وجود منظومتين متناقضتين معا ضمن حيز محدد سوف يؤدي بالضرورة الى التنافر الإدراكي .

“كانت ملوك الفرس إذا غضبت على عاقل حبسته مع جاهل” – أبو الحسن الماوردي

تنطلق هذه المقولة لتسليط الضوء على التنافر الإدراكي الذي ينشأ عند إجبار منظومتين متناقضتين على التواجد في حيز واحد: منظومة العقل القائمة على النسق والتحليل الاستدلالي، ومنظومة الجهل القائمة على الفوضى واللايقين.

تنبت أصول هذه المقولة من التراث السياسي والأخلاقي القديم الذي بحث فيه أبو الحسن الماوردي، وتحديدا في سياق تتبع أدوات السلطة وأنماط العقاب النفسي والفكري في الإمبراطوريات العتيقة كالإمبراطورية الفارسية. تاريخيا، ظهرت هذه المقولة في بيئة فكرية تضع “العقل” في أعلى مراتب الشرف الإنساني وتنظر إلى الجهل كآفة مدمرة للروح والمجتمع.

تطرح المقولة مقاربة معرفية لطبيعة الجهل وحقيقته. يتجاوز الجهل في هذا السياق كونه حالة سلبية تتمثل في مجرد غياب المعلومة، ليُشكّل غيابا كاملا للمعرفة الحقيقية وتلويثا مركبا للوعي. العقلاني يبني عالمه الداخلي وفق قواعد الترتيب، والمنطق، وقابلية الفهم، في حين يتميز الجاهل بعشوائية التصورات والتحيز الأعمى.

ينشأ العذاب النفسي للعاقل في هذا الحبس المادي من اضطراره المستمر للتعامل مع “اللامعقول”. العقل البشري يمتلك حاجة فطرية لاستكشاف العلل وبناء التصورات الصحيحة، وحين يُسجن مع ذاتٍ ترفض هذه القواعد، فإنه يعاني من استنزاف طاقته في محاولات تواصل عبثية. تتطلب المعرفة ممارسة دؤوبة لعملية “التخلية”، المتمثلة في سلب وتفكيك الأفكار الرديئة والأحكام المسبقة، تمهيدا لعملية “التحلية” المتمثلة في البناء المعرفي السليم. أتم العاقل هذه المهمة الشاقة سلفا، بينما يقف الجاهل كجدار أصم يرفض مبدأ التخلية من الأساس، وتتراكم لديه العشوائية المعرفية التي تخنق أي محاولة للارتقاء الفكري وتُعدم معها إمكانية الحوار.

يصطدم هذا الموقف الماوردي، القائم على مركزية الألم الشخصي للعاقل والذي يعتبر دمج العاقل بالجاهل عقوبة، بالتكليف الفلسفي المعروف في “أمثولة الكهف” عند أفلاطون. يقدم أفلاطون تقييما معاكسا لوظيفة العقلاني وتعامله مع الجهل؛ فالفيلسوف الذي تحرر من القيود وصعد إلى نور الحقيقة (العاقل)، يقع على عاتقه التزام أخلاقي ومعرفي بالعودة إلى قاع الكهف المظلم ليتفاعل مع السجناء الذين يعتقدون أن الظلال هي الحقيقة المطلقة (الجهال). يدرك أفلاطون جيدا حجم المعاناة والاستهزاء الذي سيتعرض له العاقل عند عودته إلى الجاهلين، إلا أنه يقرر حتمية هذا الصدام. يطرح هذا التضاد سؤالا: هل يتطلب الحفاظ على صفاء العقل حمايته وعزله عن الفوضى الجاهلية، أم أن اكتمال العقلانية ذاتها يشترط النزول طواعية إلى معترك الجهل لتفكيكه وتحويل هذا “السجن” المظلم إلى ساحة للتنوير؟

تقدم مقولة الماوردي تشخيصا لطبيعة المعاناة الإدراكية الناتجة عن التصادم بين الوعي وانعدامه، وتكشف التفاوت بين بنية عقلية تبحث عن النظام وأخرى تكرّس العبث. يبقى غياب الفهم واستحالة التواصل المنهجي شكلا من أشكال الحبس لا يقل أثرا عن السجن المادي المبني من الحجارة والحديد.

#المعرفة_والجهل #الفلسفة_السياسية #الماوردي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم