💥 كيف غيّر حسن الإمام وخان والطيب وشاهين ملامحه؟نور الشريف .. وجوهٌ كثيرة لممثلٍ واحد«سينماتوغراف» ـ أسامة عسلفي السينما، هناك ممثلون يمكن التعرف إليهم من أول لقطة. تكفي ملامحهم لكي نعرف من يكونون، وماذا يريدون، وإلى أي مصير يمضون. وهناك ممثلون آخرون لا تكشفهم ملامحهم بقدر ما يكشفهم المخرج الذي يقف خلف الكاميرا. نور الشريف كان من هؤلاء.في ذكرى رحيله الحادية عشرة، لا تبدو المسألة اليوم مجرد استعادة لنجم كبير غاب في 11 أغسطس 2015، وإنما محاولة لإعادة النظر في ممثل لم تكن أهميته في أنه أدى عشرات الشخصيات، بل في أنه كان قادراً على أن يصبح شخصاً آخر تقريباً مع كل مخرج كبير اقترب منه.ولهذا فإن السؤال الأهم عن نور الشريف ليس، ما أفضل أدواره؟السؤال الأصعب هو، أي نور الشريف كان يظهر عندما تتغير عين المخرج؟.من حسن الإمام إلى يوسف شاهين، ومن محمد خان إلى عاطف الطيب، ومن داود عبد السيد إلى مروان حامد، لم يكن الممثل نفسه ينتقل بين الأفلام؛ كانت الأفلام نفسها تنتزع منه وجوهاً مختلفة.وهذه ربما واحدة من أكثر الحقائق إثارة في تجربته.كان نور الشريف يملك نجومية واضحة، لكن المخرجين الكبار لم يتعاملوا معه باعتباره نجماً عليهم حمايته، وإنما باعتباره مادة قابلة لإعادة التشكيل.في «قصر الشوق» مع حسن الإمام، نرى نور الشريف في مرحلة تبدو اليوم بعيدة عن كل ما سيأتي بعدها. كان كمال عبد الجواد يحمل شيئاً من الرومانسية والتردد والارتباك أمام عالم أكبر منه، وكان الشريف وقتها لا يزال يختبر موقعه في السينما.لكن حسن الإمام، بخبرته في تحويل الأدب الشعبي إلى دراما جماهيرية، لم يبحث عن ممثل يستعرض أدواته، وإنما عن وجه يستطيع أن يحمل انتقال الشخصية من مرحلة إلى أخرى.وهنا كانت الموهبة لا تزال في طور التكوين.لم يكن نور الشريف قد أصبح «نور الشريف» الذي نعرفه لاحقاً؛ كان لا يزال ممثلاً يبحث عن صورته، وربما كان هذا بالضبط ما جعله صالحاً لأن يغامر بنفسه في السنوات التالية.وإذا كان لا بد من اختيار علاقة واحدة تكشف كيف كان المخرج قادراً على تغيير نور الشريف، فإن محمد خان يحتل مكاناً خاصاً.«ضربة شمس» عام 1980 لم يكن مجرد فيلم حركة وتشويق من بطولة نور الشريف، بل كان أول أفلام محمد خان كمخرج، وكتب قصته أيضاً. لعب الشريف شخصية «شمس»، المصور الصحافي الذي يجد نفسه، بالصدفة، في مواجهة شبكة إجرامية.لكن أهمية الفيلم اليوم لا تكمن فقط في حكايته البوليسية، وإنما في أن خان كان يضع منذ بدايته ملامح سينماه المقبلة، رجل عادي يملك عالمه الخاص، ثم يجد هذا العالم مهدداً بقوة أكبر منه.كان شمس مهنياً يعرف ما يريد، وعاشقاً يعرف طريقه، ورجلاً يسيطر على تفاصيل حياته. لكن بمجرد أن يخرج من حدوده الآمنة يصبح مطارَداً ومهدداً ومضطراً إلى الدفاع عن نفسه، وهي ثنائية ستصبح لاحقاً من أهم مفاتيح سينما خان، إنسان يبدو مسيطراً على حياته، إلى أن يكتشف أن العالم أقوى منه.وهنا تظهر عبقرية الاختيار.نور الشريف لم يكن بطلاً خارقاً في «ضربة شمس». قوته جاءت من كونه رجلاً يمكن تصديقه. وجهه لم يكن وجه المغامر السينمائي التقليدي، بل وجه رجل من المدينة، يمكن أن تراه في الشارع، في غرفة الأخبار، أو خلف كاميرا يحملها بحثاً عن صورة، والأهم أن محمد خان لم ينظر إليه باعتباره نجماً يجب أن تظل الكاميرا مفتونة به.نظر إليه باعتباره رجلاً يمكن أن تلاحقه الكاميرا.وهذه مسافة هائلة.خان لم ينتهِ عند «ضربة شمس»المفارقة التي تستحق التوقف أن محمد خان سيظهر في مسيرة نور الشريف مرة أخرى، ولكن من موقع مختلف. ففي «سواق الأتوبيس» كان خان واضع الفكرة وقصتها، والتي كتب السينايو والحوار لها بشير الديك، بينما تولى عاطف الطيب الإخراج.