بقلم مصطفي لغتيري
مقدمة:
تسعى هذه المطبوعة إلى التعريف بالنظرية الأدبية، ووضعها في سياقاتها، وربطها بالمفاهيم الأخرى التي كان لها تأثير كبير على طبيعة الإبداعات الأدبية، ولنا فيها وقفات نستكشف خلالها البعد الفلسفي لتطور النظرية الأدبية، واكتشاف مستوياتها الضرورية الممثلة في الإبداع، التلقي، والنقد، وتحديد ما بينها من وشائج ونقاط تلاقي تستهدف السيرورة الجمالية لنظرية الأدبية ككل. وهذا ما يسمو بالأهداف العلمية لهذه الدراسة والتي تجعل الطالب يتبين معالم نظرية الأدب ومظاهرها، ومعرفة أهم خصائصها، والقضايا التي أثارها المشتغلين بها.
تتناول هذه المادة أصول الأدب ومفاهيمه ومعاييره عبر العصور والحضارات. فضلاً عن إبراز التمايز بين النظريات العامة للأدب والدراسات النقدية في حقول الأدب، وحرصنا على أن تحقق هذه المطبوعة الأهداف التي وضعت من أجلها، من خلال تقديم المعلومة الصحيحة المناسبة، المستندة إلى الدليل الذي يصاحبه بيان للحكمة والتعليل؛ تعليماً للطالب وتمكيناً له؛ حتى يحسن التعامل مع نظرية الأدب.
وقد اقتضى هذا التوجه أن نعرض في هذه المطبوعة لمفهوم نظرية الأدب، ووظيفة الأدب، ونظرية المحاكاة والانعكاس والتعبير والخلق، إلى جانب الأجناس الأدبية، كما عرضنا لأهم النظريات الأدبية.
من جملة الأهداف التي نصبوا إليها من هذه المطبوعة:
- أن يفرق الطالب بين (نظرية الأدب) و(النقد الأدبي).
- أن يدرك الطالب العلاقة بين الأدب والفلسفة.
- أن يطور الطالب إلمامه بالنقد الادبي وآلياته وأسسه.
- أن يتعرف الطالب إلى النظريات الرئيسة في حقل نظرية الادب.
- أن يتعرف الطالب إلى المنطلقات الفلسفية والفكرية للتيارات الأدبية.
- نظرية الأدب: الماهية المفهوم.
مقدمة:
إن قراءة المنجز الأدبي ومساءلته؛ يضعنا أمام حقائق متعلقة بكفاءة التصورات الذهنية والرؤى الفكرية في حقول المعرفة الإنسانية التي أنتجته، وما تمخض عنها من نظريات فلسفية ونقدية، ولما كان الأدب يعدُ من تمظهرات المنجز المعرفي الإنساني، فتشكل وفق حدود تداولية منسجمة في تشكلها اللغوي والفني والجمالي، فتأصلت أنساقه ومبانيه مع مضامينه، مما ساهم في بروز نظريات معرفية تحاول أن تأسس لوظيفة الأدب وطبيعته، وتنهض بأطره ومصطلحاته، فتمخض عن ذلك ما يسمى بنظرية الأدب .
لعل من بين الأفكار التأسيسية التي شكّلت هوية نظرية الأدب المعرفية؛ توالي الممارسات النقدية التي تبنت المنجز الإبداعي في حقل الأدب بمقاربات علمية مختلفة، وفي خضم التطور النقدي المتواصل أصبح من الضروري اللجوء إلى التصنيف، وتكريس المنهج النقدي الذي يعطي الإبداع الأدبي خاصيته، وشكله، ونوعه، وهذا بغية توضيح معالم الإبداع وتمكين صوره الفنية، وترسيم قدرته الدائمة على تبرير وجود النظرية الأدبية كنسق معرفي،وهذا ما زاد من إخصاب النظرية الأدبية واغتنائها بمدد معرفي متساوق مع ماهيتها.
لقد تعددت مفاهيم الأدب واختلفت من عصر إلى آخر، ومن مدرسة لأخرى وبين منهج ومنهج. ويمكن ان نقف مع بعضها كأن نقول: "الأدب شكل خاص من أشكال التعبير، مادته اللغة
1- مفهوم النظرية :
إن الباحث يقف عند كم هائل من التعريفات والمفاهيم المتعلقة بالنظرية، وهذا التعدد مرده إلى تعدد مجالات اشتغال النظرية، وتعدد المرجعيات التي تصدر عنها هذه المفاهيم، وكذا تعدد أزمنتها ودواعيها، ومن تعريفات النظرية ما يأتي:
1/ تصور عام لقضية أو موضوع في علم من العلوم، يقوم على أسس ثابتة من حقائق جزئية أو مطلقة، وعلى جميع النتائج والأبحاث والتجارب، وعلى ترتيب النتائج، حتى يجمع تصوير القضية التي يراد ممراستها في الواقع البشري ويبين مداها وخصائصها، ليقوم على هذا التصور النهج والتخطيط، لتنمو النظرية من خلال الجهد البشري والممارسة و التطبيق، وتتطور بالإضافة أو بالحذف أو التعديل.[1]
2/ مجموعة مترابطة من المفاهيم والتعريفات والقضايا، التي تكون رؤية منظمة للظواهر عن طريق تحديدها للعلاقات بين المتغيرات، بهدف تفسير الظواهر والتنبؤ بها.[2]
3/ مجموعة من المفاهيم المترابطة والتعريفات والفرضيات التي تعرض ظاهرة معينة بطريقة منظمة، حيث تحدد العلاقات القائمة بين العوامل المتغيرة بهدف تفسير حدوث الظاهرة ومحاولة توقع حدوثها[3].
