
المتألق غسان القَيِّم… عريس أوغاريت وحارس ذاكرة الحضارية السورية
رحلة باحثٍ نذر حياته لاستنطاق التاريخ، وصون آثار الساحل السوري، وإعادة وصل الحاضر بجذور الحضارة الإنسانية
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
في البدء كانت الكلمة الفنية : حين يصبح عشق التاريخ رسالة حياة،
وحين تتعرّى الروح المعرفية على تخوم التاريخ، وتتكسر أوهام القوة أمام صلابة الزمن، يدرك الإنسان كم هو عابر في حضرة الحضارة، وكم أن الأرض أوسع من أعمار أبنائها، وأن الحجارة التي تبدو صامتة ليست سوى صفحات مفتوحة من كتاب الإنسانية الكبير. هنا، عند تخوم الساحل السوري، حيث تعانق الجبال البحر، وتختزن التربة أسرار حضارات تعاقبت على هذه الأرض منذ آلاف السنين، تقف أوغاريت شاهدةً على قدرة الإنسان على الإبداع والابتكار، وعلى انتقاله من التجربة إلى المعرفة، ومن العلامة إلى الحرف، ومن الذاكرة الشفهية إلى التدوين.
وفي هذا الفضاء المعرفي الذي تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ، والأثر بالذاكرة، والعلم بالشغف الإنساني، يبرز اسم الباحث السوري الدكتور غسان القَيِّم، الذي ارتبط اسمه بمدينة أوغاريت الأثرية، حتى غدا لقبه المتداول بين محبيها وعارفي تاريخها: «عاشق أوغاريت» و«عريس أوغاريت».
ليس الأمر مجرد لقب عاطفي أطلقه المحيطون به، بل تعبير عن علاقة طويلة بين باحث وموقع أثري استثنائي، علاقة تجاوزت حدود الوظيفة المهنية لتصبح انتماءً معرفياً ووجدانياً، ورسالةً في حماية التراث السوري وتوثيقه، والدفاع عن مكانته في الذاكرة الإنسانية.
إنه الباحث غسان القيم الذي ينظر إلى الأثر باعتباره أكثر من حجر أو رقيم طيني أو بقايا جدار؛ يراه وثيقةً مفتوحة على أسئلة الإنسان الأولى، وشاهداً على قدرته في بناء الحضارة، وأمانةً ينبغي أن تصل إلى الأجيال القادمة.
أولاً: غسان القَيِّم… من دراسة التاريخ إلى معايشة الحضارة
وُلد غسان القَيِّم في مدينة اللاذقية عام 1966، ودرس التاريخ في جامعة دمشق، قبل أن يلتحق بالمديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية، حيث أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في العمل الأثري، وتولّى إدارة آثار أوغاريت، في رأس شمرا، لأكثر من ربع قرن، وفق المعلومات الواردة في سيرته المهنية.
وقد أتاح له هذا المسار أن يقترب من الموقع الأثري في تفاصيله الدقيقة، وأن يتابع أعمال التنقيب والترميم، وأن يعايش الأسئلة التي تثيرها المكتشفات الجديدة حول طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية في أوغاريت القديمة.
فالعمل الأثري ليس مجرد كشفٍ عن شيء مدفون تحت التراب؛ إنه عملية علمية متكاملة تبدأ بالملاحظة والتوثيق، وتمرّ بتحليل الطبقات والسياقات المادية، وتنتهي بمحاولة فهم الإنسان الذي خلّف وراءه هذه الشواهد.
ومن هنا تتجلى أهمية الخبرة الميدانية التي راكمها القَيِّم؛ إذ تتيح له قراءة الأثر في سياقه التاريخي، وربط المادة المكتشفة بالمعرفة المتراكمة حول المجتمع الذي أنتجها.
لقد أدرك أن الموقع الأثري لا يمنح أسراره دفعة واحدة، وأن كل حجر قد يحمل سؤالاً، وكل رقيم طيني قد يفتح باباً جديداً للبحث، وكل تفصيل معماري يمكن أن يعيد رسم جانب من الحياة اليومية التي عاشها سكان المدينة قبل آلاف السنين.
ومع مرور الزمن، تحوّلت أوغاريت بالنسبة إليه من موقع أثري يتطلب الإدارة والمتابعة إلى عالم معرفي واسع، تتشابك فيه الأساطير واللغات والموسيقى والتجارة والمعتقدات والعلاقات الإنسانية.
وهكذا أصبح عمله جزءاً من حوار مستمر بين الماضي والحاضر، حوار لا يكتفي باستعادة ما كان، بل يسعى إلى فهم ما تركه الماضي في تكوين الإنسان المعاصر وهويته الثقافية.
ثانياً: أوغاريت… المدينة التي منحت الأبجدية صوتها
لفهم طبيعة العلاقة التي تجمع غسان القَيِّم بأوغاريت، لا بد من التوقف عند المكان الذي كرّس له جانباً كبيراً من حياته المهنية.
تقع أوغاريت القديمة في موقع رأس شمرا، بالقرب من اللاذقية على الساحل السوري، وقد كانت واحدة من أهم المراكز الحضارية والتجارية في شرقي البحر المتوسط خلال العصر البرونزي المتأخر.
ازدهرت المدينة بفضل موقعها الجغرافي وصلاتها التجارية والثقافية مع مناطق متعددة من العالم القديم، وشهدت تطوراً ملحوظاً في الإدارة والكتابة والفنون والعمارة والحياة الدينية.
لكن شهرتها العالمية ترتبط، قبل كل شيء، باكتشاف الأبجدية الأوغاريتية، التي تمثل محطة مفصلية في تاريخ الكتابة الإنسانية.
فقد طوّر الأوغاريتيون نظاماً أبجدياً مسمارياً يقوم على عدد محدود من العلامات، مقارنةً بالأنظمة الكتابية المقطعية أو المعقدة التي عرفتها حضارات أخرى. وتتألف الأبجدية الأوغاريتية الأساسية من ثلاثين علامة، مكّنت مستخدميها من تدوين لغتهم بصورة أكثر انتظاماً واختصاراً.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات أوغاريت الحضارية: أن الابتكار الحقيقي لا يقاس بضخامة الأداة، بل بقدرته على تحويل المعرفة إلى وسيلة أكثر فاعلية للتواصل والحفظ والتداول.
لقد أسهمت الأبجديات التي تطورت في المنطقة السورية والشرق الأدنى القديم في المسار الطويل الذي أفضى إلى أنظمة الكتابة الأبجدية اللاحقة، وإن كانت العلاقة بين الأبجدية الأوغاريتية والأبجديات الأخرى تحتاج إلى قراءة تاريخية ولغوية دقيقة، بعيداً عن اختزال تاريخ الكتابة في أصل واحد مباشر.
وبالنسبة إلى غسان القَيِّم، لا تمثل هذه الحقيقة مجرد معلومة تاريخية تُستعاد في المناسبات الثقافية، بل مدخلاً أساسياً لإعادة تعريف علاقة الإنسان السوري بتراثه.
فأوغاريت ليست بقايا مدينة قديمة فحسب؛ إنها شاهد على أن هذه الأرض كانت جزءاً فاعلاً من الحراك الحضاري الذي أسهم في تطوير أدوات المعرفة الإنسانية.
ومن هنا تأتي أهمية التعريف بها، لا بوصفها موضوعاً للافتخار المجرد، بل باعتبارها ميداناً للبحث العلمي، ومصدراً لفهم تطور الحضارات وتفاعلها.
ثالثاً: من الرقم الطيني إلى النغمة الموسيقية… ذاكرة الإنسان المنقوشة
إذا كانت الأبجدية الأوغاريتية تكشف عن تطور وسائل التعبير الكتابي، فإن الألواح الطينية المكتشفة في المنطقة تفتح نافذة أخرى على عالم الإنسان القديم: عالم الموسيقى والطقوس الدينية والتفكير الرمزي.
ومن أبرز الشواهد التي أثارت اهتمام الباحثين في تاريخ الموسيقى ما يُعرف بالترنيمة الحورية المكرسة للإلهة نيكال، والتي عُثر على لوحها في مدينة أوغاريت عام 1950، لا عام 1948 كما يرد أحياناً في بعض الروايات المتداولة.
وتُعد هذه الترنيمة من أهم الوثائق المعروفة التي تكشف عن وجود تدوين موسيقي في الشرق الأدنى القديم. وقد أثارت قراءتها وتفسير رموزها نقاشات علمية واسعة حول طبيعة النظام الموسيقي الذي استُخدم آنذاك، وكيفية تحويل العلامات المكتوبة إلى أداء صوتي.
وتكمن أهمية هذا اللوح في أنه يتيح للباحثين الاقتراب من جانب من الحياة الروحية والفنية لسكان المنطقة قبل آلاف السنين، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين اللغة والإيقاع والصوت والطقس الديني.
لكن من الضروري التمييز بين أهمية الوثيقة التاريخية وبين الادعاء بأنها تمثل، بصورة محسومة، أقدم نوتة موسيقية مكتملة أو أقدم لحن يمكن إعادة أدائه كما كان في الماضي؛ فهذه المسائل لا تزال موضع نقاش بين المتخصصين، ولا سيما أن تفسير الرموز الموسيقية القديمة ليس أمراً خالياً من الإشكالات.
ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذا التدوين يكشف عن مستوى متقدم من التفكير المنظم، وعن رغبة الإنسان القديم في حفظ المعرفة الموسيقية ونقلها خارج حدود الذاكرة الشفهية.
وهنا تتضح قيمة البحث الأثري الذي يهتم به القَيِّم؛ فالأثر لا يروي قصة الحجر وحده، وإنما يروي قصة العقل الذي صنعه، واليد التي نقشَته، والمجتمع الذي استخدمه، والذاكرة التي أبقته حاضراً حتى يومنا هذا.
إن قراءة الألواح الطينية تتيح لنا الاقتراب من أصوات الماضي، حتى إن لم نتمكن دائماً من استعادتها على صورتها الأصلية. إنها تمنح الصمت التاريخي لغةً جديدة، وتضع أمامنا دليلاً على أن الإنسان لم يكن منشغلاً بتأمين حاجاته المادية وحدها، بل كان يبحث أيضاً عن الإيقاع والجمال والمعنى.
رابعاً: الأثر ليس حجراً صامتاً… بل وثيقة عن الإنسان
يتميز عمل غسان القَيِّم، كما يتبدى في اهتماماته البحثية والتوثيقية، بعدم حصر التراث في الآثار الكبرى أو المكتشفات التي تحظى بشهرة عالمية.
فالحضارة لا تتجلى في القصور والمعابد والتحصينات وحدها، بل تظهر أيضاً في البيوت الريفية، والأدوات اليومية، وأنماط البناء، والعادات الاجتماعية، والطقوس، والعلاقات بين أفراد المجتمع.
ومن هذا المنطلق، تتسع دائرة اهتماماته لتشمل جوانب من الحياة الأوغاريتية، مثل المرأة والمعتقدات الدينية والطقوس الاجتماعية، إلى جانب العمارة التقليدية والبيت الريفي الساحلي، وهي موضوعات تتيح النظر إلى التاريخ من زاوية الإنسان الذي عاشه، لا من زاوية الملوك والأحداث الكبرى وحدهم.
فالبيت القديم، مثلاً، ليس مجرد بنية معمارية؛ إنه تعبير عن علاقة الإنسان بمناخه وبيئته وموارده، وعن قدرته على ابتكار حلول تتلاءم مع طبيعة المكان.
والأداة الزراعية ليست قطعة مادية منفصلة عن سياقها، بل شاهد على تطور الخبرة الإنسانية، وعلى انتقال الإنسان من التجربة الفردية إلى معرفة أكثر انتظاماً بخصائص التربة والمياه والفصول.