وهذا التفصيل يفتح قراءة أكثر ثراءً للعلاقة بين نور الشريف ومحمد خان.في «ضربة شمس»، كان خان ينظر إلى الشريف من خلف الكاميرا.وفي «سواق الأتوبيس»، صار جزءاً من الكتابة التي صنعت شخصية حسن.لكن عاطف الطيب هو الذي أخذ هذه الشخصية ووضعها في الشارع.هنا لا يعود نور الشريف مجرد بطل قصة؛ يتحول إلى جسد يحمل أزمة مصرية كاملة. حسن يقود الأتوبيس نهاراً والتاكسي ليلاً ويحاول إنقاذ ورشة والده من الحجز والضياع.وهذا هو الفارق بين خان والطيب.خان كان مهتماً بالإنسان وهو يحاول حماية عالمه الخاص.أما الطيب فكان مهتماً بالإنسان عندما يكتشف أن عالمه الخاص انهار لأن المجتمع كله ينهار حوله.ومع عاطف الطيب، حدث شيء أساسي في مسيرة نور الشريف.لم يعد السؤال، ماذا يريد هذا الرجل؟صار السؤال، ماذا فعل المجتمع بهذا الرجل؟في «سواق الأتوبيس» يصبح الشريف ابن طبقة اجتماعية بأكملها. لا يتحدث باسمها، لكنه يحمل إحباطاتها. لا يلقي عليها خطاباً، لكنه يتحرك داخلها كمن يعرف أن سقوطه الشخصي ليس حادثاً فردياً.ولهذا لا يمكن فصل أداء نور الشريف عن طريقة الطيب في تصويره.الطيب لم يكن يحب الشخصيات المصقولة.كان يحب الشخصيات التي اصطدمت بالحياة وخرجت منها بخدوش.والشريف امتلك وجهاً مثالياً لهذه السينما؛ وجه يستطيع أن يحتفظ بقدر من الصلابة، بينما يظهر التعب تحته.في «دماء على الأسفلت» يصبح الصراع أكثر قسوة، وفي «ناجي العلي» يتحول الممثل إلى شخصية حقيقية محاطة بالتاريخ والسياسة والجدل.هنا كان الطيب يدفعه إلى أبعد نقطة ممكنة، من الإنسان المصري إلى الإنسان العربي.لم يعد الشريف يحمل أزمة فرد، صار يحمل ذاكرة قضية.ثم يأتي يوسف شاهين ليعامل نور الشريف بطريقة مختلفة تماماً.شاهين لم يكن يبحث عن «شخصية» فقط؛ كان يبحث عن ممثل يستطيع أن يعيش داخل طبقات من الذاكرة والهوية والتاريخ.في «حدوتة مصرية»، يصبح نور الشريف جزءاً من عالم شاهين الذي تختلط فيه السيرة الذاتية بالوطن، والخاص بالعام، والذاكرة بالحلم.وهنا يختفي شيء من واقعية عاطف الطيب.الممثل لا يعود مجرد رجل من الشارع.يصبح جسراً بين الإنسان والبلد الذي يعيش فيه.ثم في «المصير»، يدخل الشريف مرة أخرى إلى عالم شاهين الذي لا يثق في الحدود التقليدية بين التاريخ والحاضر، وبين الحكاية والفكرة.وكان هذا مهماً للغاية في مسيرته، أن هناك مخرجين لم يستخدموا نور الشريف لتأكيد شخصيته، بل استخدموه لتفكيكها.وفي «البحث عن سيد مرزوق»، يذهب نور الشريف إلى منطقة أخرى.داود عبد السيد لم يكن معنياً بأن يمنح الشخصية إجابات واضحة، بل كان يضعها أمام عالم ملتبس يجعل المشاهد نفسه شريكاً في البحث.وهنا يتراجع نور الشريف خطوة عن البطولة التقليدية.لا يصبح الرجل الذي يعرف كل شيء، بل الرجل الذي يحاول أن يفهم.وهذا اختلاف جوهري.الممثل الذي كان يستطيع أن يقنعنا بأنه يعرف طريقه، أصبح قادراً أيضاً على إقناعنا بأنه ضائع.وهذه، في رأيي، إحدى العلامات الكبرى على نضج موهبته.فالممثل لا يبلغ ذروته عندما يستطيع أن يبكي أمام الكاميرا، وإنما عندما يستطيع أن يجعل المشاهد يشك في الشخصية كما تشك هي في نفسها.ربما لهذا السبب يصعب وضع نور الشريف في خانة واحدة.هو ابن الطبقة الوسطى في بعض أفلامه، والثائر في أفلام أخرى، والرجل المهزوم في أفلام ثالثة، والمثقف، والمغامر، والزوج، والمجرم، والأب، والمواطن الذي يشعر بأن البلد الذي يعرفه يبتعد عنه.لكن وراء هذه الشخصيات كلها يوجد شيء واحد ثابت، رغبة مستمرة في كسر صورة النجم.كان يستطيع أن يستفيد من نجاح شخصية معينة ويكررها.لكنه غالباً كان يفعل العكس.كلما نجحت صورة منه، بحث عن الصورة التي تناقضها.وهنا تكمن شجاعته الحقيقية.لم يكن بطلاً.. كان اختباراًفي «العار» و«أهل القمة»، وفي أفلامه السياسية والاجتماعية، لا يقدم نور الشريف دائماً شخصيات يمكن أن نحبها.وهذه نقطة مهمة في تقييم تجربته.الممثل الكبير ليس الذي يجعل شخصيته محبوبة.الممثل الكبير هو الذي يجبرك على متابعة شخصية قد ترفضها، لأنك تريد أن تفهمها.نور الشريف كان جيداً جداً في هذه المنطقة الرمادية.لم يكن يخشى أن يبدو أنانياً، أو ضعيفاً، أو متناقضاً، أو مهزوماً.كان يعرف أن الإنسان الحقيقي لا يعيش في منطقة البطولة المستمرة.وهذا ما جعله أقرب إلى الأدب منه إلى النجومية التقليدية.وكلما تقدم نور الشريف في العمر، حدث شيء آخر مثير.لم يعد يحاول إخفاء العمر.وهذا واضح في أدواره المتأخرة.في «عمارة يعقوبيان» مع مروان حامد، لم يكن حضوره مجرد استعادة لنجم قديم داخل فيلم جديد؛ كان جزءاً من خريطة اجتماعية تتقاطع فيها السلطة والطبقة والرغبة والانكسار.ثم جاء فيلم «بتوقيت القاهرة» مع أمير رمسيس، لتصبح التجربة الأخيرة أكثر إيلاماً عند النظر إليها اليوم.فالشخصية تواجه فقدان الذاكرة، بينما كان الممثل نفسه يقترب من نهاية مسيرته.لم يكن الفيلم، بطبيعة الحال، مكتوباً بوصفه وداعاً لنور الشريف.لكن السينما أحياناً تصنع مصادفاتها الخاصة.رجل يبحث عن ذاكرة تتسرب منه، وممثل يترك وراءه ذاكرة لا يمكن للسينما أن تفقدها.المخرجون هم مرآته الحقيقيةربما لهذا لا يمكن كتابة تاريخ نور الشريف من خلال أفلامه وحدها.يجب كتابته من خلال المخرجين الذين أعادوا تعريفه.حسن الإمام رأى فيه الشاب القادر على حمل الأدب إلى الشاشة.محمد خان رأى الرجل الذي يبدو مسيطراً حتى يصطدم بعالم أكبر منه.عاطف الطيب رأى المواطن الذي صار ضحية مجتمع مختل.يوسف شاهين رأى الإنسان داخل سؤال مصر والذاكرة والتاريخ.داود عبد السيد رأى الممثل القادر على العيش في منطقة الغموض.ومروان حامد وأمير رمسيس رأيا في وجهه المتأخر شيئاً مختلفاً: تاريخاً كاملاً من الخبرة، يمكن للكاميرا أن تقرأه من دون شرح.وهكذا تصبح أفلام نور الشريف أشبه بغرف متجاورة، لكن في كل غرفة رجل مختلف.وبعد أحد عشر عاماً، ربما لم تعد القيمة الحقيقية لنور الشريف في عدد الأفلام التي تركها، ولا في عدد الشخصيات التي جسدها.القيمة في أنه ترك وراءه سؤالاً مفتوحاً عن الممثل نفسه.كم وجهاً يستطيع ممثل واحد أن يملك؟وكم مرة يستطيع أن ينسى صورته السابقة كي يبدأ من جديد؟نور الشريف لم يكن ممثلاً ناجحاً لأنه عرف كيف يكون نجماً.وكان عظيماً لأنه عرف، في اللحظة المناسبة، كيف يتوقف عن كونه نجماً.وهذه هي المفارقة التي تمنح تجربته حياتها الطويلة.فكلما شاهدناه في «ضربة شمس»، اكتشفنا نور الشريف الذي رآه محمد خان.وكلما عدنا إلى «سواق الأتوبيس»، رأينا نور الشريف الذي احتاجه عاطف الطيب.وكلما شاهدناه في «حدوتة مصرية»، رأينا الممثل الذي أعاد شاهين تشكيله.وكلما عدنا إلى «البحث عن سيد مرزوق»، اكتشفنا أن وراء ذلك الوجه الواثق ممثلاً يعرف كيف يكون غامضاً.وبذلك لا يبدو رحيل نور الشريف نهاية مسيرة.بل يبدو بداية مرحلة أخرى من حياته.مرحلة لا يستطيع فيها أن يختار أدواره، لكن يستطيع المشاهدون أن يعيدوا اكتشافها.وهذا ربما هو الامتحان الأخير لأي ممثل.أن يرحل الشخص، وتبقى الشخصية تبحث عن صاحبها في عيوننا.بعد أحد عشر عاماً، لا يزال نور الشريف يفعل ذلك.ليس لأنه كان نجماً كبيراً.بل لأنه كان، قبل النجومية وبعدها، ممثلًا لم يسمح لوجه واحد أن يختصره. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#م٠لة ايليت فوتو ارت.

