نقد المجتمع وتعرية الذات بين مسرحية زوج مثالي لأوسكار وايلد ومسرحية أعمدة المجتمع لهنريك إبسن

بقلم د.علي خليفة

هناك تشابه واضح بين مسرحية زوج مثالي لأوسكار وايلد ومسرحية أعمدة المجتمع لهنريك إبسن، فكلا المسرحيتين نرى فيهما نقدا للمجتمع – في الفترة التي كتبت فيها كل مسرحية منهما – ويتشابه – إلى حد ما – النقد فيهما، بأنه كان هناك فساد واضح في المجتمع، لا سيما في السادة الذين يعتلون المناصب الكبرى في المجتمع، فمن الواضح أن كثيرا من هؤلاء السادة الذين يعملون بالسياسة أو بالصناعة أوبالتجارة قد بدءوا حياتهم بارتكاب أخطاء جسيمة، ولكنهم استطاعوا أن يخفوا هذه الجرائم، وصاروا أصحاب مكانة في المجتمع بعد ذلك، وهم يحاولون أن يخفوا هذه الجرائم القديمة ما استطاعوا لهذا سبيلا حتى لا تلوث سمعتهم.

ونرى أيضا تشابها واضحا في بطلي هاتين المسرحيتين، فالسير روبرت في مسرحية زوج مثالي، والسيد بيرنك في مسرحية أعمدة المجتمع – ارتكب كل واحد منهما خطأ كبيرا – أو أخطاء – في الماضي، ولاح تهديد بكشفه في الحاضر، وخشي أن يتم فضحه لو عرف، فاحتال في ذلك كل الحيل؛ حتى لا تنكشف فضيحته بالجرم الذي ارتكبه في الماضي.

وعلى الرغم من هذا التشابه – الذي ذكرته – بين هاتين المسرحيتين فإن هناك مسافة كبيرة في الجودة بينهما، فمسرحية أعمدة المجتمع أحكم بناء وأعلى قيمة فنية من مسرحية زوج مثالي؛ لأن السير روبرت – في مسرحية زوج مثالي – كان كل همه ألا ينكشف سره القديم في أنه بدأ حياته ببيع سر من أسرار الدولة، وحصل من ورائه على مبلغ كبير ساعده في اعتلاء مكانة كبيرة في المجتمع، والوصول لمنصب سياسي بارز، وكان يخشى أن تفضحه الليدي تشيرلي بنشرها خطاب حصلت عليه فيه دلالة على قيامه بهذه الحريمة؛ وذلك خشية أن تلوث سمعته، وحتى لا تهتز صورته أمام زوجته جرترود التي كانت تنظر إليه دائما على أنه زوج مثالي.

وتحل العقدة في هذه المسرحية بهدوء شديد، ودون اعتصار للنفوس، من خلال قدرة تأثير اللورد أرثر على الليدي تشيرلي بإعطائه ذلك الخطاب، وعندما أخذه منها سلمه لصديقه السير روبرت، فاطمأن قلبه، أما زوجته جرترود فاضطر السير روبرت خلال شعوره بالخطر أن يصارحها بالحقيقة، فاستغربت من الأمر، ولكنها ما لبثت أن عادت لها قناعتها بزوجها السير روبرت حين أخبرها مع صديقه اللورد أرثر أنه لا يوجد زوج مثالي تماما، كما أقنعاها بأن حياة الرجل أعلى قيمة من حياة المرأة؛ ولهذا عليها أن تسامح زوجها، ولا تهتز صورته في عينيها، ووافقتهما على ذلك.وهكذا نرى ان الأحداث تجري في هذه المسرحية دون صراع عنيف ينعكس على النفوس ويزلزلها ويجعلها تراجع نفسها، وتأخذ تصورا مختلفا من الأشياء، بل جرى الصراع هادئا، وظل الخطأ الجسيم الذي ارتكبه السير روبرت في حق بلده في طي النسيان، وظل هو في مكانته الرفيعة، كما عادت زوجته لتقديره، مقرة بأن الرجل أعلى قيمة من المرأة؛ ولهذا يجب أن تغتفر كل سقطاته.والأمر مختلف كثيرا في مسرحية أعمدة المجتمع لإبسن عما رأيناه في مسرحية زوج مثالي لأوسكار وايلد، فالسيد بيرنك الذي كانت له أحطاء كثيرة في الماضي، واستطاع أن يستر بعضها وينسب بعضها الآخر لصديقه يوهان – تعرض لهزة عنيفة بمجيء صديقه يوهان من أمريكا، وخاف أن يفضح أسراره، ويشوه صورته في المجتمع، فتنهار مشاريعه الكبرى وثقة المجتمع فيه؛ لأنه من كبار أعمدته.

وعلى الرغم من أن يوهان قد استجاب لتوسلات بيرنك بعدم فضح مخازيه التي فعلها في الماضي ونسبها له فإن بيرنك رغم ذلك حاول أن يتخلص من يوهان بإغراق السفينة التي ستحمله لأمريكا؛ حتى لا يعود لتهديده مرة أخرى، ولكن يتصادف أن يركب يوهان سفينة أخرى، وأن يركب ابن بيرنك هذه السفينة، وعند ذلك يزلزل بيرنك زلزالا شديدا، ويعود إليه بعض الهدوء حين تخبره زوجته أنها علمت بخطة ابنه للسفر إلى أمريكا على هذه السفينة، فذهبت إليها، وأرجعته منها، كما أنها أخبرته أن هذه السفينة التي خطط لإغراقها قد تأخرت في إقلاعها اليوم؛ ولهذا فإنها لم تقلع.وبعد حل كل هذه الأحداث العاصفة لم يعد بيرنك لسابق أمره – كما حدث مع السير روبرت في مسرحية زوج مثالي – بل إنه شعر أن الأحداث العاصفة التي مرت عليه قد زلزلته من الداخل، وشعر برغبة قوية في التطهر من خطاياه القديمة والجديدة، فصارح مجتمعه بكل جرائمه، وشعر عند ذلك براحة في النفس، مهما تكن النتائج التي ستترتب على ذلك.

وكان مما قاله بيرنك في ختام هذه المسرحية عن المرأة: إن أعمدة محتمعه هي المرأة، فقالت له لونا أخت زوجته غير الشقيقة – وهي أخت يوهان أيضا – بل إن أعمدة كل مجتمع لا بد أن تكون في الفضيلة ممثلة في الصدق والحق والوضوح.وبهذا رأينا أنه رغم وجود بعض التشابه في هاتين المسرحيتين فإن هناك اختلافا كبيرا بينهما في الأحداث ونمو الشخصيات، وأن هذا الاختلاف – بلا شك – يحسب لمسرحية أعمدة المجتمع لهنريك إبسن.

أخر المقالات

منكم وإليكم