ابنة أتاتورك بالتبني. اينان وكتابها في الجغرافيا .

في عام 1928، حملت شابة تركية في العشرين من عمرها، هي عفت إينان، ابنة أتاتورك بالتبني، كتاباً فرنسياً في الجغرافيا إلى مصطفى كمال أتاتورك، لتسأله عن معلومة في الكتاب تصنّف الأتراك ضمن “العرق الأصفر”.أجاب أتاتورك: “لا، لا يمكن أن يكون ذلك. علينا أن نبحث في الأمر. اعملي عليه”.”اعملي عليه”.. تحولت لاحقاً إلى مشروع حياة عفت، لتثبت أن تركيا بيضاء.أرسلت الحكومة التركية عفت إلى جامعة جنيف، وهناك درست تحت إشراف عالم الأنثروبولوجيا السويسري أوجين بيتار، الذي كان أكثر ميلاً إلى اعتبار الأتراك من البيض. وانتهت بعثة عفت برسالة دكتوراه ضخمة اعتمدت على أخذ قياسات ودراسة الخصائص الجسدية لنحو 64 ألف تركي، لتخرج بالنتيجة المقررة سلفاً “الأتراك شعب أبيض”.طب ليش؟الجمهورية التركية الجديدة كانت تحاول التخلص من الصورة الأوروبية القديمة عن “التركي الشرقي” وأنه “متخـلف ومتـوحش”، كان في محاولة لإلحاق البلاد بأوروبا “المتحضرة”، ومن أجل ذلك شافوا أن لازم تكون تركيا “بيضاء”!هذا البحث ما بقي في حدوده العلمية.. تحول لهاجس قومي.. ومغامرات مجنونة..جرى البحث في الجماجم والقياسات البشرية وفصائل الدم واللغات القديمة والآثار والوثائق التاريخية.. لكن كل ذلك ما أعطى النتائج المرجوة..بعض الباحثين الأتراك وصلوا في البحث إلى قارة “مو”، القارة الأسطورية الغارقة يلي ما في أي دليل علمي على وجودها أصلاً كما هي حال أختها قارة أطلنطس..ليش؟قلك لأن قارة “مو” كانت تثبت أن أصل حضارة المايا.. تركي!الحمى القومية ما عاد تقبل بإثبات أن الأتراك “مثل الأوروبيين” لا.. صار الهدف إثبات أن الأتراك هم يلي صنعوا الحضارة الغربية، والأوربيين التحقوا فيها.وفي مؤتمر التاريخ التركي الأول عام 1932 في إسطنبول، ظهرت النظرية في صورتها الأكثر اكتمالاً.وزير التعليم تحدث في المؤتمر كيف أن الأتراك هم مؤسسيين وأصحاب فضل في الحضارات الصينية والهندية والحثية والسومرية والعيلامية والمصرية والمتوسطية والرومانية.. وأنهم أنقذوا أوروبا نفسها من “حياة الكهوف”.عفت إينان قالت أن محاولات ربط الأتراك بالعرق الأصفر القادم من آسيا هي “أسطورة يجب أن يصححها العلم الحديث”.مؤرخين أتراك محترمين اعترضوا على هذا الهبـل، وقالوا أن الأدلة المتوفرة لا تسمح بهذه الاستنتاجات، ولكم أن تتخيلوا كيف تم التعامل معاهم.المؤرخ الكبير محمد فؤاد كوبريلي تعرض للإحراج والإهانات في المؤتمر، واضطر إلى الاعتذار أكثر من مرة.المؤرخ زكي وليدي طوغان طالب “بأدلة أفضل” فتعرض لهجوم وأجبر على الاستقالة من الجامعة قبل انتهاء المؤتمر.الفكرة تحولت إلى مناهج التعليم، يلي تم تضمين كتب التاريخ فيها خلاصات تقول أن “الأتراك هم العرق الأبيض الأصلي”، وحضارتهم في آسيا الوسطى هي أقدم الحضارات وأكثرها تقدماً، ومن هناك خرجوا ونشروا الحضارة في أنحاء العالم.الأمر دخل أيضاً لمجالات خطيرة، فانتشرت أفكار “تحسين النسل” بين بعض النخب، وظهر باحثون حاولوا استخدام الوراثة لإثبات التفوق العرقي التركي. وكان من أشهرهم سعدي إيرماك، أستاذ الفيزيولوجيا يلي درس في برلين وروّج علناً لأفكار تحسين النسل، وكان معجب بسياسات “التعقيم” النـ،ازيـ،ـة؛ وصار لفترة قصيرة رئيساً لوزراء تركيا في السبعينيات.رحلة هـوس قومـي بدأت بسؤال صبية “نحن صفر ولا بيض؟”!الغريب أن كل هذا الهوس فقد أهميته لاحقاً..في التسعينيات بدأت مراجعة لأرث أتاتورك، وبدأت الهوية الرسمية والشعبية التركية تتحرك في الاتجاه المعاكس.. وبدأ الحنين العثماني والإسلامي يتصاعد، وأصبحت الدولة والمجتمع أكثر احتفاءً بالإرث يلي حاولت الكمالية إبعاده.وصولاً إلى جعل أردوغان خلـيفة وتـركيا قائدة للعالم الإسـلامي والشـرقي..الخلاصة: السياسة لا دين لها!#مقالات_سلوم#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم