نَامُوسُ المِيزَانِ وَمِشْكَاةُ الفُرْقَانِ .. الدَّلِيلُ المَرْجِعِيُّ الشَّامِلُ لِلإِنْصَافِ فِي شَرِيعَةِ السَّمَاءِ وَنَوَامِيسِ العُمْرَانِ

بقلم د.نادي شلقامي 

— تَرَاتيل الحَقِّ وَمَطَالِعُ النُّورِ

الحمدُ للهِ الذي نَصَبَ مَوَازِينَ القِسْطِ لِلْعَالَمِين، وَجَعَلَ العَدْلَ قِوَاماً لِلسَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِين، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الحَقُّ المُبِين، الَّذِي أَمَرَ بِالقِسْطِ وَلَوْ عَلَى النُّفُوسِ، وَتَعَالَى عَنِ الظُّلْمِ عُلُوّاً كَبِيراً، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الإنصافَ بَرْزَخاً بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ. وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى مَنْ بُعِثَ لِيَمْحُوَ دَيَاجِيرَ الظُّلْمِ بِنُورِ الإِنْصَافِ، سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ المُتَّقِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي كَانَ خُلُقُهُ القُرآن، وَمَنْهَجُهُ التَّبْيَان، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا أُمَّةً يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الإِنْصَافَ لَيْسَ لَفْظاً تَلُوكُهُ الأَلْسُنُ فِي المَحَافِلِ، وَلَا حِبْراً يُرَاقُ عَلَى طُرُوسِ الرَّسَائِلِ، بَلْ هُوَ “رُوحُ الوُجُودِ” الَّذِي بِهِ تَمْسِكُ الكَائِنَاتُ نِظَامَهَا، وَ”نَبْضُ الحَيَاةِ” الَّذِي بِهِ تَحْفَظُ المُجْتَمَعَاتُ قِوَامَهَا. إِنَّهُ تِلْكَ القِيمَةُ العُلْيَا الَّتِي تَقْهَرُ سَطْوَةَ الهَوَى، وَتَكْبَحُ جِمَاحَ الأَنَانِيَّةِ، وَتُعِيدُ لِلإِنْسَانِ إِنْسَانِيَّتَهُ المَسْلُوبَةَ فِي غَيَابَاتِ الجَوْرِ. إننا في هذا التقريرِ المَرْجِعِيِّ، نَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ هَذِهِ القِيمَةِ، نَسْتَجْلِي مَعَالِمَهَا مِنْ مِشْكَاةِ الوَحْيَيْنِ، وَنَقْتَفِي أَثَرَ السَّلَفِ الأَبْرَارِ، مَمْزُوجاً بِمُحْكَمَاتِ عِلْمِ الِاجْتِمَاعِ وَالنَّفْسِ، لِيَكُونَ مَنَارَةً لِلسَّالِكِينَ وَحُجَّةً لِلْمُنْصِفِين.

أولاً… التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَالتَّشْرِيعِيُّ لِلإِنْصَافِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ

— الإنصافُ في القرآنِ ليسَ مُجرَّدَ خُلقٍ، بل هو أصلٌ من أصولِ الدِّينِ تَقُومُ عليهِ رِسَالاتُ الأنبياءِ:

1- الإِنْصَافُ مَعَ الخُصُومِ:

— قالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

— هذه الآيةُ هي مِحْوَرُ الإنصافِ الكَوْنِيِّ؛ إذْ تَنْهَى عَنْ حَيْفِ المَشَاعِرِ وَتَأْمُرُ بِتَجْرِيدِ الحَقِّ عَنِ البُغْضِ.

2- إِنْصَافُ القَوْلِ وَالشَّهَادَةِ:

— قالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152]. هُنَا يَأْمُرُ اللهُ بِإِنْصَافِ الكَلِمَةِ، فَلَا تُحَابِي قَرِيباً وَلَا تَظْلِمُ بَعِيداً.

3- إِنْصَافُ النَّفْسِ والاعتراف بالحق:

— قالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79].

— وهذا قِمَّةُ الإنصافِ مَعَ الخالقِ بِالاعْتِرَافِ بِالتَّقْصِيرِ البَشَرِيِّ.

4- المِيزَانُ كَغَايَةٍ لِلرِّسَالَاتِ:

— قالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

— فَالإنصافُ هو الغَرَضُ الأَسْمَى مِنْ إنزالِ الكُتُبِ وَبَعْثِ الرُّسُلِ.

5- النَّهْيُ عَنِ التَّطْفِيفِ فِي الحُقُوقِ:

— قالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].

