بقلم د. علي خليفة
(١)
المونودراما صيحة العصر في المسرح، فهي تجذب انتباه كثيرا من العاملين في المسرح، والجمهور المتلقي لها؛ ولهذا تقام لها مهرجانات خاصة بها في كثير من بلدان العالم، ومن أسباب ذلك أنها تعتمد في تمثيلها على إمكانات ممثل واحد، وغالبا ما يتم تمثيلها فيما يشبه الفراغ المسرحي؛ ولذلك فهي فن مسرحي غير مكلف.
وبعض مسرحيات المونودراما التي تنفذ تعتمد على نصوص مسرحية، ولكن هناك عروضا أخرى للمونودراما تستعيض عن النص المسرحي المكتوب بما يشبه السيناريو الذي يحتوي على خطوط عريضة، ويرتجل الممثل فيه ما يشاء من خلال التعبير بالكلمة والحركة والرقص، وهناك عروض أخرى للمونودراما ألغت دور الكلمة فيها، واستعاضت عن ذلك بالرقصات والموسيقى والإشارات وبعض الأصوات.
وبهذا نرى أن فن المونودراما في تجريب مستمر؛ ولهذا يستعصي وضع تعريف محدد له، كما يستعصي ذكر سمات محددة له، وأيضا مما يتصف به هذا الفن المسرحي أن عروضه غالبا ما يفوز فيها الممثلون الموهوبون حتى لو كانت النصوص التي يمثلونها ليست على مستوى عال من الروعة، في حين أن الممثلين أصحاب الموهبة الأقل غالبا ما يحققون مراكز متأخرة في مسابقات المونودراما حتى لو كانت النصوص التي يمثلونها ذات قيمة عالية.
(٢)
وسأحاول في هذا المقال تتبع أهم السمات الفنية لمسرحيات المونودراما من خلال النظر في خمس مسرحيات من أشهر مسرحيات المونودراما في العالم؛ وهي مسرحية عن مضار التبغ لأنطون نشيكوف، وقد كتبها سنة ١٨٨٦، ومسرحية الأقوى لأوجست استرندبرج، وقد كتبها سنة ١٨٨٩، ومسرحية قبل الإفطار ليوجين أونيل، وقد كتبها سنة ١٩١٦، ومسرحية الصوت البشري لجان كوكتو، وقد كتبها سنة ١٩٣٠، ومسرحية شريط كراب الأخير لصمويل بيكيت، وقد كتبها سنة ١٩٥٨.
(٣)
والحقيقة أننا نرى شكلا مختلفا – نوعا ما – للمونودراما في كل مسرحية من هذه المسرحيات، ففي مسرحية الأقوى لاسترندبرج تظهر شخصيتان في هذه المسرحية، وهما جالستان في أحد المقاهي الخاصة بالنساء، ولكن إحداهن تتكلم طوال الوقت، والأخرى تكتفي في الرد عليها بالإشارة وبالتعبير بالضحك أحيانا.
أما في مسرحية عن مضار التبغ لأنطون تشيكوف فإننا نرى فيها نيوخين – وهو الشخصية الوحيدة التي تظهر على المسرح في هذه المسرحية – يتعامل مع الجمهور الذي يتلقى هذا العرض المسرحي على أنه الأشخاص الذين يحضرون حفلا تقيمه المدرسة التي يعمل فيها، وهو يلقي في ذلك الاحتفال محاضرة عن مضار التبغ.
ومسرحية قبل الإفطار ليوجين أونيل تظهر فيها السيدة رولاند وحدها في مطبخ بيتها الصغير، وتتحدث إلى زوجها أدولف الذي يسمعها، ولا يرد عليها، وتتابع حركته بين غرفة النوم والحمام، ولا نسمع منه غير بعض الصيحات حين يجرح نفسه وهو يحلق ذقنه، أو عند سقوطه في نهاية المسرحية؛ مما يفهم منه أنه انتحر، وسقط على الأرض ميتا.