أما اللقى الفخارية والألواح الكتابية، فإنها تتيح استكشاف أنماط الإنتاج والتبادل التجاري والإدارة والمعتقدات، وتساعد على بناء صورة أكثر تكاملاً عن المجتمع القديم.
بهذا المعنى، تصبح الآثار علماً عن الإنسان بقدر ما هي علم عن الماضي.
وإذا كان التنقيب يكشف ما أخفته الأرض، فإن التوثيق والتحليل والنشر هي التي تمنح المكتشفات قدرتها على الوصول إلى الجمهور، وتحويلها من مادة محفوظة في الموقع أو المستودع إلى معرفة قابلة للتداول والنقاش.
وهنا تتجلى أهمية الباحث الذي يجمع بين الخبرة الميدانية والكتابة الثقافية؛ فهو لا يكتفي بمشاهدة الأثر، بل يسعى إلى وضعه في سياقه، وشرح دلالاته، وإعادة تقديمه بلغة يستطيع القارئ المعاصر أن يتفاعل معها.
خامساً: حين تلتقي عدسة المصوّر بعين الأثري
ثمة علاقة عميقة تجمع التصوير الفوتوغرافي بالبحث الأثري، علاقة تتجاوز تسجيل الموجودات إلى بناء وثيقة بصرية تحفظ هيئة المكان وتفاصيله، وتتيح مقارنتها بما قد يطرأ عليها من تغيرات لاحقة.
فالصورة الأثرية ليست مجرد لقطة تذكارية لجدار قديم أو قطعة فخارية؛ إنها سجل بصري يمكن أن يوثق الحالة الراهنة للموقع، ويُظهر تفاصيل النقوش والسطوح والطبقات المعمارية، ويساعد على متابعة أعمال الترميم والصيانة، متى أُنجزت عملية التصوير وفق معايير توثيق واضحة.
ومن هنا تبرز أهمية اهتمام غسان القَيِّم بالتوثيق الفوتوغرافي، واستخدام الكاميرا الرقمية أو الهاتف المحمول في تسجيل بعض التفاصيل والمشاهد الميدانية.
فالقيمة العلمية للصورة لا تتحدد بثمن الكاميرا، ولا باسم الشركة المصنعة، ولا بعدد الميغابكسلات وحده، بل بوضوح الهدف التوثيقي، ودقة التسجيل، وجودة الإضاءة، والزاوية المختارة، وإظهار المقياس عند الحاجة، وتسجيل تاريخ الصورة ومكانها وسياقها.
وقد تنتج كاميرا بسيطة صورة ذات قيمة توثيقية كبيرة، إذا التقطت تفصيلاً لم يكن موثقاً من قبل، أو سجلت حالة أثرية قبل تعرضها للتلف.
لكن الصورة العلمية لا تكتمل بمجرد التقاطها؛ إذ ينبغي حفظ الملف الأصلي، وتوثيق بياناته، وربطه بسجل الموقع أو القطعة الأثرية، والاحتفاظ بنسخ احتياطية منه. فالتصوير الرقمي، على أهميته، لا يغني عن السجلات الميدانية والرسوم الهندسية والقياسات والتحاليل المتخصصة.
وهذا ما يجعل التعاون بين المصور والأثري والمؤرخ ضرورةً منهجية، لا مجرد علاقة مجاملة بين اختصاصات متجاورة.
فالمصور يمنح الأثر حضوره البصري، والأثري يقرأ سياقه المادي والتاريخي، والمؤرخ يربطه بالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، فيما تساعد الكتابة العلمية على تحويل هذه العناصر إلى معرفة متماسكة.
ومن موقعي كمصور وصحفي مهتم بالصورة وتاريخها، أرى أن هذا اللقاء بين العدسة والأثر يمثل أحد المسارات المهمة لتطوير الثقافة البصرية العربية؛ فالصورة حين تُنتج بوعي علمي، وتُرفق بالمعلومة الدقيقة، تصبح وثيقةً تحفظ الذاكرة، وتفتح أمام القارئ نافذةً على عوالم قديمة لا يستطيع الوصول إليها بصورة مباشرة.
ولعل ما يميز الباحث الذي يهتم بالتوثيق البصري أنه يدرك أن الزمن لا يغير الأشياء فحسب، بل قد يمحو بعض تفاصيلها أيضاً؛ ولذلك فإن تسجيلها اليوم قد يصبح مصدراً لا غنى عنه لفهمها غداً.
سادساً: الباحث والكاتب… حين تتحول المعرفة إلى حكاية
لا تقف شخصية غسان القَيِّم عند حدود العمل الميداني والإدارة الأثرية، بل تمتد إلى الكتابة والتعريف بالتراث عبر المقالات والمواد الثقافية التي تحمل توقيعه المعروف: «عاشق أوغاريت».
وفي هذه المساحة، يلتقي الجانب العلمي بالجانب الأدبي، إذ تتحول المعلومة الأثرية من بيانات متخصصة إلى مادة سردية تحاول تقريب التاريخ من القارئ، وتحرير الأثر من صورة الجمود التي قد تلاحقه في الأذهان.
وهذه مهمة ليست سهلة؛ فالمقالة الأثرية الجيدة تحتاج إلى الجمع بين الدقة العلمية والوضوح اللغوي، وبين سرد الوقائع وإظهار دلالاتها الإنسانية، من دون أن تنزلق إلى المبالغة أو أن تحوّل الفرضيات إلى حقائق نهائية.
إن اللغة الأدبية قادرة على منح الماضي حضوره العاطفي، لكنها لا ينبغي أن تحل محل الدليل الأثري. كما أن المصطلح العلمي ضروري لضبط المعنى، لكنه يصبح أكثر فاعلية حين يُشرح بلغة مفهومة، من غير إخلال بمضمونه.
ومن هنا تنبع أهمية الكتابة التراثية التي تتخذ من الإنسان محوراً لها؛ فهي لا تقدم الآثار باعتبارها شواهد منفصلة عن الحياة، بل تعيد وصلها بالأسئلة التي تشغل الإنسان المعاصر: كيف نشأت المعرفة؟ كيف تطورت الكتابة؟ ما الذي حفظته الحضارات من تجاربها؟ وكيف يمكن للمجتمعات أن تصون ذاكرتها من الضياع؟
وفي هذا الإطار، تكتسب الموضوعات التي يتناولها القَيِّم أهميتها من قدرتها على الربط بين المعلومة التاريخية والوعي الثقافي، وبين المكتشفات القديمة وحاجتنا الراهنة إلى فهم هويتنا الحضارية.
وتشير المعلومات المتاحة عن مسيرته إلى عمله على مؤلف موسع عن حضارة أوغاريت، وهو مشروع يمكن أن يشكل، إذا اكتمل ونُشر وفق منهج علمي موثق، إضافة إلى المكتبة التراثية السورية والعربية.
فالكتاب الأثري ليس تجميعاً للمعلومات والصور فحسب، بل بناء معرفي يحتاج إلى مراجعة المصادر، وتدقيق المصطلحات، ومقارنة الآراء العلمية، وإحالة النتائج إلى أدلتها، بما يسمح للباحثين والقراء بالعودة إليها والاستفادة منها.
وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه الأعمال التي تجمع المعرفة المتخصصة في مؤلفات رصينة، تحفظ الخبرة المتراكمة، وتتيح للأجيال الجديدة أن تبدأ من حيث انتهى السابقون، لا من نقطة الصفر.
سابعاً: التراث السوري بين واجب الحماية ومسؤولية التوثيق
لم تكن الآثار السورية بمنأى عن الأضرار التي لحقت بالمواقع التاريخية خلال سنوات الحرب والأزمات، من تخريب ونهب واتجار غير مشروع بالممتلكات الثقافية، فضلاً عن عوامل الإهمال والتعرية الطبيعية وضغوط التوسع العمراني.
وفي مثل هذه الظروف، تبرز مسؤولية العاملين في مجال الآثار بوصفها مسؤولية علمية ووطنية وإنسانية في آن واحد.
فحماية التراث لا تعني الدفاع عن الحجارة القديمة لمجرد قِدمها، وإنما الحفاظ على الأدلة المادية التي تساعد البشرية على فهم تاريخها المشترك.
كما أن توثيق الأضرار، وتسجيل القطع المفقودة أو المنقولة، وأرشفة الصور والمخططات والسجلات، ونشر المعلومات الموثوقة، كلها إجراءات أساسية في حماية الذاكرة الثقافية.
وفي هذا السياق، تكتسب جهود الباحثين الذين يواصلون العمل والتوثيق والتعريف بالمواقع الأثرية أهمية خاصة، ولا سيما عندما تنطلق هذه الجهود من مبادرات شخصية أو من إمكانات محدودة.
وتشير المعلومات الواردة في المادة الأصلية إلى أن جانباً من نشاط غسان القَيِّم التوثيقي والكتابي استمر بمبادرات شخصية، في ظل محدودية الدعم المتاح لبعض مشروعاته.
وإذا كانت هذه الجهود تستحق التقدير، فإن الإنصاف يقتضي أيضاً ألا تُترك مسؤولية صون التراث على عاتق الأفراد وحدهم؛ فحماية المواقع الأثرية تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وتمويل مستدام، وفرق متعددة الاختصاصات، وخطط علمية واضحة، وشراكات بين الجهات المحلية والمؤسسات البحثية والجامعات والمنظمات المعنية بالتراث.
إن الباحث يستطيع أن يطلق المبادرة، وأن يكشف مواطن الخلل، وأن يضع المعرفة في متناول الناس، لكنه يحتاج إلى بيئة مؤسسية تحوّل الجهد الفردي إلى مشروع مستمر، وتضمن استدامة الأرشيفات والسجلات، وتتيح نقل الخبرة إلى جيل جديد من المختصين.
ولا ينبغي أن يتأخر التكريم إلى ما بعد غياب أصحابه؛ فالتقدير الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالجهد أثناء استمراره، وتوفير الوسائل التي تساعد على تطويره، وإتاحة الفرص لنشر نتائجه وتبادلها مع المجتمع العلمي.
إن تكريم الباحث ليس مجرد شهادة تعلق على الجدار، بل موقف ثقافي يعترف بقيمة المعرفة، ويمنح أصحابها شعوراً بأن عملهم يجد مكانه في وجدان المجتمع ومؤسساته.
ثامناً: من أوغاريت إلى العالم… المعرفة لا تعرف الحدود
إن قراءة تاريخ أوغاريت تذكّرنا بأن الحضارات لم تنشأ في جزر معزولة، وأن المعرفة لم تكن ملكاً لشعب واحد أو لغة واحدة أو عصر واحد.
لقد تطورت المجتمعات القديمة من خلال الاتصال والتجارة والهجرة وتبادل الخبرات، وانتقلت الأفكار والأدوات والمهارات عبر طرق البر والبحر، لتشارك في تشكيل مسارات الحضارة الإنسانية.
ومن الخطأ أن ننظر إلى التاريخ باعتباره سباقاً بين الأمم لإثبات أسبقية مطلقة في كل اختراع، أو أن نحصر قيمة حضارة ما في قدرتها على إعلان أنها صاحبة الإنجاز الأول.
فالقيمة الحقيقية تكمن في فهم إسهامات الحضارات ضمن سياقاتها، وتحديد ما أضافته إلى المسار العام للمعرفة، وكيف انتقلت ابتكاراتها وتطورت في المجتمعات اللاحقة.
