١. لماذا الكراهية وليس الحب:يركز دونالد وينيكوت في مقاله “الكراهية في التحويل المضاد” (Hate in the Countertransference, 1947) على الكراهية وليس الحب لأن الكراهية، في سياق التحليل النفسي وخاصة مع المرضى الذهانيين، هي الاستجابة الموضوعية الحتمية لما يفعله المريض. يميّز وينيكوت بين “الحب العاطفي” (sentimental love) و”الحب الموضوعي” (objective love). الحب العاطفي هو حب مثالي مزيف، يعتبره وينيكوت عديم الفائدة بل وخطيراً، لأنه يعمل كدفاع ضد الكراهية (تكوين عكسي reaction formation). يقول وينيكوت: “العاطفية لا تنفع الأم على الإطلاق، لأنها تتضمن إنكاراً للكراهية”. إذا أنكر المحلل كراهيته، فإنه يقدم للمريض حباً مشروطاً ومزيفاً لا يمكن للمريض أن يثق به.في المقابل، لكي يكون الحب حقيقياً وموضوعياً، يجب أن يعترف بالكراهية التي ترافقه. الأم تكره طفلها من اليوم الأول، وهذا أمر طبيعي وموضوعي. يقدم وينيكوت قائمته الشهيرة لأسباب كراهية الأم لطفلها، ومنها: • “الطفل ليس من تصورها العقلي الخالص.” • “إنه يشكل خطراً على جسدها أثناء الحمل والولادة.” • “إنه يتدخل في حياتها الخاصة، ويتحدى انشغالاتها.” • “إنه بلا رحمة (ruthless)، يعاملها كحثالة، وكخادمة غير مدفوعة الأجر، وكعبد.” • “إنه يثيرها لكنه يحبطها – لا يجب عليها أن تأكله أو تبادله الجنس.”هذه الكراهية الواعية (conscious hate) تختلف جذرياً عن الكراهية المكبوتة (repressed hate). الكراهية المكبوتة خطيرة لأنها تتسرب في شكل أفعال عدائية غير واعية (acting out)، بينما الكراهية الواعية يمكن احتواؤها وتأجيل التعبير عنها، مما يجعلها أداة علاجية قوية.٢. أهمية الكراهية الواعية إكلينيكياً:إذا أنكر المحلل كراهيته، فإنه يقع فريسة للكراهية المكبوتة. هذا يؤدي إما إلى التنفيس غير الواعي (acting out) ضد المريض، أو إلى الانسحاب العاطفي، أو الأسوأ من ذلك: تحويل العلاج ليصبح “علاجاً مُكيَّفاً لحاجات المعالج” (therapy adapted to the needs of the therapist) وليس المريض. المريض الذهاني، الذي يمتلك حساسية فائقة لزيف المشاعر، سيدرك فوراً أن المحلل يخفي شيئاً، مما يعزز جنون الارتياب (paranoia) لديه.أما إذا اعترف المحلل بكراهيته لنفسه، فإنه يكتسب القدرة على تحمل هجمات المريض دون أن يتدمر أو ينتقم. هنا يبرز مفهوم وينيكوت الأهم: “الموضوع الذي يبقى” (the object that survives). في مقاله اللاحق “استخدام الموضوع” (The Use of an Object, 1969)، يشرح وينيكوت أن المريض يحتاج إلى تدمير المحلل في خياله غير الواعي. لكي يتمكن المريض من إدراك المحلل كشخص حقيقي خارج سيطرته الكلية (omnipotent control)، يجب أن يهاجمه ويجد أن المحلل “بقي على قيد الحياة” ولم يتدمر ولم يثأر.الكراهية الواعية هي التي تسمح للمحلل بالبقاء. عندما يدرك المحلل أن كراهيته مبررة وموضوعية (بسبب سلوك المريض القاسي والبدائي)، يمكنه أن “يخزنها” (keep it in storage) بدلاً من تفريغها. يقول وينيكوت: “قبل كل شيء، يجب على المحلل ألا ينكر الكراهية الموجودة حقاً في داخله. الكراهية المبررة في الإعداد الحالي يجب فرزها وتخزينها لتكون متاحة للتحليل في وقت لاحق.”