فطر يفتح أبواب عالم غير مرئي.. كيف جعل «فطر الأقزام» البشر يرون مئات الأشخاص الصغار، ولماذا عجز العلم عن كشف سره الكيميائي؟
تخيّل أن تتناول وجبة عادية، ثم تبدأ فجأة برؤية عشرات الأشخاص الصغار يتحركون فوق الطاولة ويتسلقون الأثاث، وكأن عالمًا مصغرًا ظهر أمام عينيك. قد يبدو المشهد مقتبسًا من فيلم خيال علمي، لكنه يرتبط بظاهرة حقيقية أبلغ عنها أشخاص تناولوا نوعًا من الفطريات البرية يُعرف علميًا باسم Lanmaoa asiatica.
تكمن غرابة القصة في أن الباحثين تمكنوا من تحديد هوية الفطر باستخدام الحمض النووي، لكنهم لم يتمكنوا حتى الآن من تحديد المادة الكيميائية المسؤولة عن هذه التجربة البصرية غير المألوفة.
بداية اللغز في غابات آسيا
في مقاطعة يوننان جنوب غربي الصين، تنتشر تقاليد جمع الفطريات البرية واستخدامها في الطعام. ومن بين الأنواع المرتبطة بهذه المنطقة فطر يُعرف محليًا باسم «جيان شو تشينغ» (Jian shou qing).
تناقلت روايات محلية أن تناول هذا الفطر بطريقة غير مناسبة قد يؤدي إلى رؤية أشخاص صغار يتحركون في البيئة المحيطة، بأحجام لا تتجاوز بضع بوصات.
ولم تكن هذه التجربة مجرد رؤية أضواء أو أشكال غامضة، بل وصفت بعض الروايات كائنات بشرية مصغرة تتحرك حول الأشياء وكأنها جزء من العالم الحقيقي.
لكن بقيت الأسئلة الأساسية بلا إجابة: ما النوع المسؤول تحديدًا؟ وما المادة التي تؤثر في الدماغ؟ ولماذا تظهر الهلوسات على هيئة أشخاص صغار؟
ظاهرة سبقت اكتشاف الفطر
تعود بعض التقارير العلمية عن هذه الظاهرة إلى عام 1934، عندما ظهرت روايات من بابوا غينيا الجديدة عن رؤية أشخاص صغار بعد تناول أنواع من الفطر البري.
وخلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حاول باحثون تحديد الأنواع المسؤولة، لكن محدودية العينات وأدوات التحليل آنذاك جعلت المهمة صعبة.
لم تكشف المحاولات المبكرة عن تفسير كيميائي حاسم، فتراجع الاهتمام بالقضية، وبقيت الظاهرة عالقة بين الروايات المحلية والملاحظات الطبية.
المستشفيات تعيد فتح الملف
عاد الاهتمام بالموضوع مع تسجيل حالات تسمم مرتبطة بالفطر في مقاطعة يوننان الصينية.
وفي دراسة سريرية نُشرت عام 2024، حلل باحثون 81 حالة تسمم مرتبطة بـLanmaoa asiatica في أحد مستشفيات المنطقة خلال عام 2023.
عانى 56 مريضًا، أي نحو 69.1% من الحالات، من هلوسات بصرية. كما ظهرت لدى عدد من المرضى أعراض هضمية وعصبية أخرى.
أكدت هذه الحالات أن الظاهرة تستحق دراسة طبية جادة، لكنها لم تكشف عن المادة المسؤولة عن الهلوسات أو آلية تأثيرها في الدماغ.
خيط جديد يأتي من الفلبين
ظهرت روايات مشابهة في شمال الفلبين، خصوصًا في منطقة كورديليرا، حيث يعرف السكان فطرًا باسم «سيديسديم» (Sedesdem).
كان التشابه بين التجربتين لافتًا، لكنه لم يكن دليلًا كافيًا على أن الفطر في المنطقتين ينتمي إلى النوع نفسه.
لذلك اتجه الباحثون إلى جمع العينات وفحصها جينيًا، بدلًا من الاعتماد على الأسماء الشعبية أو التشابه في الأعراض وحدهما.
الحمض النووي يكشف الهوية
قاد كولين دومناوير وبراين دينتينجر، المرتبطان بجامعة يوتا، دراسة جمعت بين العينات الميدانية والمقابلات والتحليل الجيني.
وفي بحث نُشر عام 2026 في مجلة Mycologia، حلل الباحثان 53 عينة من جنس Lanmaoa، مستخدمين بيانات جينية لتحديد العلاقات التطورية بين الأنواع.
أظهرت النتائج أن الفطر المرتبط بالروايات الصينية والفلبينية ينتمي إلى النوع نفسه: Lanmaoa asiatica.
كما كشفت الدراسة عن أربعة أنواع جديدة للعلم، وأوضحت أن نوعين آخرين كانا موجودين ضمن مجموعات علمية في الولايات المتحدة دون تحديد هويتهما النوعية سابقًا.
وبذلك نجح الباحثون في توضيح هوية الفطر، لكن اللغز الكيميائي بقي قائمًا.
المفاجأة.. أين المادة المهلوسة؟
تحتوي بعض الفطريات المعروفة بتأثيراتها النفسية على مركبات مثل السيلوسيبين، الذي يتحول في الجسم إلى السيلوسين ويؤثر في مستقبلات السيروتونين في الدماغ.
لكن الدراسة الجينية الخاصة بـLanmaoa asiatica لم تجد المسارات الجينية المعروفة لإنتاج السيلوسيبين، كما لم تجد مؤشرات على المسارات المعروفة لإنتاج حمض الإيبوتينيك المرتبط ببعض أنواع الفطر الأخرى.
هذا لا يعني أن الفطر خالٍ من جميع المركبات المؤثرة في الجهاز العصبي، بل يشير إلى احتمال وجود كيمياء مختلفة لم تُفهم بعد.
لم تحدد الدراسة المادة المسؤولة، ولا تركيبها الجزيئي، ولا كيفية تأثيرها في الدماغ. كما لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت الظاهرة ناتجة عن مركب واحد أم عن تفاعل عدة مركبات.
لماذا يرى الإنسان أشخاصًا صغارًا؟
تُعرف هذه التجربة طبيًا باسم «الهلوسات الليليبوتية» (Lilliputian hallucinations)، وهي هلوسات يرى فيها الشخص بشرًا أو كائنات صغيرة الحجم.
يمكن أن تظهر هذه الظاهرة في سياقات طبية مختلفة، ولا تقتصر على تناول الفطريات.
فالدماغ لا ينقل العالم إلى وعينا كما تفعل الكاميرا، بل يعالج المعلومات الحسية ويدمجها مع الذاكرة والانتباه والتوقعات. وعندما تتغير هذه العمليات، قد تظهر تجارب بصرية لا يقابلها شيء حقيقي خارج إدراك الشخص.
لكن العلماء لا يعرفون حتى الآن لماذا يرتبط هذا الفطر تحديدًا برؤية أشخاص مصغرين، ولا ما الآلية العصبية التي تنتج هذه الصور.
ولا يوجد دليل على أن المصابين يرون كائنات موجودة فعلًا في عالم خفي؛ فالهلوسة تجربة إدراكية وليست برهانًا على وجود ما يظهر فيها خارج الدماغ.
عندما يبدو الوهم حقيقيًا
تثير هذه الظاهرة سؤالًا أوسع: كيف يمكن للدماغ أن يجعل تجربة بصرية تبدو واقعية رغم غياب مصدر خارجي لها؟
الإدراك عملية معقدة تعتمد على معالجة الإشارات الحسية وتفسيرها. وقد تؤدي بعض الاضطرابات العصبية أو المركبات الكيميائية إلى تغيير هذه العملية، فتظهر صور وأشكال تبدو متماسكة للمصاب.
وقد يساعد فهم هذا الفطر على دراسة العلاقة بين الكيمياء العصبية والإدراك البصري، لكن أي تفسير محدد لا يزال بحاجة إلى أدلة تجريبية مباشرة.
خطر لا ينبغي تجاهله
رغم غرابة التجربة، فإن الفطر ليس وسيلة آمنة لاختبار الهلوسات.
فالدراسة الطبية لعام 2024 وثقت حالات تسمم تضمنت أعراضًا بصرية وهضمية وعصبية، وقد تتأخر بعض الأعراض بعد تناول الفطر.
كما يمكن الخلط بين أنواع الفطريات البرية المتشابهة، وبعضها شديد السمية. لذلك لا ينبغي جمع هذا الفطر أو تناوله بهدف التجربة، ولا اعتبار الطهي ضمانًا مطلقًا للسلامة.
وفي حال ظهور اضطراب بصري أو قيء أو ارتباك بعد تناول فطر بري، يجب طلب المساعدة الطبية العاجلة.
ما الذي يبحث عنه العلماء الآن؟
تتمثل الخطوة التالية في تحليل المركبات الكيميائية للفطر، وعزل أي مادة يُشتبه في ارتباطها بالهلوسات، ثم تحديد تركيبها وخصائصها وسميتها.
بعد ذلك، يحتاج الباحثون إلى دراسة طريقة تأثيرها في الأنظمة العصبية، ومقارنة النتائج بالحالات الطبية الموثقة.
وقد تساعد هذه الأبحاث أيضًا على فهم التطور الكيميائي للفطريات القريبة من هذا النوع. لكن اكتشاف مادة جديدة، إن حدث، لا يعني بالضرورة أنها ستتحول إلى علاج طبي؛ فذلك يحتاج إلى مراحل طويلة من الاختبارات.
هوية معروفة وسر لم يُحل
نجح الباحثون في ربط الفطر Lanmaoa asiatica بروايات الهلوسات البصرية في الصين والفلبين، وكشفت الدراسة الجينية عن تنوع أكبر مما كان معروفًا داخل جنسه.
لكن السؤال الأهم لا يزال مفتوحًا: ما المادة التي تجعل الدماغ يرى أشخاصًا صغارًا يتحركون في العالم المحيط؟
حتى الآن، لم تُحدَّد هذه المادة، ولم تُثبت آلية تأثيرها بشكل نهائي.
تذكّرنا هذه القصة بأن التقدم العلمي لا يعني حل جميع الألغاز دفعة واحدة؛ فقد يبدأ بتحديد نوع فطر، ثم يقود إلى أسئلة أعمق عن الكيمياء والدماغ والإدراك.
وربما لا يكمن السر في وجود عالم من الأشخاص الصغار حولنا، بل في مدى تعقيد الدماغ الذي يصنع تجربتنا للواقع، وفي مقدار ما لا يزال العلم يجهله عن تأثير بعض المركبات الطبيعية فيه.
المراجع العلمية:
- Domnauer, C. & Dentinger, B. T. M. (2026). Phylogenomic systematics of Lanmaoa (Boletaceae) reveals cryptic diversity, resolves global evolutionary relationships, and suggests a novel psychoactive lineage. Mycologia, 118(4). DOI: 10.1080/00275514.2026.2670968.
- Dai, R. et al. (2024). دراسة سريرية لحالات التسمم المرتبطة بـLanmaoa asiatica. Hong Kong Journal of Emergency Medicine. DOI: 10.1002/hkj2.12046.
#فطر_الأقزام #فطر_لانماوا #الهلوسات_البصرية #علم_الفطريات #علم_الأعصاب #الدماغ_البشري #حقائق_علمية #اكتشافات_علمية #أسرار_الطبيعة #LanmaoaAsiatica #LilliputianHallucinations #Mycology #Neuroscience #ScientificResearch #HumanBrain #Biology #ScienceDocumentary #ScientificDiscoveryمجلة ايليت فوتو ارت.