— والآيةُ تَشْمَلُ المِكْيَالَ المَادِّيَّ وَالمَعْنَوِيَّ فِي المعاملاتِ.

ثانياً…الإِنْصَافُ فِي المِشْكَاةِ النَّبَوِيَّةِ (السُّنَّةُ الطَّاهِرَةُ)

— رَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ أَدَقَّ مَعَايِيرِ الإنصافِ:

1- مَقَامُ المُقْسِطِينَ:

— عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ علَى مَنابِرَ مِن نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -وكِلتا يَدَيْهِ يَمِينٌ- الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وما ولُوا” (رواه مسلم).

2- إِنْصَافُ الأَبْنَاءِ:

— عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: “اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ” (متفق عليه).

— وهذا الإنصافُ هو الحِصْنُ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ بَيْنَ الإِخْوَةِ.

3- إِنْصَافُ الرَّعِيَّةِ وَالأَجِيرِ:

— عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ… وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ” (رواه البخاري).

4- الإنصافُ حَتَّى فِي المَشَاعِرِ:

— كَانَ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: “اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ” (رواه أبو داود).

5- التَّحْذِيرُ مِنَ الجَوْرِ:

— قَالَ ﷺ: “اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ” (رواه مسلم). وَعَدَمُ الإنصافِ هو بَوَّابَةُ الظُّلْمِ الأُولَى.

ثالثاً… الإِنْصَافُ فِي سِيَرِ الأَعْلَامِ (نَمَاذِجُ التَّطْبِيقِ السَّلَفِيِّ)

1- إِنْصَافُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: “لِيُعَلِّمْ أحدُكم نفسَه الرِّفقَ بامرأتِه”، وَحِينَ جَاءَهُ رَجُلٌ يَشْكُو زَوْجَتَهُ، ذَكَّرَهُ عُمَرُ بِإِنْصَافِ حُقُوقِهَا وَصَبْرِهَا، مُعَلِّماً الأُمَّةَ أَنَّ الإنصافَ يَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ البَيْتِ.

2- إِنْصَافُ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ: بَلَغَ مِنْ إِنْصَافِهِ أَنَّهُ رَدَّ المَظَالِمَ حَتَّى عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَسَاوَى بَيْنَ الرَّعِيَّةِ فِي العَطَاءِ، فَفَاضَ المَالُ حَتَّى لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ.

3- الإنصافُ العِلْمِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: قَوْلُهُ المَشْهُورُ: “مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلَّا قُلْتُ: اللَّهُمَّ أَجْرِ الحَقَّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنْ كَانَ الحَقُّ مَعِي اتَّبَعَنِي، وَإِنْ كَانَ الحَقُّ مَعَهُ اتَّبَعْتُهُ”. وهذا سَنَامُ التجردِ لِلْحَقِيقَةِ.

4- إِنْصَافُ أَبِي حَنِيفَةَ لِنَفْسِهِ: كَانَ يَقُولُ: “هَذَا رَأْيُنَا، فَمَنْ جَاءَ بِخَيْرٍ مِنْهُ قَبِلْنَاهُ”، فَإِنْصَافُ العَالِمِ لِعِلْمِهِ بِتَقَبُّلِ الصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِ هو رِفْعَةٌ لَهُ.

رابعاً…الإِنْصَافُ الأُسَرِيُّ..

(دُسْتُورُ المَوَدَّةِ وَالسَّكَنِ)

1- الإنصاف بين الزوجين:

— الإنصاف بين الزوجين هو حجر الأساس لبناء بيت متوازن قائم على المودة والرحمة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].

أ- الإنصاف المادي: يشمل النفقة بلا تقصير، وعدم الإقلال من الحقوق المالية المعقولة للزوجة، بما يحقق لها حياة كريمة ويجنبها الشعور بالظلم أو الإهمال.

ب- الإنصاف المعنوي: تقدير الجهد العاطفي، والدعم النفسي، والمساندة في الأزمات، والاحترام المتبادل.

— الاستشهاد النبوي: قال ﷺ: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” (رواه الترمذي). وهذا الحديث يدل على أن أساس القسط في الأسرة يبدأ من المعاملة اليومية والاعتراف بجهد الآخر.

— أثر الإنصاف:

— يزرع الثقة والطمأنينة بين الزوجين،

— ويحول المنزل إلى حاضنة للأخلاق والقيم،

— ويقلل من النزاعات الأسرية.

2- إنصاف الأب لأبنائه:

— الإنصاف في التربية أساس نمو الطفل النفسي والاجتماعي، كما أكد علم النفس التربوي على أن التفضيل الوالدي (Parental Favoritism) يُضعف ثقة الطفل بنفسه ويُثير مشاعر الحقد بين الإخوة، بينما الإنصاف والتسوية يشجع على التفوق العلمي والنفسي.

— تطبيق شرعي: قال ﷺ: “اتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم” (متفق عليه).

— أثر الإنصاف:

–يعزز العدالة في الفرص،

— ويمنح كل ابن حقه في التعليم والرعاية،

— ويقلل من الغيرة والمنافسة السلبية بين الإخوة.

— مثال من السلف الصالح: عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يوزع الميراث والعطايا بين أولاده بإنصاف تام، بحيث لا يشعر أحدهم بالحرمان أو التفاضل غير العادل.

3- إنصاف الإخوة:

— الإنصاف بين الإخوة يشمل حفظ حقوق الميراث، تقدير المشاعر، ستر الزلات، ومساعدة بعضهم بعضًا.

— الحكمة: يربط الأخوة بعروة المودة ويمنع التفكك العائلي.

— الاستشهاد النبوي: قال ﷺ: “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، وما أخذه بالغصب” (رواه البخاري)، وهذا يدل على حفظ الحقوق بين الناس بما فيهم الإخوة.

— أثر الإنصاف:

— يمنع النزاعات،

— ويقوي روابط المحبة،

— ويجعل الأسرة قاعدة صلبة للتربية القيمية والاجتماعية.

خامساً… الإِنْصَافُ فِي بِيئَةِ العَمَلِ..

(مِعْمَارُ النَّجَاحِ المُؤَسَّسِيِّ)

— نظرية العدالة (Equity Theory) والتطبيق الإداري:

— الإنصاف في العمل هو الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات واستقرارها. تؤكد الدراسات الإدارية أن المنافسة الشريفة لا تقوم إلا على:

1-1- تكافؤ الفرص في توزيع المهام والمسؤوليات.

1-2- الإنصاف في المكافآت والترقيات.

1-3- الاعتراف بالجهد الفردي وحقوق العاملين.

2- الاسترشاد الشرعي:

— قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: 152].

— عن النبي ﷺ: “ألا من أخذ أمانة فأدى ما عليه فقد أبرأ إلى الله” (رواه البخاري ومسلم)، أي أن مسؤولية الإدارة والحقوق والالتزام بالقسط أمر واجب شرعًا.

3- آثار غياب الإنصاف الإداري:

3-1- احتراق وظيفي (Burnout): فقدان الرغبة في العمل نتيجة شعور الموظفين بالظلم.

3-2- تسرب الكفاءات: نتيجة شعورهم بعدم الاعتراف بالجهد والحق.

3-3- المحسوبية والانحياز: يؤدي إلى تدهور الأداء وانهيار الكيان التنظيمي.

— أمثلة من السلف الصالح في الإدارة:

–عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يراقب الأعمال المالية والقضائية، ويعيد الحقوق إذا ظللها أي مسؤول، ويحاسب القادة على أي ظلم وقع على الرعية.

— علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: “الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والكلأ، والنار”، أي أن العدالة في الموارد والمنافع العامة أساس الاستقرار الإداري والاجتماعي.

4- أثر الإنصاف الإداري:

4-1- يحقق بيئة عمل مستقرة ومرنة.

4-2- يعزز ثقة الموظفين ويزيد الإنتاجية.

4-3- يمنع النزاعات الداخلية ويساهم في تحقيق أهداف المؤسسة بفعالية.

سادسا….إنصاف الجار لجيرانه…

(حق الجار وضرورة الإنصاف):

— قال ﷺ: “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ” (متفق عليه).

— الجار لا يكتفي بالبعد عن الأذى، بل يشمل الإنصاف في:

1- التعامل العادل واللطف في الكلام والأفعال.

2- مراعاة الحقوق المادية والمعنوية.

3- التعاون في المشكلات الاجتماعية والإنسانية.

— الأمثلة العملية:

— الرسول ﷺ كان يُعلم أن حق الجار يسبق بعض العبادات الظاهرة إذا تعارضت معه المصالح: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” (متفق عليه).

— السلف الصالح كانوا يحرصون على عدالة الجار في المنافع المشتركة، كالطرق والمياه والمزارع المشتركة، ولا يسمحون بالتحيز أو التجاوز على حقوق الجيران.

— أثر الإنصاف الجارِيّ:

1- تعزيز الألفة والمحبة بين الناس.

2- منع النزاعات العائلية والمجتمعية التي قد تنشأ من التجاوزات الصغيرة.

3- تكوين مجتمع متماسك يقوم على التوازن والعدل،

4- يحقق الأمن والاستقرار الاجتماعي.

سابعاً..مَنْظُومَةُ الآثَارِ (مَكاسِبُ القِسْطِ وَخَسَائِرُ الجَوْرِ)

أ- الآثَارُ الإِيجَابِيَّةُ لِلإِنْصَافِ:

1- نَفْسِيّاً: تَحْقِيقُ الرِّضَا الدَّاخِلِيِّ وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَتَزْيِينُ القَلْبِ بِمَشَاعِرِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالسّكِينَةِ.

– اجْتِمَاعِيّاً: تَقْلِيصُ الفَجَوَاتِ الطَّبَقِيَّةِ وَتَعْزِيزُ السَّلَامِ الأَهْلِيِّ، وَبِنَاءُ الثِّقَةِ وَالتَّوَافُقِ بَيْنَ أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ.

3- دِيْنِيّاً: نَيْلُ مَحَبَّةِ اللهِ وَالقُرْبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ وَرُقِيُّها فِي سُلَّمِ العُقُولِ وَالأخْلَاقِ.

4- اقْتِصَادِيّاً: يُعَزِّزُ الثِّقَةَ فِي التَّعَامُلاتِ المَالِيَّةِ وَيُشَجِّعُ عَلَى الاسْتِثْمَارِ وَالإِنْتَاجِيَّةِ، وَيَقِلِّلُ الفَسَادَ وَالظُّلْمَ فِي المُقَايَضَاتِ وَالعَقُودِ.

5- سِيَاسِيّاً وَمُؤَسَّسِيّاً: يَقوِّي شَرْعِيَّةَ الحُكُومَةِ وَالمُؤَسَّسَاتِ، وَيُحَافِظُ عَلَى الاسْتِقْرَارِ وَيُقَلِّلُ مِنَ الفُتُونِ وَالصِّرَاعَاتِ.

6- عِلْمِيًّا وَمَعْرِفِيًّا: يَرْفَعُ مُسْتَوَى التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْبَاحِثِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، وَيُشَجِّعُ عَلَى مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ بِلا مُحَابَاةٍ، وَيُكْرِمُ الحَقَّ وَيَكْرِمُ أَهْلَهُ.

ب- الآثَارُ السَّلْبِيَّةُ لِغِيَابِ الإِنْصَافِ:

1- انْتِشَارُ الجَرِيمَةِ وَرُوحِ الِانْتِقَامِ، وَتَرْكُ الْأَفْرَادِ فِي شَعْورٍ بِالظُّلْمِ وَالْحَقْدِ.

2- هَدْرُ الطَّاقَاتِ وَالعُقُولِ المُبْدِعَةِ، وَتَقَلُّبُ الْمُجْتَمَعِ بَيْنَ الفَقْرِ وَالْغِنَى بِغَيْرِ عَدْلٍ.

3- اسْتِحْقَاقُ غَضَبِ اللهِ وَسَلْبُ البَرَكَةِ مِنَ الرِّزْقِ وَالأَعْمَارِ، وَتَقَلُّصُ سُلُوكِيَّاتِ التَّقْوَى وَالأخْلَاقِ.

4- اقتصاديًا: يؤدي إلى احتكار الموارد، وَهَدْرِ الفُرَصِ وَالمُقَدِّرَاتِ وَزِيَادَةِ الفَسَادِ فِي المعاملاتِ المالية والإدارية.

5- سياسيًا واجتماعيًا: يولِّد ظلمًا شعبيًا، وَاحتقانًا مُجْتَمَعِيًّا، وَثَوْرَاتٍ أَو انْقِسَامَاتٍ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ.

6- تربويًا ونفسيًا: يُضعف الثِّقَةَ فِي القَادَةِ وَالوالِدِين وَالمُعَلِّمِين، ويزيد مشاعرَ الغَضَبِ وَالْحَقْدِ وَالانتقام، مِمَّا يُؤَدِّي إلى فقدان التوازن النفسي والاجتماعي.

7- دينيًا: يقلل من الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية، وَيُحْرِمُ الأفراد والمجتمعات مِنَ البَرَكَةِ وَالإِحْسَانِ، وَيُعَجِّلُ بظلماتِ القلوب وسقوطَ المروءة.

