدر..
لقد شارفتُ نهاية الطريق. وصار الموت يسير خلفي كظلٍّ لا يغيب. وشَعري الذي كان بلون سنابل القمح غطّاه بياض الثلج وانحنى ظهري تحت أثقال السنين.
لم أطلب منك خلودًا فالخلود للآلهة وحدها. ولم أرجُ أن تهبني عمرًا آخر فقد أخذت من الدنيا نصيبي ولكنني أسألك دعاءً أخيرًا..
لا تجعل خاتمتي عارًا. ولا تدع اسمي يُمحى بالهزيمة. ولا تسمح أن يُقال إن ملقارت ملك أوغاريت انتهى ذليلًا بعدما عاش شامخًا.
اجعل أيامي الأخيرة تليق بما مضى من عمري. واجعل سيفي يسقط من يدي بعد أن يؤدي واجبه لا قبل ذلك. فإن كان لا بد من الموت فليكن موت الملوك.. واقفًا لا راكعًا. مرفوع الرأس لا مطأطئه .. ولتكن ذكراي بين الناس أنني رحلت لكن كرامتي بقيت حية في ذاكرة الأرض.”
وساد الصمت أرجاء المعبد حتى بدا وكأن الريح نفسها توقفت لتصغي إلى دعاء الشيخ الذي أنهكه الزمان. ولم يجب الإله بكلمة غير أن شعلة النار المقدسة ارتفعت فجأة فوق المذبح فأضاء وهجها وجه الملك وكأن السماء قد أوحت إليه بأن المجد لا يُقاس بطول العمر بل بطريقة الرحيل.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