٣. الفائدة العلاجية:للكراهية الواعية والموضوعية فوائد علاجية عميقة تمس كل أطراف العملية: • للمريض (تجاوز التدمير): يتعلم المريض أن كراهيته وعدوانيته لا تدمر الموضوع (المحلل). هذا يساعده على الانتقال من علاقة مبنية على الإسقاط والسيطرة الكلية إلى علاقة مع موضوع حقيقي مستقل. هذا يتجاوز الموقف الفصامي-النزوحي (paranoid-schizoid position) عند ميلاني كلاين، حيث يتعلم المريض أن العالم الخارجي يمكن أن يصمد أمام هجماته. • للمريض (التكامل): يكتشف المريض أنه يمكن أن يُكرَه ويُحَب في نفس الوقت ومن نفس الشخص. يقول وينيكوت: “إذا كان المريض يبحث عن كراهية موضوعية أو مبررة، يجب أن يكون قادراً على الوصول إليها، وإلا فإنه لا يمكن أن يشعر بأنه يستطيع الوصول إلى الحب الموضوعي.” التكامل بين الحب والكره هو أساس الصحة النفسية. • للمحلل: يتحرر المحلل من الشعور بالذنب المفرط الذي قد يدفعه إما إلى الإفراط في العطاء (مما يخنق المريض) أو الانسحاب. إدراكه أن كراهيته طبيعية وموضوعية يخفف من عبء “الأنا الأعلى” المهني. • للعلاقة العلاجية: تصبح العلاقة حقيقية وأصيلة، خالية من العاطفية المزيفة التي تميز العلاقات المرضية.٤. التطبيق العملي:إكلينيكياً، يتعامل المحلل مع كراهيته من خلال الوعي التام بها أولاً. الكراهية المبررة (objective hate) لا يجب قمعها، بل يجب إدراكها بوضوح. متى يعبر عنها؟ يقول وينيكوت إن الكراهية تُعبَّر عنها غالباً من خلال إطار الجلسة نفسه (the frame): “الكراهية يتم التعبير عنها بنهاية الساعة”. إنهاء الجلسة في وقتها، وطلب الأجر، هما تعبيران موضوعيان ومقبولان عن وضع حدود تقيد استغلال المريض.الفرق بين “الصدق الموضوعي” و”التفريغ الانفعالي” (acting out) جوهري. التفريغ هو فقدان السيطرة، بينما الصدق الموضوعي هو إخبار المريض بما يفعله حقاً. يقدم وينيكوت قصة شخصية مؤثرة عن طفل مضطرب آواه في بيته أثناء الحرب. الطفل كان يتصرف بعدوانية شديدة ويهرب باستمرار. يقول وينيكوت: “هل ضربته؟ الجواب هو لا، أنا لم أضرب أبداً. لكنني كنت سأضطر لفعل ذلك لو لم أكن أعرف كل شيء عن كراهيتي ولو لم أدعه يعرف عنها أيضاً… قلت إن ما حدث جعلني أكرهه. كان هذا سهلاً لأنه كان حقيقياً جداً… هذه الكلمات مكنتني من تحمل الوضع دون التنفيس، دون فقدان أعصابي وقتله بين الحين والآخر.” إخبار الطفل بالكراهية بشكل موضوعي ومدروس كان بديلاً عن الفعل التدميري، ووفر احتواءً صادقاً.٥. العلاقة بالأمومة:يقارن وينيكوت المحلل بالأم لأن كليهما يواجه كائناً في حالة اعتماد مطلق (absolute dependence) يتصرف ببدائية وقسوة. “الأم الكافية” (good enough mother) هي الأم التي تستطيع تحمل عدوانية طفلها وتستطيع أن تكرهه دون أن تدمره أو تتخلى عنه. هي لا تنكر كراهيتها، بل تعيشها بوعي، مما يسمح لها بأن تحبه حباً حقيقياً.الأم التي تنكر كراهيتها (الأم العاطفية sentimental mother) تصبح إما خانقة (over-involved) لتعويض شعورها الخفي بالذنب، أو منسحبة عاطفياً. ينطبق هذا تماماً على المحلل. المحلل “الكافي” (good enough analyst) هو الذي يتحمل أن يعامله المريض كـ”حثالة”، ويعي كراهيته لهذا الاستغلال، ويحتفظ بهذه الكراهية في وعيه دون أن يثأر. هذا الصمود، وهذا البقاء على قيد الحياة (survival)، هو جوهر العملية العلاجية التي تسمح للمريض بالنمو وتطوير ذات حقيقية #(true self).#مجلة ايليت فوتو ارت..


