يُعتبر: الفن الفطري، أحد أكثر المفاهيم إثارةً للنقاش في النقد التشكيلي.لنتعرف على الجماليات التلقائية والخطاب البصري الشعبي فيه.- مشاركة: د.عصام عسيري.

الفن الفطري: جماليات التلقائية والخطاب البصري الشعبي

د. عصام عسيري

يُعتبر الفن الفطري أحد أكثر المفاهيم إثارةً للنقاش في النقد التشكيلي؛ لتداخل حدوده مع مفاهيم أخرى مثل الفن الساذج (Naïve Art)، والفن الخام (Art Brut)، والفن الشعبي. ومع ذلك، يمكن تعريفه بأنه ممارسة تشكيلية تنبع من الموهبة الفطرية والحدس البصري، دون أن تستند إلى دراسة أكاديمية منهجية في أسس الرسم ومبادئ التصميم والتكوين، أو نظريات اللون وقواعد المنظور والتشريح وتقنيات الخامات.

ولا يعني غياب التعليم الأكاديمي غياب القيمة الفنية، بل إن الفنان الفطري يبني لغته البصرية وفق خبرته الذاتية وذاكرته الثقافية، لا وفق القواعد المدرسية. ولذلك تتسم أعماله غالبًا بالتحرر من قوانين المنظور، والنسب التشريحية، والظل والنور، والتوازنات التكوينية، والعلاقات اللونية التقليدية. كما تميل إلى التسطيح، والاختزال، والمبالغة، والتلقائية في رسم الأشكال، وهي خصائص تُعد جزءًا من بنيتها الجمالية، وليست بالضرورة مؤشرات على ضعفها الفني.

وتكمن القيمة الحقيقية للفن الفطري في صدقه التعبيري وعفويته، فهو فن لا يخضع لسلطة الأكاديمية ولا لإملاءات المدارس الفنية، وإنما يعبر عن رؤية صاحبه للعالم كما يشعر بها، لا كما تفرضها القواعد. ولهذا تنشأ علاقة مباشرة بين العمل الفني والمتلقي، كما في أعمال الفنانة الأمريكية الجدة موسس والرسام السوري أبو صبحي التيناوي، إذ وجد الجمهور والنقاد في هذه الأعمال ألفةً وبساطةً ودفئًا إنسانيًا، بعيدًا عن التعقيد البصري أو الغموض الفكري الذي تسير فيه الاتجاهات الفنية المعاصرة.

وقد انقسم النقاد حول هذا الفن إلى اتجاهين رئيسيين؛ فهناك من ينظر إليه بوصفه ممارسة تشكيلية محدودة الأدوات، تفتقر إلى البناء الأكاديمي والمهارة التقنية، ولا يمكن إدراجها ضمن المدارس الفنية الكبرى. وفي المقابل، يرى فريق آخر أن الفن الفطري يمثل أحد أهم أشكال التعبير البصري المرتبط بالهوية الثقافية والذاكرة الشعبية، وأنه يستحق الدراسة والتوثيق بوصفه جزءًا أصيلًا من التراث الفني الإنساني، خاصة أن كثيرًا من خصائصه تتقاطع مع اتجاهات فنية حديثة مثل التعبيرية، والبدائية الحديثة، والوحشية، وحركة كوبرا، التي منحت الأولوية للطاقة التعبيرية على حساب الدقة الأكاديمية.

ومن منظور علم النفس، يؤكد عدد من الباحثين أن الميل إلى الرسم والتشكيل والتعبير البصري قدرة فطرية كامنة في الإنسان، وأن الإبداع يسبق التعلم المنهجي، بينما يرى علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع أن الفن الفطري يمثل الامتداد الطبيعي لأول أشكال التعبير البصري التي عرفتها البشرية، منذ رسوم الفنان البدائي القديم في الكهوف والمغارات والنقوش الصخرية، حيث استخدم الإنسان الصورة لتوثيق حياته ومعتقداته وعلاقته بالطبيعة قبل ظهور المؤسسات التعليمية والفنون الأكاديمية.

وعلى المستوى العربي، تبرز تجربة الفنان المصري حسن الشرق  بوصفها واحدة من أهم التجارب في الفن الفطري. فقد استطاع، رغم عدم تلقيه تعليمًا أكاديميًا، أن يبتكر لغة تشكيلية خاصة استمدت مفرداتها من البيئة الصعيدية والتراث الشعبي المصري والعربي كروايات كليلة ودمنة وقصص أبو زيد الهلالي، موظّفًا  تلك الحكايات الشعبية، والزخارف، والرموز المحلية، والعناصر اليومية في أعمال تتسم بالعفوية والثراء البصري. كما عُرف باعتماده على صناعة ألوانه من خامات طبيعية، ووصلت أعماله إلى معارض ومتاحف عالمية، ليؤكد أن الموهبة الفطرية، حين تقترن بالصدق والإخلاص للتجربة، قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

وفي المملكة العربية السعودية والعالم العربي، ما زالت هناك تجارب فطرية تستحق البحث والتوثيق، ليس بوصفها أعمالًا بسيطة أو بدائية، بل باعتبارها وثائق بصرية تحفظ ملامح المجتمع، وتعكس الموروث الشعبي، وأنماط العيش، والذاكرة الجمعية، بعيدًا عن التأثيرات الأكاديمية أو الاتجاهات الفنية الوافدة كما في تجارب الفنان المثقف عبدالله إدريس  الذي يستلهم جمالية وعفوية مفردات الآثار والأحافير القديمة في أعماله المعاصرة، وحظت هذه اللوحات على إعجاب عموم الجماهير والصالات وتقدير المقتنين والجهات الثقافية والاستثمارية.

ومن هنا، فإن الفن الفطري ليس مرحلة ناقصة من الفن، ولا بديلًا للفن الأكاديمي، وإنما هو نظام بصري مستقل، يمتلك منطقه الجمالي الخاص، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يولد داخل قاعات الدراسة وحدها، بل قد يولد أيضًا من الفطرة، والذاكرة والتاريخ، والبيئة، والخيال، ومن قدرة الإنسان على تحويل تفاصيل حياته اليومية إلى لغة تشكيلية صادقة تنبض بالجمال والإنسانية.

أخر المقالات

منكم وإليكم