وختاما… مَآلُ الحَقِّ وَصَرْخَةُ المِيزَانِ الأَزَلِيِّ

​وَفِي مُنْتَهَى هَذَا البَيَانِ، وَمُسْتَقَرِّ هَذَا التِّبْيَانِ، نَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ حَقِيقَةٍ كَوْنِيَّةٍ شَاخِصَةٍ؛ أَنَّ الإِنْصَافَ لَيْسَ نَافِلَةً مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ، وَلَا خِيَاراً تَرَفِيّاً تَمْلِكُهُ الأُمَمُ، بَلْ هُوَ “سِرُّ البَقَاءِ” الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ اللهُ فِي فِطْرَةِ الخَلِيقَةِ. إِنَّهُ “عَمُودُ الفُسْطَاطِ” الَّذِي إِذَا انْكَسَرَ، تَهَاوَى سَقْفُ الحَضَارَةِ عَلَى رُؤُوسِ بَانِيهَا، وَتَحَوَّلَتِ العُمْرَانُ إِلَى خَرَابٍ، وَالمَوَدَّةُ إِلَى حَرْبٍ سِجَال.

​إِنَّنَا بِهَذَا التَّقْرِيرِ لَا نَسْرُدُ كَلِمَاتٍ، بَلْ نَدُقُّ “نَاقُوسَ الخَطَرِ” فِي آلَافِ البُيُوتِ وَالمُؤَسَّسَاتِ؛ فَالإِنْصَافُ هُوَ المِعْيَارُ الَّذِي قَسَمَ اللهُ بِهِ الظُّهُورَ، حَيْثُ يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ﴾. وَمَا الطُّغْيَانُ إِلَّا حَيْفٌ فِي نَفَقَةِ زَوْجَةٍ، أَوْ جَوْرٌ فِي قِسْمَةٍ بَيْنَ وَلَدَيْنِ، أَوْ بَخْسٌ لِجُهْدِ مُوَظَّفٍ كَادِحٍ، أَوْ لَمْزٌ لِصَاحِبِ فَضْلٍ لِاخْتِلَافِ مَشْرَبٍ.

​لَقَدْ أَثْبَتَتْ نَوَامِيسُ الِاجْتِمَاعِ وَتَجَارِبُ التَّارِيخِ أَنَّ “العَدْلَ سَاعَةٌ” يَعْدِلُ عِبَادَةَ الدَّهْرِ، وَأَنَّ دَوْلَةَ الظُّلْمِ سَاعَة، وَدَوْلَةَ الإِنْصَافِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. فَمَا انْهَارَتِ الدُّوَلُ العِظَامُ إِلَّا بَعْدَمَا بَاتَ الإنصافُ فِيهَا عَمَلَةً نَادِرَةً، وَمَا ازْدَهَرَتِ الأُمَمُ إِلَّا يَوْمَ كَانَ الضَّعِيفُ فِيهَا قَوِيّاً بِحَقِّهِ، وَالقَوِيُّ ضَعِيفاً حَتَّى يُؤْخَذَ الحَقُّ مِنْهُ.

​فَيَا رِجَالَ الأُمَّةِ وَنِسَاءَهَا، وَيَا رُعَاةَ الحَقِّ فِي مَحَارِيبِ العَمَلِ وَالبُيُوتِ: لِيَكُنِ الإِنْصَافُ لَكُمْ “قِبْلَةً” تَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهَا فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. اِجْعَلُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ “مَوَازِينَ قِسْطٍ” تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ “مَنَابِرِ النُّورِ” يَوْمَ تَنْحَنِي الرُّؤُوسُ خَشْيَةً مِنَ الجَبَّارِ. فَالإِنْصَافُ هُوَ حُجَّتُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَهُوَ مِيرَاثُكُمُ الخَالِدُ فِي صُدُورِ الأَجْيَالِ.

​اللَّهُمَّ يَا مَنْ أَمَرْتَ بِالقِسْطِ وَأَنْتَ أَقْسَطُ العَادِلِينَ، اجْعَلْ أَقْسَامَنَا عَدْلًا، وَأَقْوَالَنَا حَقّاً، وَأَفْعَالَنَا إِنْصَافاً. نَعُوذُ بِكَ مِنْ جَوْرِ الهَوَى، وَسَطْوَةِ الأَنَانِيَّةِ، وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَمْلأَ قُلُوبَنَا رَحْمَةً لَا تَطْغَى، وَحِكْمَةً لَا تَظْلِمُ.

​﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّ المَلْحَمَةِ وَالمَرْحَمَةِ، المَبْعُوثِ بِالمِيزَانِ الأَحْكَمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَنَارِ الهُدَى وَأَهْلِ التَّقْوَى.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم