الشاعر السوري الساخر من الامل والوجع..لقمان ديركي.

لقمان ديركي الرجل الذي حوّل الخيبة السورية إلى نكتة تبكي

في مكانٍ ما بين الدرباسية ودمشق وباريس، كان لقمان ديركي يمشي كمن أضاع وطنه في زحمة الباصات ولم يتوقف عن السخرية من الأمر. شاعرٌ يشبه أولاد الحارات القديمة؛ نصفه حكواتي، ونصفه الأخير سيجارة منسية على طاولة مقهى الروضة. خرج من شمال سوريا حاملاً تلك الفوضى الجميلة التي تصنع الشعراء: أكراد وسريان وعرب وأرمن وآشوريون، ولهجات تتعارك بمحبة داخل الأسواق، ونساء يخبزن الخبز كأنهن يرممن العالم، وأطفال يركضون خلف حلمٍ لا يعرفون اسمه بعد.
لم يكن لقمان شاعراً بالمعنى التقليدي، بل بدا كأنه رجل نجا بالخطأ من مسرحية سوداء، ثم قرر أن يروي ما حدث للجمهور وهو يضحك. كتب قصيدة النثر كما لو أنه يكتب اعترافات سكير نبيل في آخر الليل، فاختلطت في نصوصه الشتائم بالفلسفة، والحنين بالنكات، والمرارة بضحكة تشبه صفعة خفيفة على وجه الحياة. كانت قصائده تمشي في الشارع بلا ربطة عنق، تجلس في المقاهي الشعبية، وتشتم السياسة وهي تطلب كأس شاي ثقيل.
في عالمه، الوطن ليس خريطة، بل مقهى مزدحم بالدخان والخيبات والأصدقاء المنفيين. والمنفى ليس مجرد سفر، بل مرض طويل اسمه “التعود على الغياب”. لذلك كتب عن السوريين والعراقيين التائهين في أوروبا كما لو أنهم شخصيات خرجت من سيرك شرقي ضخم؛ شعراء، رسامون، مهربون، عشاق، وسكارى يتشاجرون على قصيدة ثم يبكون معاً عند سماع أغنية قديمة لفؤاد سالم.
حتى طفولته لم ينجُ منها أحد.
كان قادراً على تحويل “الشحاطة” التي تلقاها من أمه إلى مشهد أدبي خالد، وعلى جعل ضابط التجنيد شاعراً مأزوماً يبحث عن تصفيق داخل غرفة عسكرية تفوح منها رائحة الرطوبة والقومية العربية. بدا وكأنه يفتش دائماً عن الجانب الكوميدي داخل الكارثة، لا لأنه لا يشعر بالألم، بل لأنه يعرف أن الضحك أحياناً آخر وسائل النجاة.
وحين أسس “ليلة بيت القصيد” في دمشق، لم يكن ينظم أمسية شعرية بقدر ما كان يفتح نافذة سرية للناس كي يتنفسوا قليلاً خارج الخوف. كان يؤمن أن الشعر ليس زينة لغوية، بل طاولة يجلس حولها المنفيون والمهمشون والعابرون بلا أسماء. لذلك بقي قريباً من الناس، بعيداً عن نخب الثقافة الباردة، كأنه شاعر خرج من مقهى لا من جامعة.
ومع السنوات، صار لقمان ديركي يشبه شخصياته تماماً؛ رجل يحمل بلاده في جيب معطفه المثقوب، يضحك بصوت مرتفع كي لا يسمع أحد صوت انكساره الداخلي. وحتى اليوم، تبدو كتاباته كأنها رسائل طويلة أرسلها سوري متعب إلى العالم، يخبره فيها أن الحياة قاسية جداً… لكن يمكن احتمالها بقصيدة ساخرة، وأغنية عراقية حزينة، وفنجان شاي يُشرب على مهل في آخر المنفى.

#سوريات_Souriat#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم