التدخين يحمي من مرض باركنسون؟
للوهلة الأولى تبدو العبارة كأنها خطأ علمي، أو مزحة ثقيلة.
لكنها مفارقة وبائية حقيقية ظلت تظهر في الدراسات لعقود، فالمدخنون لديهم -إحصائيا- خطر أقل للإصابة بمرض باركنسون.
والسؤال الذي ظل يطارد الباحثين لم يكن هل التدخين صحي؟ فالإجابة عن ذلك محسومة؛ بل ظل السؤال دوما ما الذي يختبئ داخل هذه العلاقة؟
في 8 سبتمبر 2026 نُشرت دراسة بعنوان
“Smoking, Exhaled Carbon Monoxide, and Risk of Parkinson Disease”
في مجلة JAMA Neurology من باحثين في Oxford Population Health، حلل الباحثون بيانات أكثر من 512 ألف شخص وبدل أن يتعاملوا مع “التدخين” كعامل واحد حاولوا تفكيكه إلى مكوناته والبحث عن الإشارة البيولوجية التي قد تفسر المفارقة.
وهنا ظهرت المفاجأة:
أول أكسيد الكربون CO!
ارتفاع تركيز CO في هواء الزفير ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بباركنسون والمثير للاهتمام أن هذا الارتباط ظهر أيضا لدى أشخاص لم يدخنوا قط، وهذا يفتح بابا علميا مختلفا تماما.
فبدل أن يكون التدخين هو “العامل الوقائي”، قد يكون أحد مكوناته أو أحد المسارات البيولوجية التي يؤثر فيها هو المفتاح، لكن هنا يجب أن نكون دقيقين جدا:
الارتباط لا يعني السببية.
هذه دراسة رصدية وبالتالي لا يمكنها إثبات أن CO يمنع باركنسون، ولا تعني بأي شكل أن التدخين يحمي الدماغ أو أن التعرض لأول أكسيد الكربون آمن؛ فأول أكسيد الكربون غاز سام، والتدخين يظل من أهم عوامل المرض والوفاة التي يمكن الوقاية منها.
لكن العلم المثير يبدأ أحيانا من أسئلة تبدو مستفزة، فمثلا لماذا يرتبط CO تحديدا بانخفاض خطر باركنسون؟
هل يؤثر في الالتهاب العصبي؟
هل يغير مسارات الإجهاد التأكسدي أو وظيفة الميتوكوندريا؟
هل يؤثر في بقاء الخلايا العصبية الدوبامينية؟
هذه الأسئلة لم تحسم بعد،
لكنها تفتح اتجاها بحثيا يستحق الاختبار.
وإذا أثبتت الدراسات المستقبلية أن العلاقة سببية وفهمت الآلية الجزيئية بدقة فقد لا يكون المستقبل في السيجارة؛ بل في جزيء أو مسار خلوي أو علاج يستفيد من الآلية نفسها دون السموم التي ترافق التدخين.
وهنا تكمن المفارقة الأجمل:
ربما لم يكن التدخين هو ما يحمي من باركنسون أصلا، ربما كان التدخين مجرد الطريق “الخطأ” الذي قاد العلماء إلى السؤال الصحيح.
#معلومات صحية ونفسية#مجلة ايليت فوتو ارت.


