هادي علي يكتب عن ثيمات فيلم حياة الآخرين The Lives Of Others..

حياة الآخرين The Lives Of Othersثمة نكتةٌ انتشرت في أواخر الثمانينيات ، قبل انهيار الإتحاد السوفييتي بفترةٍ قليلة ، مفادُها أن كلباً هرب من آلمانيا الشرقية الى آلمانيا الغربية ، و هناك التقاه أحد الكلاب ، و سأله مستغرباً ، أليست بلادكم تطبق نظامكم الشيوعي الإشتراكي فتوفر لكم اللحوم و الأغذية ؟ أجابه الكلب الهارب : نعم هذا صحيح .ــ إذاً ما الذي دفعك لأن تهرب و تأتي الى هنا ؟أجابه الكلبُ الهارب : لقد هربتُ و جئتُ الى هنا لكي أنبح ، نعم كي أنبح فقط .تعبر هذه النكتة عن مدى الكبت الذي كانت الناس تعيشه تحت وطأة النظام البوليسي المتشدد ، و بطبيعة الحال فإن القائمين على دوائر التوجيه السياسي و المتسلطين الشيوعيين في آلمانيا الشرقية و بقية بلدان الإتحاد السوفييتي في أوروبا الشرقية ، تعاملوا مع هذه النكتة في ظل نظرية المؤامرة باعتبارها جزءاً من الحرب الباردة بين الإتحاد السوفييتي و الولايات المتحدة ، ولكن ما قاله الكلب الهارب إنما عبّر عمّا يعتمل في نفوس المواطنين في البلدان الشيوعية في ظل أنظمة الحزب الواحد البوليسية المتشددة ، حيث مراقبة المواطن و التشكيك به و الحذر الشديد من اتصالاته الخارجية . و إلا لماذا حصلت انتفاضة وارسو في بولندا عام 1944 ضد السوفييت أثناء الحرب العالمية الثانية التي أنهاها ” ستالين ” بمجزرة ( كاتين ) و التي راح ضحيها الآلاف من الضباط و أساتذة الجامعات و الكتاب و الفنانين و المثقفين البولنديين ؟ و لماذا قامت الثورة المجرية ( هنغاريا ) ضد السوفييت عام 1956 ؟ و لماذا حصلت انتفاضة ما سُمّي بـ ( ربيع براغ ) في تشيكوسلفاكيا عام 1968 للتخلص من الهيمنة السوفييتية ؟ بل لماذا قامت انتفاضة عام 1953 في آلمانيا الشرقية نفسها التي بدأت بمطالبات لعمال البناء لتنتهي الى مناهضة الستالينية ؟ و في كل مرة كانت موسكو تدفع بدباباتها الروسية أو دبابات الدول الأعضاء في حلف وارسو الذي تقوده موسكو ، تدفعها الى عواصم هذه البلدان لتُخمد ثوراتها و انتفاضاتها ضد الحكم الشيوعي السوفييتي البوليسي .هذا الفيلم الآلماني ، المُنتَج عام 2006 ، تدور أحداثه في عاصمة آلمانيا الشرقية ( برلين ) عام 1984 ، أي قبل خمس سنوات من الهياج الجماعي في جميع البلدان الشيوعية ، و الذي أنهى حقبة سياسية مظلمة كانت قد بدأت منذ بداية حكم ” ستالين ” عام 1922 و انتهت مع هذا الهياج الذي هدم صرح ما سُمّي بـ ( الإتحاد السوفييتي ) عام 1991 ، فتحررت شعوبُ هذه البلدان من قيوده . و الغريب إن معظم شعوب هذه البلدان توجهت مهاجرة ً الى البلدان الغربية الرأسمالية التي كان الإتحاد السوفييتي يناصبها العداء بصورةٍ مباشرة طوال عقود ، بما كان يشكل عقدة ً للسوفييت ، و كانت آلمانيا الشرقية بالذات هي بوابة هذه الهجرة التي أدت الى هدم ( جدار برلين ) التاريخي اللعين الذي كان يقسم آلمانيا ــ منذ عام 1961 ــ الى الآلمانيتين الشرقية و الغربية .كان عام 1984 ، الذي تدور فيه أحداث الفيلم ، من الأعوام الحساسة في الحرب الباردة بين السوفييت و الأمريكان ، لأنها من السنوات الأخيرة التي كان الطرفان قد استنفدا فيها وسائلهما ، و إذ كانت حرب الجواسيس هي أبرز و أشد هذه الوسائل مضاءً ، فإن الأمريكان أظهروا عدم اهتمام بها و توجهوا نحو الحرب بالغة السرية المتمثلة بالحرب التكنولوجية و الحرب العلنية المتمثلة بالحرب الإقتصادية . غير أن السوفييت ظلوا متمسكين ، في السر و في العلن ، بحرب الجواسيس التقليدية ، و بطبيعة الحال فإن هذه الحرب تقوم على قاعدة الشك و التشكيك بأبسط مواطن ، كأي أجنبي ، و يُظهر لنا هذا الفيلم طبيعة هذه الحرب الباردة ــ الساخنة المصغرة بين النظام الحاكم في آلمانيا الشرقية الشيوعية السوفييتية ، ممَثلاً بجهاز بوليسه السري المسمّى ( ستاسي ) ، و بين المواطن الأعزل الذي يحكمه هذا النظام . و مثل هذه الأنظمة تعتقد دائماً أن لديها عدواً ، و اذا لم يكن هذا العدو موجوداً فهي تختلقه ، و المواطن هو الأقرب الى مخيلتها . و على هذالأساس فإن العلاقة بين الطرفين أنما هي قائمة على الشك المُتَبادَل .يشير الـ ( سبتايل ) الذي يفتتح الفيلم ــ و تبدأ أحداثه في نوفمبر / تشرين الثاني من عام 1984 ــ الى أنه بسبب الـ ( ستاسي ) فإن عدد سكان آلمانيا الشرقية في طي الكتمان ، و ذلك في اشارة الى التصفيات التي يقوم بها هذا الجهاز المتكون من 100 ألف عنصر و 200 ألف مُخبر ، و الذي هدفـُهُ الأساس هو ( معرفة كل شيء ) عن المواطن ، و ذلك بسبب الشك بعموم المواطنين ، و هذا يؤكد أن النظام السياسي الذي لا يثق بمواطنِهِ يُدرك في بواطنِهِ أنه نظامٌ ظالم و مغتصِبٌ لحقوق رعيته ، و أهم و أعظم هذه الحقوق هي الحرية و احترام آدمية المواطن ، لا إغراقه في بحر الشعارات و تخويفه . و مثل هذه الأنظمة الديكتاتورية لا تفرّقُ بين احترام المواطنين لها و بين الخوف منها .يبدأ الفيلم من ( مركز الحجز المؤقت في وكالة الأمن القومي ) بمشهد اعتقالِ مواطنٍ يقتادُه ــ في الممر ــ أحدُ رجالِ الـ ( ستاسي ) في ظل نظامٍ أمنيٍ صارم ، حيث يأمُرُهُ بالتوقف عندما تنفتحُ أضواءٌ حمراء ، و يأمره بالنظر الى الأرض ، و لا يتحركان إلا عندما تنطفئ تلك الأضواء . و عندما يجلس ( المتهمُ ) أمام المحقق فإن أول ما يأمُرُه بفعله هو أن يضع كفـّـيه تحت فخذيه .. و باطناهُما نحو مقعد الكرسي . و في ذلك دلالة ٌ على صرامة النظام الأمني شديدِ الخبث ، و على عمق و شدة الشك بالمواطن الذي أدمن على التُهَم التي لا أساس لها من الحقيقة . المحقق يسأل المتهم : ( أتعتقد أننا نعتقل الناس بدون سبب ؟ ) .يجيبُه ( المتهم ) : لا .فيقول المحقق : ( إذا كنتَ تعتقدُ أن نظامنا المتسامح و الإنساني يقومُ بشيءٍ كهذا ، فهذا وحده سببٌ كافٍ لاعتقالك ) .هذه العبارة ، وحدها ، تلخص كل فلسفة ( الحكم الشيوعي ) ، و لا أعني ( النظرية الشيوعية ) التي وضع أسسها الآلمانيان ” كارل ماركس ” و ” فريدريك انجلز ” و تبناها الروسي ” لينين ” الذي قاد الثورة البلشفية ــ الشيوعية في روسيا عام 1917 ، و التي أسقطت دولة القياصرة الروس ذات التاريخ العريق ، و ذات التسلط أيضاً .ولكن الباحثين يشيرون الى أن أول ما فعله ” لينين ” هو بناءُ معسكراتٍ لحجز المعارضين ، و عندما جاء من بعده ” ستالين ” فإن عدد معتقلاته ما كانت لتُحصى . و هذا الرجل ترك إرثاً قذراً من التشكيك و الإعتقالات و التصفية و التغييب بحق معارضيه ، بل و بحق مَن يشك بهم مخبروه الذين كان يشرف عليهم وزيرُ داخليته المجرم ” بيريه ” . و حتى عندما مات ” ستالين ” ، و خلفه ” خروتشوف ” و فضح جرائمه في المؤتمر العام ، العشرين ، للحزب الشيوعي ، فإن نهج ” ستالين ” في التشكيك بالناس ، عاديين و غير عاديين ، بقيَ كما هو في جميع الدول التي حكمتها الأنظمة الشيوعية ، و ظل النهجُ الستاليني هو السائد فيها ، على الرغم مما حصل من تمرد على هذا النهج في بولندا و المجر و تشيكوسلفاكيا .. و غيرها .ما حصل في الفيلم من تحقيق مع مُتهمٍ لا يعرف تهمته ، إنما كان تمهيداً ذهنياً للمُشاهد ، كي يقف على حقيقة ما يمارسه رجالُ الـ ( ستاسي ) ضد المواطنين جميعاً في آلمانيا الشرقية ، و قد حرص المخرج ” فلوريان هنكل فون دونر سمارك ” على أن يتم التصوير في الأماكن الواقعية ، ولكن المكان الذي جرى التحقيق فيه ، في بداية الفيلم ، هو ليس المكان الحقيقي الذي يُفترض أنه سجن ( هوهنشهاوزن ) الذي تحول بعد سقوط جمهورية آلمانيا الشرقية ـــ إثر سقوط الإتحاد السوفييتي ـــ الى موقع تذكاري لضحايا الـ ( ستاسي ) ، فقد رفض مدير ُ الموقع أن يمنح المخرج تصريحاً بالتصوير ، معتبِراً أن ذلك يمجّدُ أحد رجال هذا الجهاز سيء السمعة ، و الذي أذاق الناسَ الويلَ في العهد الشيوعي .و هذا الرجل الذي يرى مديرُ الموقع ــ واهماً ــ أن الفيلم يُمجّدُهُ هو ذاته المحقق ” وايسلر ” ( لعب دورَه الممثل البارع ” أولريش موي ” الذي توفي في العام التالي ــ 2007 ــ عن 54 عاماً .. متأثراً بسرطان المعدة ) . و ” وايسلر ” لديه طريقة ٌ خاصة في التحقيق ، هي طريقة ستالينية و نازية أيضاً ، تتمثل في حرمان المتهم من النوم و الطلب منه أن يُعيد أقوالَه مرّاتٍ و مرات ، علّه يقع في خطأ فيُمسك به .في إحدى محاضراته على الشبان المنتسبين حديثاً لجهاز ( ستاسي ) يسأله أحد الطلبة عن الحكمة من وراء حرمان المتهم من النوم ، فيُجيبه ، و قد وضع علامة على اسمه ، قائلاً : ( السجينُ البريء سوف يُصبحُ غاضباً بمرور الساعة ، بسبب الظلم الذي يُعانيه ، سوف يصيحُ و يغضب ، أما السجينُ المذنب فيُصبحُ أكثر هدوءاً و سكينة ً او يبكي . إنه يعرف أن لوجوده سبباً ما . و أفضل طريقة للتأكد من الذنب و البراءة هي الإستجواب الذي لا يتوقف ) . و هذا هو أسلوب الـ ( نازي ) الذي نشأ في آلمانيا ذاتها التي نشأ فيها الـ ( ستاسي ) .لكن لماذا اعتبر مدير الموقع التذكاري لضحايا ( ستاسي ) أن الفيلم يمجد ” وايسلر ” ؟ لقد قدم مخرجُ الفيلم ( الذي هو كاتب السيناريو أيضاً ) ، قدّم لنا ” وايسلر ” كضابطٍ أمنيٍ باردِ الأعصاب ، غير رحيم ، متسببٍ باتلاف حياة أناسٍ أبرياء ، مدفوعاً بالشك الأمني لصالح الحزب و ليس لصالح الشعب و الوطن . ولكن يبدو أن مديرَ الموقع قد توقفَ عند هذا الحد من اطلاعه على سيناريو الفيلم ، و لم يدرِ أن السيناريو سيقود ” وايسلر ” الى تحوّلٍ بمقدار 180درجة ، بعد أن بالغ في مراقبة حياة الكاتب والمخرج المسرحي ” جورج دريمان ” ( لعب دورَه ” سبستيان كوك ” ) و صديقته الممثلة ” كريستا ماريا ” ( لعبت دورها ” مارتينا جيديك ” ) ، و التي يُوقِعُها وزيرُ الثقافة في حبائله ، ابتزازاً و دون رغبتها ، كما يفعل الحزبيون اللا إنسانيون و المتسلطون في كل مكان .لقد استدرج الفيلم شخصية رجل الـ ( ستاسي ) المتشدد ، غير العاطفي و لا المتعاطف ، استدرجه ــ لفرط مراقبة الحياة الداخلية للكاتب و حبيبته الفنانة ــ الى نقطةِ التقاطع التام مع كل تاريخه الذي لم يعرف فيه النعومة َ و الإسترخاء في حياةٍ بوليسيةٍ حزبيةٍ جافةٍ تماماً ، بل كريهة . لقد أدرك أن الحياة ليست مراقبة َ ( حياة الأخرين ) ، و لا استجواباتٍ ، و لا حذراً مُفرَطاً . أدرك أنه فَـقدَ ــ طَوالَ حياتهِ ــ الخيطَ الذي يقودُ الى المُتعة و السعادة و الحرية و الجمال .خلاصة القول أن هذا الفيلم يخلق لدينا توتراً ناعماً ، كمشاهدين ، و هو يوثق ( حياة الآخرين ) الذين عاشوا توتراً حقيقياً في النصف الشرقي من آلمانيا ، بعد أن انتهى عهدُ ” هتلر ” و حلّ عهدُ رديفهِ ” ستالين ” ، و قد كان كلاهُما وجهَين لعملةٍ واحدة .الفيلمُ نال عشراتِ الجوائز ، منها : ( أوسكار ) و ( غولدن غلوب ) و ( بافتا ) و كُبريات الجوائز العالمية ، و أشاد به النقادُ إشادةً كبيرة ، فيما منحه موقعُ ( الطماطم الفاسدة ) العالمي الشهير للتقييم السينمائي نسبة 93% من الجودة . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ #سينماالعالم #مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم