ملحمة جلجامش عبارة عن نص أدبي طويل دوّن على اثني عشر لوح واستنسخ عدة مرات، ولا بد من حدوث بعض التعديلات في تلك النسخ التي أنجزت في زمن تجاوز الألف عام. وتفرقت تلك النسخ وانضمرت تحت أنقاض العشرات من المواقع الأثرية في أرجاء المشرق العربي القديم وبلاد الأناضول لألفي عام. ومنذ ما يربو على مئة عام فقط، بدأت عملية اكتشاف كسر تلك الألواح بشكل متفرق، ولم تزل هذه العملية مستمرة. فالملحمة مدونة على ألواح من الطين تهشمت مرّ عليها ما مرّ، واختلطت بآلاف الكسر والرقم الكتابية في المواقع التي تركت فيها. ومع اكتشاف أجزاء من ألواح الملحمة تجري عملية قراءة وترجمة لكل جزء على حدة. ولما كان علم المسماريات علماً حديثاً لم ترسخ قواعده تماماً ولم يزل في تطور مستمر، فإن قراءة أجزاء الملحمة بحاجة إلى تصحيح وإعادة مستمرة وخصوصاً للقراءات والترجمات التي مضى عليها عدد من العقود. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن اكتشاف كسر جديدة من ألواح ملحمة جلجامش لا يقتصر على المواقع الأثرية وإنما يشمل مخازن المتاحف العالمية في عدة بلدان حيث توجد آلاف الكسر التي لم تنسب إلى نصوص معينة ولم تقرأ حتى الآن. وقد جرت في عام /1930/م محاولة مهمة لجمع الكسر المتفرقة من ألواح الملحمة ونشرها وذلك على يد كامبل طومبسن. ولكن نسبة ما اكتشف من الكسر، منذ ذلك التاريخ حتى اليوم يفوق في حجمه ما استطاع جمعه ونشره.
إن هذا الأمر معروف في الغرب حيث تجري عملية قراءة وترجمة الكسر المكتشفة من النص المسماري مباشرة إلى اللغات الأوروبية الحديثة. ولكن المشكلة تكمن عندنا في موطن الملحمة الأصلي، فبعد فقدان دور المؤلف والمبدع للنص مع غروب شمس حضارتنا القديمة، فقدنا دور الناقل من النص الأصلي إلى لغتنا في العصر الحديث. وهكذا اقتصر دورنا على ترجمة الترجمات الأوروبية لملحمة جلجامش إلى اللغة العربية. والأنكى من هذا أن مختصينا ابتعدوا حتى عن متابعة إعادة تشكيل الملحمة وتواصل اكتشاف أجزائها. وكانت النتيجة تكوّن تصور بأن الترجمات العربية التي ظهرت لملحمة جلجامش هي ترجمات للنص المسماري وليست نقلاً عن ترجمات أوروبية متفرقة وغير كاملة للملحمة. وهذه الترجمات العربية تمت بالطبع دون أي إدراك إلى ما يشوب الترجمات الأوروبية من نقص أو ابتعاد عن النصب المسماري أو مدى التصرف فيه.
د. نائل حنون#المشرق تاريخ واثار#مجلة ايليت فوتو ارت ..


