يستشرف المستقبل ..ميخائيل ليرمنتوف. في روايته :بطل من هذا الزمان – مشاركة: كه يلان محمد.

ميخائيل ليرمنتوف يستشرف المستقبل في ‘بطل من هذا الزمان’
كه يلان محمد
شخصية بطل رواية الاديب الروسي تصبح مضربا للمثل لمرحلة انتقالية حيثُ كانت الأفكار فيها غائمةً وينتظرُ روسيا مستقبل لم تتضح ملامحه، إذ نضج الإدراكُ بضرورة الإنسلاخ من الأفكار والتقاليد الرثةَ لكن لما يتبلورْ وعي بعد بما تحمله الأيام من الأطروحات والرؤى الجديدة.

روسيا القرن 18

ثيمات رومانسية وفروسية وفلسفية تتداخل في قصة من زمن آخر

رغم موت ميخائيل ليرمنتوف المبكر، في عمر الـ 27، إلا أنه تمكن من نقش اسمه بما ألفه من أعمال أدبية وما كان له من مواقف تقدمية على لوحة كبار الأدباء الروس. فقد عُرف ليرمنتوف كشاعر أكثر من أن يكون روائياً. غير أن مُؤَلفه الروائي “بطل من هذا الزمان” الصادر من المركز الثقافي العربي، أصبح من روائع الأعمال الكلاسيكية، كما يضربُ ببطله بتشورين مثالاً لمرحلة انتقالية حيثُ كانت الأفكار فيها غائمةً وينتظرُ روسيا مستقبل لم تتضح ملامحه، إذ نضج الإدراكُ بضرورة الإنسلاخ من الأفكار والتقاليد الرثةَ لكن لما يتبلورْ وعي بعد بما تحمله الأيام من الأطروحات والرؤى الجديدة.

وهذا القلق بادِ في سلوكيات الشخصية الأساسية. يظهر بتشورين في صورة شخص مُتذبذب تقنعُ بعضُ تصرفاته المتلقي بأنَّه يُمثل نموذجَ إنسان عبثي وما يقوله في مونولوغاته صدى لأفكار شوبنهاور. كما توجد في أعطاف الرواية تلميحات إلى ما مرت به روسيا من الصراع بين التقاليد الأوروبية الوافدة والقيم المحلية. إذ يُحملُ مكسيم مكسيمتش الطبقة المتأثرة بأوروبا مسؤولية انتشار ظواهر غريبة في المُجتمع الروسي.

مع أنَّ “بطل من هذا الزمان” يتيمة ليرمنتوف الروائية، غير أنَّ الكاتب وفق في مزج بين السرد الكلاسيكي المتفرع من أسلوب الحكايا الشعبية وتقنيات كتابة الرواية الحديثة في صياغة عمله. إذ يظلُ الراوي معتمداً على ضمير المتكلم في كل أجزاء الرواية، تطالعك في مستهل الرواية قصة جندي يعملُ في القوقاز وهو يرافق في طريقه إلى المكان الذي أحيل إليه مع مكسيم مكسيمتش فالأخير رجل كهل له خبرة بطبائع أهالي القفقاس فيؤنس الشابُ بكلامه وما يرويه حول تجاربه، وبذلك ينطلقُ السردُ متخللا في نسيجه الأسلوب الحواري الذي يزيدُه تشويقاً وسلاسةً. كما يوزع ليرمنتوف بإتقان مقاطع وصفية رائعة في فضاء الرواية مما يُفعِل الحاسة البصرية لدى المتلقي،ويطوف به داخل بيئات جِغرافية متعددة.

الصفقة المشؤومة

كلما سنحت الفرصة لمكسيم مكسيمتش يبدأُ بسرد قصصه لصديقه في الطريق إلى أن يَذكُرَ بتشورين الذي كان ضابطاً تحت إمرته، ومن ثُمَّ يواصل الحديثَ عن وقوع بتشورين في حُب ابنة أحد الأُمراء، فالأخيرة لها أخ يريدُ أن يحصل على حصان كازبتش وهو شاب يقضي سحابة نهاره في الجبال والوديان ويزودُ الجنود بالمؤون وبعض الأغراض، فيبدي عزمت إستعداده لمُقاضاة أخته بالحصان غير أنَّ كازبتش يرفضُ الصفقة.

لا ينتهي الأمرُ عند هذا الحد بل ينصبُ بتشورين شركاً لصحاب الحصان يتسنى له اختطاف بيلا بالتواطؤ مع أخيها، يتحقق لهم ما يريدون في غياب الأب، يمتطي عزمت صهوة حصانه منطلقاً في السهوب، ويظفرُ الضابط بيلا الفاتنة، لكن ابنة الأمير تضربُ عن أكل الطعام ولا تنبسُ ببنت الشفة إلى أن يتعلم بتشورين لغتها ويغدق عليها بالهدايا ويُعبر عن افتتانه بها وهي من جانبها آنست بالأجواء واعترفت بما تكنه من الإعجاب والحب الشديدين لبتشورين منذ أن رأته للمرة الأولى.

يقتلُ صاحب الحصان الأمير ظناً منه بأن الأخير شجع ابنه عزمت على سرقة حصانه كما يستغلُ لهو الضابط بالصيد ويخطفُ بيلا لكن في مناوشات بين حُراس القلعة وكازبتش تصاب بيلا بجرح وعلى أثره تلفظ أنفاسها الأخيرة، إلى هنا ينتهي فصلٌ من حياة بتشورين التي يتكفلُ أحد أصدقائه بروايته لسارد الرواية إذ أن الأخير يظهر في موقع المروي له بالإضافة إلى وظيفته كراو يُصاحبُ تعاقب الأحداث.

يوميات الضابط

يتركُ مكسيم مكسيمتش مجموعة من الأوراق الي سجل فيها بتشورين يومياته ومشاهداته لدى الراوي وهو بدوره يحتفظ به إلى أن يعلمَ بموت بتشورين في بلاد فارس من دون الإشارة إلى الظروف التي مات فيها، ومن ثم يقدم الأسباب التي تبرر له نشر اليوميات من هنا يغيب صوت الراوي بعدما يتدخلُ منبهاً المتلقي عن قفزه على سلسلة من الوقائع، وتنبسطُ أوراق بتشورين حيثُ يتموقع القارىء والراوي في مكان واحد كلاهما يتابعان لما كتبه بتشورين ويكون البطلُ مُتكلماً مباشرة من دون الوسائط إذ تجدُ تشورين في منطقة تامان ويتعرفُ على حياة ثلة من المُهربين كما يطاردُ فتاة قوزاقية ويُصاحبها في رحلة بحرية مغامراً بحياته غير ان بتشورين قد عجز في ترويض القوزاقية إلى أن يهددها بكشف ماتقوم به من مساعدة المهربين لذلك تهرب ما يسميها بتشورين بالماكرة مع حبيبها ويتألم لتعكير صفو هدوء حياة هؤلاء البسطاء ويؤنب نفسه على تصرفه القاسي مع القوزاقية.

تناقضات الرجل

لا تنجلي الضبابية عن شخصية بتشورين إلا في الفصل الثاني المعنون “بماري”، فهي فتاة في ريعان شبابها وصلت إلى مدينة بياتيغورسك مع أمها ليغوفسكايا في رحلة الإستجمام، إذ يلتقي بتشورين من جديد بصديقه الولهان بالأميرة غروشنيتسكي في هذه المدينة، وما يعينُ المتلقي على فهم طبائع شخصية بتشورين هو وجود نقيضه غروشنيتسكي، فالأخيرُ يبدو في صورة الأبله يفهمُ الأمور بمظاهرها الخارجية. بالمُقابل يفرضُ بتشورين حضوره أينما حلَّ مع أنه كان شريراً نصاباً لكن مثلما تقول إحدى عشيقاته فيرا يجعلُ الشرَّ جذاباً.

 هكذا تجتمع في مسرح الرواية صور مُتناقضة، فيغررُ بتشورين بابنة الأميرة ويوهمها بالحب والإخلاص ومن ثُمَّ يتخلى عنها في وقت يتفانى صديقه الغريم في حب الأميرة من دون أن تعطيه أي اهتمام. لا ينتهي الأمير عند هذا المستوى بل يشتدُ الصراع بين صديقين بعدما يُذاع الخبرُ بانَّ بيتشورين دخلَ بيت الأميرة وهي لم تكُن موجودة. هنا تتأزم العلاقة بين غريمين إلى أن يطالب بتشورين، غروشنيتسكي، بسحب الافتراء أو إقامة المبارزة بينهما… تتنازع الاثنان مشاعر مختلفة، غير أن الصراع ينتهي بمقتل غروشنيتسكي. يعاقب بتشورين بعد معرفة السلطات بالمبارزة بنقله إلى منطقة أخرى. ولا يتوقف عن مراهناته، يقامر بما يملكه من الأموال مع الملازم فولتش فالأخيرُ يرهن روحه يضع المسدس على رأسه ضاغطاً على زناده غير أنَّ الرصاصة لا تخرجُ وتأتي هذه المراهنة عقب جدال ساخن بين الرفقاء حول موضوع القدر هل الإنسان مُخيرُ أو ميسرُ؟.

وما هو عُنصر المفاجأة بالنسبة للقارئ هو تحقيق نبوءة بتشورين عن الملازم فولتش فقد رأى على محيا هذا المتهور أمارات الموت وصرحه بذلك غير أن تهوره لا يودي بحياته بل شخص سكران يمزقهُ بسيفه. فبتشورين هو مَنْ يتطوع لأخذ القاتل مع ما كان في الأمر من المخاطر. يرى بعضُ النقاد بأنَّ شخصية بتشورين بقلقه وتوتره وعبثيته ليست إلا صورة لجيل متطلع لتحرر من هموم مرحلة اتسمت بالاضطراب والضبابية. ما يجعلُ المتلقي مندمجاً في فضاء هذا العمل هو تداخل ثيمات رومانسية وفروسية وفلسفية.

كه يلان محمد

***&***

بطل من هذا الزمان
عبد المجيد سباطة
“ليت الناس يبذلون مزيدا من الجهد في التفكير، لأدركوا أن الحياة لا تستحق أن نُعنى بها كل هذه العناية…”

كنت قد حدثتكم في تدوينة الأسبوع الماضي عن ألكسندر بوشكين، شاعر روسيا المبدع الذي قادته امرأة إلى حتفه، عندما قتل في مبارزة مع عشيق مفترض لناتاليا زوجة ألكسندر. لن نغادر روسيا القيصرية في هذه التدوينة أيضا، لنتعرف سوية على من تسلم المشعل من سلفه بوشكين، كشاعر وكاتب يحمل هموم جيله، قبل أن يموت في عز شبابه، وبنفس الطريقة التي قتل بها ألكسندر! إنه ميخائيل، ميخائيل ليرمنتوف..
 
يمكن القول إن طفولة ونشأة ميخائيل لا تختلف بشكل عام عن نشأة سلفه ألكسندر بوشكين، فقد ولد في موسكو سنة 1814 لعائلة من طبقة النبلاء، وتوفيت والدته عام 1817 وميخائيل لم يكمل بعد الثالثة من عمره، فتكفلت به جدته، وكان محظوظا هو الآخر بنيله دراسة راقية في مدرسة داخلية للنبلاء تابعة لجامعة موسكو، ساهمت في ولادة ونمو موهبته الشعرية، قبل أن يلتحق بالمدرسة العسكرية في سان بطرسبرغ ويتخرج منها سنة 1834 ضابطا في الحرس الإمبراطوري، دون أن يشغله ذلك عن القراءة ونظم الشعر.
 
كتب ليرمنتوف الكثير من القصائد كـ”أسير القوقاز”، “الشركسي”، “الشيطان” وغيرها، وألف أيضا مسرحيتي “حفلة تنكرية” و”الشقيقان”. لكنه اشتهر على الصعيد العالمي بروايته “بطل من هذا الزمان”
تأثر ميخائيل ليرمنتوف كثيرا بالوفاة الدرامية لألكسندر بوشكين، فكتب قصيدة “موت شاعر” التي يرددها المعاصرون إلى يومنا هذا، وساهم احتجاجه الصريح على مقتل ألكسندر (واعتباره أن المبارزة كانت فخا نصب لبوشكين للتخلص منه) في إثارة غضب السلطات القيصرية التي قررت نفيه إلى القوقاز (مثل سلفه بوشكين أيضا)، فكانت تلك فرصة له هو الآخر ليصقل موهبته الشعرية ويتجه أيضا إلى الرسم بالألوان المائية والزيتية.
 
تدخلت جدة ميخائيل بعلاقاتها، فتمت إعادته إلى سان بطرسبرغ، لكنه شارك في مبارزة مع ابن السفير الفرنسي بارانت، ليتقرر إعادته إلى القوقاز مرة أخرى ورفض تكريمه من قبل القيصر نيقولاي الأول رغم الشجاعة الكبيرة التي أبداها في ميادين القتال.
 
كتب ليرمنتوف الكثير من القصائد كـ”أسير القوقاز”، “الشركسي”، “الشيطان” وغيرها، وألف أيضا مسرحيتي “حفلة تنكرية” و”الشقيقان”. لكنه اشتهر على الصعيد العالمي بروايته “بطل من هذا الزمان” التي قدمته أيضا كروائي متمكن إلى جانب موهبته الشعرية. ولهذه الرواية “حكاية” أيضا.. فقد نشرت ثلاث قصص في المجلة التقدمية “أوتيتشستفينيه زابيسكي”، طالعها الجمهور، لكن أحدا لم يخمن أنها إذا أخذت معا فإنها تشكل وحدة متكاملة، لأن البطل الرئيسي في هذه القصص هو شخصية واحدة: الضابط جريجوري بيتشورين !
 
صدرت لأول مرة عام 1840، عاما واحدا قبل وفاة صاحبها الذي لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره! (السن اللعنة حسب بعض المعتقدات الرائجة حاليا)، أما الترجمة العربية فقد تولى أمرها راهب الأدب الروسي الراحل سامي الدروبي، وصدرت طبعتها الجديدة عن المركز الثقافي العربي.
•  
تدور أحداث الرواية بين عامي 1827 و1833، على ضفاف البحر الأسود ومنطقة القوقاز، عبر سلسلة فصول تتناول السيرة المضطربة لضابط روسي شاب يدعى جريجوري بيتشورين، وذلك بتناوب بين الراوي العليم، وسرد بضمير المتكلم.
 
تم توزيع فصول الرواية على الشكل التالي: “بيلا”، “مكسيم مكسيمتش”، “تامان”، “الأميرة ماري” و”الجبري”، لكن هذا التقسيم لا يخضع للتسلسل الزمني، بل لرغبة الكاتب في التمهيد لتقديم شخصية بيتشورين الفريدة من نوعها، فنراه في البداية من منظور الضابط العجوز مكسيم مكسيمتش، ثم يراقب الراوي سلوك بيتشورين، قبل أن نعلم بوفاة بيتشورين ونطالع مذكراته.
 
تصور هذه الرواية واقع روسيا القيصرية في إمبراطورية نيقولاي الأول، عندما فقد الشباب كل أمل لهم في التغيير، وذابوا في مجتمع متهاون وخال من الاهتمام والرغبة الحقيقية في النهوض بالبلاد. كل هذا يتجسد من خلال شخصية بيتشورين الذكي والمثقف، والوحيد التعس في نفس الوقت بعدما فقد كل أمل في تحقيق أحلامه، وعجزه عن تذوق طعم السعادة، لا في الحب ولا في الصداقة.
 
وقد قال ليرمنتوف عن روايته هذه:
“إن “بطل من هذا الزمان” لهو صورة حقا، ولكنه ليس صورة رجل واحد. إنه صورة تضم رذائل جيلنا كله…”

• كان من الطبيعي أن تجر آراء ليرمنتوف المنتقدة لوضعية الشباب الروسي نقمة السلطة الحاكمة، بالإضافة طبعا لاحتجاجه على مقتل بوشكين، خاصة بعدما عرى بروايته واقع روسيا المهلهلة، فتم نفيه مرتين
 
يتفق عدد كبير من النقاد الروس والعالميين على أن “بطل من هذا الزمان” رواية فارقة في تاريخ الأدب العالمي، سواء للطريقة التي كتبت بها، أو تصنيفها الاجتماعي السيكولوجي، أو حتى التقنيات الروائية المستخدمة والتي لم تكن مألوفة في تلك الفترة، وهناك من يذهب أبعد من ذلك ويقول بأن ليرمنتوف الشاعر المرهف والروائي المتمكن الذي كتب رواية واحدة فقط أوصلته إلى الخلود الأدبي، لو عاش أكثر من ذلك لربما تفوق على تولستوي ودوستويفسكي (أعلم أن السياق مختلف، لكن هذه الجزئية تذكرني كثيرا بأسمهان وحديث البعض عن أن وفاتها المبكرة حالت دون تربعها على عرش الطرب العربي مكان أم كلثوم!).
 
وكان من الطبيعي أن تجر آراء ليرمنتوف المنتقدة لوضعية الشباب الروسي نقمة السلطة الحاكمة، بالإضافة طبعا إلى ما ذكرناه عن احتجاجه على مقتل بوشكين، خاصة بعدما عرى بروايته واقع روسيا المهلهلة، فتم نفيه مرتين كما قلنا، قبل أن تدبر له مبارزة في ظروف غامضة بعد عودته الثانية، هذه المرة أمام زميل دراسة سابق يدعى نيكولاي مارتينوف، في حيثيات مطابقة تماما لمبارزة جريجوري بيتشورين وجروشنيتسكي في رواية بطل من هذا الزمان وما حدث لألكسندر بوشكين ملهم ميخائيل ليرمنتوف، الفرق هنا أن بيتشورين انتصر، فيما كلفت الهزيمة ليرمنتوف حياته!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

عبد المجيد سباطة:
كاتب ومدون مغربي، مهتم بالشأن الأدبي والثقافي العربي والعالمي، أنوع كتاباتي بين الثقافي والتاريخي والعسكري وكل ما يتعلق بالتطورات الميدانية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط

المصادر:
موقع: الجزيرة نت
موقع : اليوم السابع
موقع : إرم نيوز
موقع : مواقع اجنبية+ فيس بوك
موقع:إيليت فوتو آرت https://elitephotoart.net

أخر المقالات

منكم وإليكم