4 – الخطأ ليس عطبًا
«عندما أنجزتُ كلوز اب كان محسن مخملباف قد أصبح مخرجًا إيرانيًا معروفًا، على نطاق واسع. فاستغل أحد الرجال الشبه اللافت بينه وبين مخملباف، وأخذ ينتحل شخصيته. دخل منزل إحدى العائلات بهذه الهوية الزائفة، مدّعيًا أنه جاء لينجز فيلمًا عنها. وقد جرت هذه الحادثة بعد فترة قصيرة من نهاية الحرب الإيرانية العراقية، وهي مرحلة كانت تطغى فيها على المجتمع الإيراني حالة من الإحباط. وكانت العائلة التي قصدها هذا الرجل مستعدة، أكثر من غيرها، لتصديق الفكرة والترحيب بها، ذلك أن الأبناء كانوا عاطلين عن العمل، بينما كان الأب ضابطاً عسكريًا متقاعدًا. اجتمعت هذه الظروف كلها لتجعلهم يستقبلون تلك الفرصة غير المتوقّعة بحماسة كبيرة. وعلى مدى عشرة أيام، عاش ذلك الرجل مع أفراد العائلة. وقد قال لاحقاً، أثناء محاكمته، إنه كان رجلاً فقيرًا، فاستمتع بكلّ ما ناله من اهتمام واحترام، فضلًا عن الطعام والمأوى. اعترف أيضًا أنه، في مرحلة ما، أدرك أن العائلة بدأتْ تشكّ في وجود أمر غير طبيعي، لكنه لم يتمكّن من مغادرة المكان، لأن التجربة كانت قد أصبحت بالنسبة له ثمينة أكثر ممّا ينبغي. فقرر أن يبقى، مهما تكن العواقب، ليرى ما الذي سيحدث عندما تُكتشَف الحقيقة. وفي نهاية المطاف، حدث ذلك فعلًا: اكتشفت العائلة أنه ليس بمخملباف، فسلّمته إلى الشرطة. والمشهد الذي شاهدتموه للتو يتطابق مع لحظة الإفراج عنه من السجن. صُوِّر ذلك المشهد على نحو دقيق ومحدد. كنت طلبتُ من مخملباف أن يأتي بشكل مفاجئ للقاء الرجل الذي كان يُفرج عنه، وهو يعلم أن هذا المُنتحل كان يكنّ له إعجاباً ومودّة حقيقيين. كان هذا اللقاء يُفترض أن يكون القلب العاطفي للفيلم، اللحظة التي يتداخل فيها الواقع مع إعادة البناء السينمائي. كما طلبتُ منه أيضًا أن يصل على دراجته النارية، وأن يقلّ الرجل معه عائدًا إلى العائلة التي عاش معها خلال تلك الأيام العشرة قبل اعتقاله. وأعتقد أن إصراري على الدراجة النارية هدفتُ منه إتاحة لحظة من القرب الجسدي بين الرجلين، إيماءة قصيرة من الحميمية.

كان كلّ شيء يسير بسلاسة، تمامًا كما تمنيتُ، إلى أن حدث شيء في لحظة ما، قلب المشهد بالكامل.
فجأةً، بدأ مخملباف يُدلي بتصريحات كانت، في رأيي، غير مناسبة. فبدل أن يسمح لهذا اللقاء الخاص بأن يتطوّر بشكل طبيعي، وبدل أن يتلقّى كلمات المودّة التي كان من المرجّح أن يسمعها، انزلق إلى شيء آخر تمامًا. بدأ يعبّر عن شعوره بالذنب، وعن عدم رضاه، وربما حتى عن نوع من القلق تجاه موقعه ومهنته. في تلك اللحظة، ما عدتُ أعرف ماذا أفعل بالشريط الصوتي. لم يكن هناك سوى حلّ واحد ممكن. كانت لدينا الصور التي نريدها، لكن عندما استمعتُ إلى التسجيل، أدركتُ أنني لا أستطيع استخدام الصوت. كان ذلك هو نهاية الفيلم: لحظة التقاء بين شخصين، بين العاشق ومن يكنّ له الإعجاب؛ لحظة إمكان الحميمية والثقة. وفجأة، بدلًا من ذلك، أصبح لدينا سلسلة من التصريحات، خطاب قد يكون صحيحًا في ذاته، لكنه من خارج السياق. أذكر أنني أصبتُ بالحمى. مرضتُ حرفيًا، ما عدت قادرًا على اتخاذ قرار في شأن ما ينبغي فعله. في النهاية، وجدتُ أن الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله هو أن أحذف الصوت، وأن أقول لمخملباف إن مشكلة تقنية حدثت في الميكروفون. وبطبيعة الحال، لم تكن الفكرة فكرتي. لقد استعرتها من رونوار (ليس المخرج السينمائي، بل والده الرسّام). كنت قد سمعتُ حكاية عنه: وهو ينهي لوحته، فجأةً، وبينما كان يرفع فرشاته، سقطت قطرة من الطلاء على القماشة. بدا الأمر كارثة. تساءل عمّا ينبغي فعله، ثم قرر أن يحوّلها إلى كرسي داخل التكوين.
لاحقًا، قيل إنه أدرك شيئًا مهمًا: لولا ذلك الكرسي في المقدّمة، لكان هناك نقص ما في اللوحة. وهكذا، يمكن الكارثة في البداية أن تتحوّل، أحيانًا، إلى فرصة تخصّ العمل نفسه. بعد ذلك، أخبرني العديد من المخرجين الذين شاهدوا الفيلم أنهم غبطوني على ذلك الحادث، ذلك «الخطأ التقني» غير المتوقّع في ذلك المشهد. وكان من بينهم فرنر هرتزوغ، الذي قال لي مرة: يا له من حظّ سعيد أن يحدث خلل يجبرنا على أن نتخيّل الحوار بين العاشق والمعشوق، بدل أن نسمعه مباشرةً عبر آذاننا المتطفّلة. وضعتُ هذا الأمر في اعتباري كلما صوّرتُ فيلمًا: كيف يمكننا أن نتجنّب إظهار ما لا ينبغي إظهاره، وأن نتجنّب سماع ما لا ينبغي سماعه؟ فمجرد امتلاكنا ميكروفونًا وكاميرا لا يعني أننا ملزمون تسجيل كلّ شيء».

#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت غو٥تو ارت.


