الشيطان الأبيض … و المسرح الانكليزي

في مطلع القرن السابع عشر شهد المسرح الإنجليزي ازدهارًا كبيرًا، وبرزت المأساة اليعقوبية بوصفها امتدادًا أكثر قتامةً وعنفًا للمسرح الإليزابيثي. ومن أبرز رواد هذا الاتجاه الكاتب الإنجليزي John Webster، الذي قدّم مسرحية الشيطان الأبيض (The White Devil)، وهي من أهم الأعمال الدرامية التي تناولت فساد السلطة وانهيار الأخلاق والطموح المدمر. عُرضت المسرحية لأول مرة نحو عام 1612، واستندت إلى أحداث تاريخية حقيقية تتعلق بحياة النبيلة الإيطالية فيتوريا أكورامبوني، إلا أن وبستر أعاد صياغتها في إطار مأساوي يكشف ظلام النفس البشرية وتعقيدات المجتمع.

تدور أحداث المسرحية في إيطاليا، حيث تقع فيتوريا كورومبونا، وهي امرأة متزوجة، في علاقة حب مع الدوق براكيانو، المتزوج بدوره من إيزابيلا. يسعى العاشقان إلى إزالة العقبات التي تمنع زواجهما، فيتآمران على قتل الزوجين، فتبدأ سلسلة من المؤامرات والاغتيالات والانتقام. ويؤدي شقيق فيتوريا، فلامينيو، دورًا مهمًا في تشجيع الجريمة بدافع الطمع والرغبة في الارتقاء الاجتماعي، بينما يخطط فرانشيسكو دي ميديتشي ولودوفيكو للانتقام، لتنتهي المسرحية بمقتل معظم الشخصيات الرئيسة في نهاية مأساوية تجسد انهيار العدالة وسيطرة العنف.

تعالج المسرحية مجموعة من القضايا الفكرية والإنسانية العميقة، أبرزها الفساد الأخلاقي والسياسي. فالشخصيات التي تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، والتي يُفترض أن تكون نموذجًا للشرف والقيادة، تتحول إلى أدوات للقتل والخداع واستغلال السلطة. كما تكشف المسرحية أن الطموح غير المشروع يقود الإنسان إلى التضحية بكل القيم الأخلاقية، وأن الرغبة في السلطة والثروة قد تدفع الأفراد إلى ارتكاب أبشع الجرائم.

ومن أبرز موضوعات المسرحية أيضًا قضية العدالة والانتقام. فالقانون يبدو عاجزًا عن معاقبة المذنبين، لذلك تلجأ الشخصيات إلى الانتقام الشخصي، مما يخلق دائرة لا تنتهي من العنف وسفك الدماء. ويؤكد وبستر من خلال هذه الأحداث أن الانتقام لا يحقق العدالة، بل يزيد المجتمع فسادًا واضطرابًا.

ويحمل عنوان المسرحية «الشيطان الأبيض» دلالة رمزية عميقة؛ فلفظة «الأبيض» ترمز إلى البراءة والطهارة في الظاهر، بينما يشير «الشيطان» إلى الشر والفساد الكامن في الداخل. ويعكس هذا التناقض فكرة النفاق الاجتماعي، إذ يُدان الأشخاص بناءً على المظاهر، بينما يختبئ الفساد الحقيقي خلف المناصب والسلطة والوجاهة الاجتماعية. كما أن شخصية فيتوريا تمثل نموذجًا معقدًا؛ فهي ليست ضحية بريئة تمامًا، ولا شريرة مطلقة، بل شخصية إنسانية تتداخل فيها الرغبات والأخطاء والظروف الاجتماعية.

من الناحية الفنية، تتميز المسرحية بلغتها الشعرية المكثفة، وصورها البلاغية القوية، وحواراتها التي تمزج بين الفلسفة والتحليل النفسي. كما اعتمد وبستر على مشاهد العنف والموت لتجسيد سوداوية العالم الذي يصوره، وهي سمة بارزة في المسرح اليعقوبي، الذي ركز على إبراز الجوانب المظلمة للطبيعة البشرية أكثر من اهتمامه بالبطولات التقليدية.

وقد حظيت المسرحية باهتمام واسع من النقاد؛ إذ رأى فيها بعضهم نقدًا لفساد الأنظمة السياسية والكنيسة في عصر النهضة، بينما قرأها آخرون من منظور نسوي بوصفها تكشف ازدواجية المجتمع في الحكم على المرأة، حيث تُحمَّل فيتوريا مسؤولية الانحلال الأخلاقي أكثر من الرجال الذين شاركوها الجريمة. كما اعتبرها نقاد آخرون دراسة عميقة للصراع بين الطموح والضمير، وبين السلطة والأخلاق.

تُعد الشيطان الأبيض واحدة من أعظم المآسي الإنجليزية في عصر النهضة، وتمثل ذروة الإبداع المسرحي لدى جون وبستر. فقد استطاع من خلالها أن يرسم صورة قاتمة لمجتمع يسيطر عليه الفساد والطمع والانتقام، وأن يطرح أسئلة خالدة حول العدالة والأخلاق والطبيعة البشرية.

# مجلة إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم