حاول العلماء مرة أخرى العثور على ثغرة في إحدى أهم أفكار ألبرت أينشتاين، لكن النتيجة جاءت لصالحه من جديد.فمنذ أكثر من مائة عام، طرح أينشتاين واحدة من أكثر الأفكار ثورية في تاريخ العلم، وهي أن سرعة الضوء في الفراغ ثابتة.وبغض النظر عن سرعة الراصد أو موقعه في الكون، يجب أن ينتقل الضوء دائمًا بالسرعة نفسها.وقد أصبحت هذه الفكرة حجر الأساس في النسبية الخاصة، كما تُعد إحدى الركائز التي يقوم عليها فهمنا الحديث للزمان والمكان والطاقة.ومع ذلك، لا يزال العديد من الفيزيائيين يعتقدون أن هذه النظرية قد لا تكون الكلمة الأخيرة في وصف الطبيعة.فبعض النظريات المقترحة في مجال الجاذبية الكمومية، والتي تسعى إلى توحيد ميكانيكا الكم مع الجاذبية، تتنبأ بإمكانية حدوث انحرافات طفيفة للغاية في سلوك الضوء عند الطاقات الهائلة.وتشير هذه النماذج إلى أن الفوتونات عالية الطاقة قد تتحرك عبر الفضاء بطريقة تختلف اختلافًا ضئيلًا جدًا عن الفوتونات الأقل طاقة.وعلى الرغم من أن هذا الفرق سيكون متناهي الصغر، فإن الضوء القادم من مصادر تبعد مليارات السنين الضوئية قد يتيح للعلماء قياس هذه الفروق إذا كانت موجودة بالفعل.ولهذا السبب قرر الباحثون اختبار الفكرة.فقد استخدموا أرصادًا لأشعة غاما فائقة الطاقة القادمة من أعماق الكون، وبحثوا عن فروق زمنية دقيقة بين فوتونات تحمل طاقات مختلفة.وكانت الفكرة بسيطة:إذا كانت نظرية أينشتاين غير كاملة، فإن فوتونات ذات طاقات مختلفة انطلقت في اللحظة نفسها من مصدر كوني بعيد قد تصل إلى الأرض في أوقات مختلفة قليلًا.لكن بعد تحليل البيانات باستخدام أساليب إحصائية متطورة، لم يجد الباحثون أي دليل على أن سرعة الضوء تتغير مع الطاقة.ومرة أخرى، صمدت تنبؤات أينشتاين أمام الاختبار.وتؤدي هذه النتيجة إلى تشديد القيود على أي انتهاك محتمل لمبدأ أساسي يُعرف باسم ثبات لورنتز.وينص هذا المبدأ على أن قوانين الفيزياء يجب أن تكون متماثلة لجميع الراصدين الذين يتحركون بسرعات ثابتة، بغض النظر عن اتجاه الحركة أو سرعتها.ورغم أن هذا المفهوم قد يبدو نظريًا للغاية، فإنه متغلغل في معظم النظريات الفيزيائية الحديثة، بدءًا من النسبية الخاصة وصولًا إلى النموذج القياسي للجسيمات.ولو اكتُشف انتهاك لهذا المبدأ يومًا ما، فقد يشير ذلك إلى وجود قوانين جديدة للطبيعة تتجاوز الفيزياء المعروفة حاليًا.ولهذا السبب يواصل العلماء اختبار هذه الفرضيات باستمرار.ويؤكد الباحثون أن الجيل القادم من المراصد الفلكية، وعلى رأسها مرصد مصفوفة تلسكوب تشيرينكوف، سيتيح إجراء اختبارات أكثر دقة من أي وقت مضى، من خلال دراسة أشعة غاما ذات الطاقات الأعلى وبدقة قياس غير مسبوقة.وبذلك، وبعد أكثر من مئة عام على طرح النسبية الخاصة، ما تزال إحدى أشهر أفكار أينشتاين تقاوم محاولات إسقاطها، لتثبت مرة أخرى أن عبقرية الفيزيائي الألماني لم تكن مجرد خطوة إلى الأمام، بل قفزة هائلة سبقت عصرها بعقود طويلة.
#منصة اقرا#مجلة ايليت فوتو ارت..