أما في مسرحية الصوت البشري لجان كوكتو فالشخصية الوحيدة التي تظهر فيها على المسرح تتحدث في التليفون لشخص تحبه، ولا نسمع صوته، ولكننا نتخيل ردوده عليها من خلال تعليقها على كلامه، ومن خلال ما يظهر على وجهها من انفعالات.
وأخيرا نصل لمسرحية شريط كراب الأخير لكاتب مسرح العبث صمويل بيكيت، والشخصية الوحيدة التي تظهر على المسرح فيها هو كراب، وهو عاجز عن التواصل مع أي أحد؛ ولهذا نراه في هذه المسرحية يستمع لبعض الأشرطة التي سجلها في سنوات سابقة، ويعلق عليها بكلمات غير مفهومة؛ مما يوحي بعجزه عن الكلام.
وبهذا نرى أن هناك أربع مسرحيات من هذه المسرحيات المونودرامية الخمس التي ندرسها هنا كان المبرر لحديث الشخصيات فيها هو أنها توجه كلامها لشخصيات أخرى لا تظهر على المسرح، بينما رأينا في مسرحية الأقوى شخصيتين تظهران على المسرح، ورمز المؤلف لإحداهما بالسيدة س، ورمز للأخرى بالسيدةي، وكانت السيدة س توجه كلتمها طوال هذه المسرحية للسيدة ي التي كانت تكتفي في ردها عليها ببعض الإشارات والضحكات.
كما يتضح لنا أننا لم نر في أي مسرحية من هذه المسرحيات الخمس أي شخصية منها تتخيل أشخاصا غير موجودين وتوجه إليهم حديثها، كما لم نر بين هذه المسرحيات الخمس أيضا أي شخصية فيها تتقمص شخصيات أخرى غير شخصيتها، وتحري حوارا معها، كما نرى ذلك في بعض مسرحيات المونودراما، التي كتبت في مراحل تالية على كتابة هذه المسرحيات المونودرامية الخمس.
(٤)
وأنتقل الآن للحديث عن طبيعة الصراع في هذه المسرحيات الخمس المونودرامية، وأبدأ بالحديث عن الصراع في مسرحية الأقوى لاسترندبرج، والصراع فيها يجري بين شخصيتين تظهران على المسرح، ورمز المؤلف لإحداهما بالسيدة س، ورمز للأخرى بالسيدة ي، وتقوم السيدة س بالحديث طوال هذه المسرحية، ولا ترد عليها السيدة ي غير بالإشارة وبعض الضحكات، كما ذكرت هذا من قبل.
ومن خلال حديث السيدة س للسيدة ي نعرف أنهما تتصارعان على رجل هو زوج السيدة س، وعشيق للسيدة ي، وكشفت السيدة س للسيدة ي معرفتها لطبيعة علاقتها بزوجها، وتخبرها أنها رغم تلبيتها رغبات زوجها لها في محاكاتها لها في الملبس والمأكل فإنها لم تتضايق من ذلك؛ لأنها في النهاية هي التي فازت به؛ بدليل أنه سيسهر معها الليلة في عيد الميلاد، أما هي فستقضي هذه الليلة وحيدة.
ولهذا تظن السيدة س أنها هي الأقوى من السيدة ي، ولكن يمكن لمتلقي هذه المسرحية أن يرى أن السيدة ي هي الأقوى حقيقة من السيدة س؛ لأن السيدة س رغم حديثها المستمر وتكرارها أنها الأقوى لم تثبت ذلك، في حين كان صمت السيدة ي خير وسيلة لإظهار أنها هي الأقوى، فالسيدة س تحتفظ بعلاقة رسمية بزوجها، ولكن التي تملك روح ذلك الزوج هي السيدة ي، ومهما حاولت السيدة س أن تتشبه بالسيدة ي؛ لتجذب زوجها إليها فإنها ستظل صورة من السيدة ي، وسيبقى الأصل دائما أهم من الصورة التي تحاول تقليده.
وأيضا نرى الصراع في مسرحية قبل الإفطار مشابها للصراع في مسرحية الأقوى؛ مما يدل على تأثر يوجين أونيل في مسرحية قبل الإفطار بمسرحية الأقوى لاسترندبرج.
والصراع في مسرحية قبل الإفطار ليوجين أونيل بين امرأتين للسيطرة على رجل، ونفهم هذا من حديث السيدة رولاند لزوجها الذي لا يظهر على خشبة المسرح، فهي تحدثه عن هيلين التي تحبه، ويحبها، وتعرفه أنها لن تتنازل عنه لها؛ وذلك رغم أن حياة السيدة رولاند مع زوجها ألفريد فيها معاناة شديدة، فقد تبخرت أحلامها في الزواج من شاب من أسرة ثرية وخريج جامعة هارفاراد ويقول الشعر، فاكتشفت بعد زواجها منه أن أسرته مفلسة، وأنه شاب عاطل، ويعتمد على بيع ما بقي من ممتلكاته ليعيش، كما يعتمد على ما تكسبه زوجته من عملها في حياكة الملابس لإيجار شقتهما الصغيرة، ولأكل بعض الطعام البسيط.
وعلى الرغم من أن ألفريد زوجها لم يتكلم في هذه المسرحية، ولكننا ندرك معاناته هو الآخر، فقد كان يشعر أنه سيتزوج زوجة تدرك موهبته في الشعر، وتتحمل معه متاعب الحياة بصبر، وتشاركه تطلعاته في عالم الشعر، ولكنه اكتشف أنها لا تفعل شيئا غير السخرية منه ومن شعره، ومحاولة تقييده بحبل زواجه منها؛ مما جعله يقدم على الانتحار في نهاية هذه المسرحية.
ونتعرف على طبيعة الصراع في مسرحية عن مضار التبغ لأنطون تشيكوف من خلال حديث نيوخين للجمهور الذي يستمع إليه، وندرك من كلامه أنه يعاني بشدة في حياته الأسرية، لا سيما من زوجته التي تتحكم فيه، وتجعله يعمل في مدرستها الداخلية مدرسا لمعظم المواد الدراسية، كما أنها تجبره على أكل أي وجبة طعام تمنع عن أي طالبة يتم عقابها بهذه الوسيلة، وكذلك ندرك من حديثه أنه يشعر بالأسى لبناته التسع الجميلات واللائي يتصفن أيضا بحسن الخلق؛ لأن فرصهن في الزواج ضعيفة بسبب فقر أسرتهن.
ونرى المرأة التي تظهر في مسرحية الصوت البشري لجان كوكتو تعاني معاناة شديدة بسبب هجر حبيبها لها، وهي تحاول أن تسترضيه خلال مكالمتها له في التليفون، ولكن من الواضح من ردودها عليه ومن تعبيرات وجهها أنه يسمعها ما لا يرضيها من القول، ونفهم من كلامها أنه قد صمم على قطع علاقته بها، وأن هذه المكالمة هي المكالمة الأخيرة له معها، كما أنه يطالبها بأن ترد له كل خطاباته لها، كما يطالبها أيضا بأن ترد له الخطابات التي كتبتها له، وكانت لديها.
ولا يشفع لهذه السيدة عند ذلك الرجل في أن يتلطف في الحديث معها شدة حبها له وتمسكها به، كما لا يشفع لها عنده أنها حاولت الانتحار من قبل حين أخبرها بأنه سيقطع علاقته بها.
وتحاول هذه السيدة أن تطيل مكالمتها هذه مع هذا الرجل لأطول فترة ممكنة؛ لأنها ستكون آخر عهدها بالحياة؛ ولهذا نراها تنتحر بعد نهاية هذه المكالمة.