وأوغاريت مثال غني على هذا التفاعل؛ فقد كانت مدينة ساحلية تتصل بعوالم متعددة، واحتفظت ألواحها الكتابية بشواهد على لغات ومعتقدات وعلاقات تجارية وثقافية تكشف عن شبكة واسعة من التواصل في العالم القديم.
ومن هنا فإن التعريف بأوغاريت لا ينبغي أن يقتصر على مخاطبة الجمهور السوري وحده، بل يجب أن يتوجه إلى الجامعات والمتاحف ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية في العالم.
وهذا يتطلب ترجمة الدراسات، وإعداد قواعد بيانات موثقة، ونشر الصور عالية الجودة، وإتاحة المعلومات وفق المعايير العلمية، وتطوير برامج تعليمية تُعرّف الأجيال بتاريخ الموقع وأهميته.
إن التراث السوري لا يصبح عالمياً لمجرد تكرار وصفه بالعالمي، بل حين تتحول المعرفة به إلى مادة متاحة للبحث والمقارنة والتدريس، وحين تُصان شواهده وتُقرأ بلغات متعددة، ويشارك المختصون في مناقشتها وإثرائها.
وفي هذا المجال، يمكن للباحثين والكتاب والمصورين أن يؤدوا دوراً مهماً في نقل الأثر من حدود الموقع الجغرافي إلى فضاء الثقافة الإنسانية الأوسع.
فالصورة الموثقة، والمقالة العلمية، والكتاب المدقق، والفيلم الوثائقي، والمعرض المتخصص، كلها وسائل تجعل الماضي قابلاً للرؤية والفهم، وتمنحه حياة جديدة في وعي الحاضر.
تاسعاً: غسان القَيِّم… قيمة الباحث في ما يتركه من معرفة
عندما نتأمل المسار المهني والبحثي لغسان القَيِّم، فإن القيمة الأهم لا تكمن في الألقاب التي ارتبطت باسمه، ولا في عدد السنوات التي أمضاها في أوغاريت وحده، بل في طبيعة العلاقة التي أقامها مع المكان، وفي الجهد المبذول للتعريف بتراثه، وفي إيمانه بأن المعرفة الأثرية لا ينبغي أن تبقى محصورة في نطاق الاختصاص الضيق.
إن الباحث الحقيقي لا يكتفي بأن يعرف، بل يسعى إلى أن يجعل معرفته قابلة للفهم والاستعمال، وأن يضع نتائج بحثه في متناول الآخرين، وأن يفتح الباب أمام أسئلة جديدة.
وهنا يصبح توثيق التراث فعلاً يتجاوز حدود المهنة، من دون أن يفقد طابعه العلمي؛ فهو يجمع بين الأمانة في التعامل مع الدليل، والمسؤولية في نشر المعلومة، والوعي بأن ما نملكه من آثار ليس ملكاً لجيل واحد، بل أمانة ممتدة عبر الزمن.
لقد ارتبط لقب «عريس أوغاريت» بغسان القَيِّم لأن العلاقة بين الباحث والموقع بدت، في نظر محبيه ومتابعيه، أقرب إلى علاقة وجدانية طويلة منها إلى مجرد ارتباط وظيفي.
لكن أجمل ما يمكن أن يمنحه هذا اللقب من معنى هو أن الحب الحقيقي للمكان لا يُقاس بالكلمات وحدها، بل بما ينتجه من معرفة، وما يحفظه من شواهد، وما يتركه من أثر في وعي الناس.
وإذا كان الباحث يحتفي بأوغاريت، فإن أوغاريت بدورها تمنحه مجالاً واسعاً للعمل والتأمل والكتابة، وتضع أمامه في كل تفصيل سؤالاً جديداً عن الإنسان الذي عاش على هذه الأرض، وعن قدرته على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى حضارة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مواصلة توثيق أعمال الباحثين السوريين في مجال الآثار، وجمع إنتاجهم العلمي والصحفي، وحفظ أرشيفاتهم وصورهم ومراسلاتهم، بما يضمن ألا تضيع الخبرات المتراكمة مع مرور الزمن.
