قصر استامبولي
وجوه غابت عن دمشق وبقيت حكايتها بين الرخام والنجوم
- قصرٌ من زمن الثراء الدمشقي: في قلب دمشق القديمة، عند التقاء زقاق المدار بحارة سوق الجمعة، في المنطقة المعروفة تاريخياً بحارة اليهود، والتي تقع اليوم ضمن حي الأمين، يقف بيت استامبولي، المعروف أيضاً ببيت نيادو، بوصفه واحداً من أبرز القصور الدمشقية العائدة إلى القرن التاسع عشر. يُرجّح أن التاجر اليهودي الثري يعقوب بن شحادة استامبولي (1828–1888) هو من شيّده، في مرحلة شهدت توسع التجارة الدمشقية مع أوروبا وصعود عائلات تجارية نافذة. وفي 4 أيار 1868، زار القصر الرسام الهولندي فيلهلم دي فامارس تيستاس، ووصفه بأنه حديث البناء ولم تكتمل أعماله تماماً؛ وهي شهادة نادرة تؤرخ ولادة هذا الصرح الذي جمع بين الثروة والتقاليد المعمارية المحلية.
- عشرون ألف ليرة ذهبية في حضرة الرخام: لم يكن بيت استامبولي مجرد مسكن لعائلة ميسورة، بل مشروعاً معمارياً بالغ الفخامة، تتداخل فيه المداميك الحجرية الأبلقية مع الأقواس المزخرفة والواجهات المكسوة بالرخام، وتطل غرفه ونوافذه المرتفعة على فناء واسع تتوسطه بحرة ذات اثني عشر ضلعاً، وفق وصف الباحث الراحل عماد الأرمشي. زُينت جوانب البحرة بأشكال بيضوية تتوسطها نجوم سداسية، بينما ازدانت واجهة الإيوان بالمرايا والرسوم النباتية والمشاهد العمرانية. ويورد الأرمشي أن تكاليف البناء بلغت نحو 20 ألف ليرة ذهبية عثمانية، وهو تقدير يحتاج إلى سند مالي مستقل. وبين زخارف القصر كتابة عبرية تحمل اسم «ليفي استامبولي»، وباب يُرجّح أنه أدى إلى مصلى عائلي؛ تفاصيل تكشف كيف احتضنت العمارة الدمشقية ملامح الانتماء الديني دون أن تفقد لغتها المحلية المشتركة.
- العائلة التي جلست أمام عدسة التاريخ: في واحدة من أكثر الصور الإنسانية إثارة للاهتمام، تظهر امرأة تحيط بها مجموعة من الأطفال في فناء القصر، قرب البحرة الرخامية. يرجح الباحث جاك استامبولي أنها بوليسة فارحي، زوجة سلمون استامبولي، التي أنجبت عشرة أبناء، سبع إناث وثلاثة ذكور. ويورد توثيق عماد الأرمشي أسماء إسحاق ويعقوب وشحادة، وإدلا ولورا وفيكتوريا وفريدة.
- عائلة ليفي.. الاسم الذي جاء من إسطنبول لا بالضرورة منها: وراء اسم استامبولي تاريخ عائلي أكثر تعقيداً من الروايات الشائعة. فوفق دراسة جاك استامبولي، تنحدر الأسرة من عائلة ليفي الدمشقية، وقد اتخذ أحد أجدادها، داود ليفي، لقب استامبولي لتمييز أسرته عن عائلات ليفي الأخرى، نظراً إلى صلاته بالعاصمة العثمانية.
- من يعقوب استامبولي إلى يوسف لنيادو.. قصر يبدّل أصحابه: بعد وفاة يعقوب استامبولي سنة 1888، ثم ابنه سلمون سنة 1895، دخل المنزل مرحلة جديدة من تاريخه. وتشير الرواية العائلية إلى انتقال ملكيته إلى التاجر والممول اليهودي الدمشقي يوسف بك لنيادو (1850–1942)، ومن اسمه جاءت التسمية اللاحقة «بيت نيادو».
- ما تبقى من دمشق التي عاشها الجميع: تتجاوز حكاية بيت استامبولي حدود أسرة يهودية ثرية أو قصر بالغ الجمال؛ فهي تفتح نافذة على مجتمع دمشقي شارك في تشكيله المسلمون والمسيحيون واليهود، وتداخلت فيه التجارة والحرف والتعليم والعلاقات الاجتماعية. كانت البيوت الكبرى تتشابه في أفنيتها وإيواناتها وزخارفها، حتى لو اختلفت ديانات أصحابها. وبعد أكثر من قرن ونصف على تشييد القصر، تبدلت العائلات والملكية والوظائف، وتوزعت أجيال من سكانه بين مدن وبلدان بعيدة. أما الصور القديمة، فما زالت تعيد إلينا المشهدا بشكل بسيط ومؤثر.
……………………………….
المصادر والمراجع: - المادة وثيق صفحة الاستاذ محي الدين مريري.
- عماد الأرمشي، توثيق بيت استامبولي والعائلة في فناء الدار.
- صفحة د. هادي البحرة، توثيق عائلة ليفي–استامبولي؛ جاك استامبولي، «تاريخ بيت يهودي في دمشق».
- بعض الصور:موقعة ومعنونة بخط يد المصور الفرنسي فيليكس بونفيس.
- تحرير: حسان سعد
#سوريات_Souriat
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1782