أما عن مسرحية شريط كراب الأخير لصمويل بيكيت فإننا – كعهدنا بأكثر مسرحيات كتاب مسرح العبث – لا نرى فيها حدثا محددا؛ ولهذا فإننا لا نستطيع أن نتلمس فيها صراعا واضحا، وكل ما يمكن أن نتعرف عليه في هذه المسرحية أن الشخصية الوحيدة فيها – وهو كراب ذلك المسن – قد انطوى على نفسه في بيته؛ لعجزه عن التواصل مع غيره، وهو لا يفعل شيئا في هذا البيت غير شرب الخمر، وأكل الموز – وغير ذلك من الطعام – وبعد أن يأكل الموز يرمي قشره على الأرض بلا مبالاة.
والشيء الآخر الذي يفعله كراب غير الأكل والشرب أن يستمع لبعض الأشرطة التي سجلها من سنوات سابقة، ونتعرف من خلال عرضه مقاطع منها على شذرات من حياته، فقد كان قصاصا غير مشهور، وأحب بعض الفتيات اللائي أعجبه فيهن أعينهن على وجه الخصوص.
ويعلق كراب على بعض المقاطع التي يسمعها من تلك الأشرطة بعبارات غير واضحة الألفاظ؛ مما يدل على أن قلة استخدامه للغة كوسيلة اتصال قد جعلته عاجزا عن الكلام بشكل سليم، ويفهم من طريقة كلامه لهذه التعبيرات شدة ضيقه وعدم رضاه عن نفسه.
(٥)
وبهذا نرى أن هذه المسرحيات الخمس – وهي من أشهر مسرحيات المونودراما العالمية – تعرض لنا صراعات لشخصيات مأزومة نفسيا، وأسباب أزمتها هي إما أسباب عاطفية – كما نرى ذلك في مسرحية الصوت البشري – أو هي أسباب عاطفية واجتماعية في الوقت نفسه، كما نرى ذلك في مسرحية الأقوى، ومسرحية قبل الإفطار، ومسرحية عن مضار التبغ.
أما مسرحية شريط كراب الأخير فأزمة كراب فيها وجودية؛ فهو عاجز عن التواصل مع غيره؛ ولهذا اكتفى بحبس نفسه داخل بيته، ويعيش فيه كالحيوان الذي لا يستطيع الكلام، ويلقي بفضلات طعامه على الأرض أمامه.
ولا شك أن سبب عجز كراب عن التواصل مع غيره؛ لأنه – شأنه في هذا شأن أبطال مسرحيات كتاب مسرح العبث – يرى الحياة تخلو من المعنى، ويسيطر عليها منطق العبث؛ ولهذا فليس هناك غرابة في أن يظهر الإنسان فيها شبيها بالحيوان، ككراب في هذه المسرحية، وكتحول كثير من الشخصيات لخراتيت في مسرحية الخرتيت ليوجين يونسكو.
(٦)
وقد خلت هذه المسرحيات الخمس التي أتناولها بالدراسة هنا من أي مسحة من الكوميديا، باستثناء مسرحية عن مضار التبغ لأنطون تشيكوف، فبطلها نيوخين يحاول ادعاء العظمة وسعة المعرفة أمام الجمهور الذي يستمع إليه في محاضرته، وهو يحاول أن يغافل هذا الجمهور؛ ليقرأ من ورقة أمامه عن مضار التبغ، وعندما تقع هذه الورقة من أمامه ويفقدها يضطر لارتجال كلام عن حياته، فنكتشف معاناته التي حاول أن يخفيها من خلال ادعائه العظمة وسعة المعرفة.
والكوميديا في هذه المسرحية ممزوجة بقدر من الشجن؛ لتأثرنا بحال نيوخين بطل هذه المسرحية في معاناته مع زوجته ومع أسرته والمجتمع بشكل عام.
وعلى الرغم من أن مسرحيات كتاب مسرح العبث قلما تخلو من الكوميديا فإن مسرحية شريط كراب الأخير لم تظهر فيها أي ملامح للكوميديا، بل غلفتها تلك الروح التشاؤمية عن إنسان هذا العصر الذي صار عاجزا عن التواصل مع غيره، ولم يعد أمامه غير أن يجتر ذكرياته.