فكما نحرص على صيانة الأبنية التاريخية واللقى الأثرية، ينبغي أن نحرص أيضاً على صيانة الذاكرة العلمية لمن عملوا على دراستها وتفسيرها ونقلها إلى المجتمع.
إن تاريخ الآثار لا يكتمل من دون تاريخ الباحثين الذين أسهموا في اكتشافها وحمايتها ودراستها؛ فلكل موقع حكاية، ولكل مكتشف سياقه، ولكل باحث بصمته التي تستحق أن تُوثق وتُقرأ وتُقيّم بإنصاف.
وختامها مسك وعنبر: حين يصير عشق أوغاريت وفاءً لذاكرة سورية
وندلف أخيرا للقول في نهاية هذه الرحلة بين التاريخ والكتابة والصورة، يبقى المبدع غسان القَيِّم نموذجاً للباحث الذي جمع بين الممارسة الأثرية والاهتمام الثقافي، وبين خبرة الموقع ورغبة التعريف به، وبين صرامة العمل العلمي والارتباط الوجداني بالمكان.
لقد منحت أوغاريت العالم شواهد استثنائية على تطور الكتابة والحياة الثقافية في الشرق الأدنى القديم، ولا تزال أرضها وألواحها الطينية من رقيمات ومباني تطرح أسئلة تستدعي البحث والتنقيب والتحليل والترجمة. وما زالت الحاجة قائمة إلى جهود علمية متواصلة تكشف المزيد من تاريخ المدينة، وتضع مكتشفاتها في سياقها الحضاري الصحيح.
أما المتيم الباحث غسان القَيِّم، فإن الإنصاف يقتضي أن يُنظر إلى تجربته في إطارها المهني والعلمي، وأن تُوثق إسهاماته، وتُقيّم أعماله، ويُتاح لها ما تستحقه من نشر ودراسة وتقدير.
فليس من الوفاء للباحث أن نكتفي بالإشادة به، بل أن نحفظ إنتاجه، ونوثق ما أنجزه، ونهيئ الظروف التي تسمح باستمرار عطائه، وأن نجعل تجربته جزءاً من الذاكرة الثقافية السورية.
ومن موقعي كمصور وصحفي، أرى أن اللقاء بين العدسة والأثر والكتابة يشكل مساحة خصبة لصون الذاكرة؛ فالصورة تحفظ ملامح المكان، والكلمة تشرح دلالاته، والبحث العلمي يختبر رواياته، فيما يمنح الوعي الثقافي هذه العناصر معناها الإنساني الأوسع.
ولكن حين نتحدث عن غسان القَيِّم، فإننا لا نتحدث عن باحث ارتبط اسمه بمدينة أثرية فحسب، بل عن قضية تتجاوز الأفراد إلى سؤال أكبر: كيف نصون ذاكرتنا الحضارية، ونحميها من الإهمال والنسيان، ونمنحها المكانة التي تستحقها في حاضرنا ومستقبلنا؟
إن أوغاريت ليست ماضياً انقضى، ولا حجارةً تنتظر من يصفها، بل سجل مفتوح من التجربة الإنسانية، يذكّرنا بأن الحضارة تُبنى بالمعرفة، وتستمر بالتوثيق، وتكتسب معناها حين تتحول إلى وعي حي في وجدان الأجيال.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به سيرة عاشق أوغاريت هو أن نقول: إن حب الآثار لا يكتمل بمجرد الوقوف أمامها بإعجاب، بل يبدأ حين نسعى إلى فهمها، ونحميها، وننقل حقيقتها إلى الآخرين.
فطوبى لكل باحث يجعل من المعرفة رسالة، ومن التوثيق أمانة، ومن التاريخ جسراً يصل الإنسان بجذوره. وطوبى لأوغاريت، التي ما زالت تفتح أبوابها للعلماء والمصورين والكتّاب، وتمنح سورية والعالم صفحات جديدة من كتاب الحضارة الإنسانية.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