فالنظرية إما أن تكون مرادفة للفكر، وبذلك تكون نظرية الأدب هي نفسها الفكر الأدبي، والتفكير المنهجي الأدبي، أو مجموعة من الأفكار المتماسكة. أو أن تكون فرضا أو مجموعة من الفروض تم التحقيق من صحتها بالملاحظة والتجربة، وبذلك تكون مرشدا للعمل، لا باقتراح الأهداف ، ولكن باستكشاف الحقائق[4]. فهي القواعد والمبادئ توظف لوصف ظاهرة ما سواء كانت علمية او فلسفية أو معرفية أو أدبية، وهي مصطلح النظرية مرتبط بعدد كبير من العلوم منها "علم الفلك ، علم الهندسة ، علم الاجتماع.
2- مفهوم الأدب:
الأدب فن من الفنون الجميلة كالرسم والنحت والموسيقى ونحوها، وجنة ثمينة للتعبير الجميل عن الشعور الصادق وعما يجول في القلوب والنفوس، ووسيلة هامة لإثارة الانفعالات ودعوة الشعوب إلى مقاصدهم الحقيقية، وتصوير المجتمع الإنساني تصويرا دقيقا بأسلوب جذاب . كما هو الكلام الإنشائي البليغ الذي يقصد به إلى التأثير في عواطف القراء والسامعين، سواء كان شعراً أم نثراً[5].
وإذا ألقينا نظرة عابرة على كتب التاريخ الأدبي، فنجد معاني الأدب تختلف عبر العصور والدهور. فإذا رجعنا إلى العصر الجاهلي، فنجد كلمة "آدب" بمعنى الداعى إلى الطعام، فقد جاء على لسان الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد :
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر
ومن ذلك المأدبة بمعنى الطعام الذي يدعى إليه الناس. واشتقوا من هذا المعنى أدُب يأدُب بمعنى صنع مأدبة أو دعا إليها. كما أن هذه الكلمة استعلمت في معنى تهذيبي خلقي، كما جاء في الحديث الشريف ” أدبني ربي فأحسن تأديبي”[6].
وفي العصر الإسلامي نجد هذه الكلمة تدور حول المعنى الخلقي التهذيبي والتعليمي، فالنصوص الأدبية نثرا أو شعرا تشير إشارة واضحة إلى طائفة كبيرة من المعلمين تسمى بالمؤدبين الذين كانوا يعلمون أولاد الخلفاء الطرائف والنصوص القرآنية والشعر والخطب وأخبار العرب وأنسابهم وأيامهم في الجاهلية والإسلام[7].
وإذا انتقلنا إلى العصر العباسي، وجدنا المعنيين التهذيبي والتعليمي، فقد سمي ابن المقفع رسالتين له تتضمان ضروبا من الحكم والنصائح الخلقية والسياسية باسم " الأدب الصغير" و" الأدب الكبير"، وأن أبا تمام سمى الباب الثالث من ديوان الحماسة الذي جمع فيه مختارات من طرائف الشعر، باسم "باب الأدب" وينطبق هذا المعنى تمام الانطباق على كتاب الأدب الذي عقده البخاري في كتابه الشهير في الحديث المعروف بالجامع الصحيح[8].
إن هذه الكلمة منذ أواسط القرن الماضي إلى يومنا الحاضر تدل دلالة إلى حد ما، على معنى يقابل معنى كلمة "Literature" الفرنسية التي تدل على كل ما يكتب في اللغة مهما يكن موضوعه ومهما يكن أسلوبه، سواء كان علما أم فلسفة أم أدبا خالصا، فكل ما ينتجه العقل والشعور يسمى أدبا[9].
3- في مفهوم نظرية الأدب:
وتفريغا لما سبق فإن نظرية الأدب تعنى محاكاة إبداعية ودراسة منهجية عميقة لطبيعة الأدب وطرق تحليله ونقده، مستغلة مجموعة من التصورات التي تحاول تفسير الوقائع العلمية أو التخيلية من أجلاستنباط وتأصيل مفاهيم عامة ، تبين حقيقة الأدب وآثاره[10].
نلاحظ من التعريف السابق أن نظرية الأدب تبحث في نشأة الأدب وطبيعته ووظيفته ، أي أن أحد أركانها هو الأدب وكذلك تبحث في الأديب أدواته ووسائله ، كما تبحث في جمهور القراءة وهذه الأركان الثلاثة هي : (الأدب ، والأديب ، والقارئ) . وهذا يعني أيضا أنها تتداخل مع فرعين مهمين هما : النقد الأدبي . التاريخ الأدبي . فكلهم يهتمون بالأركان الثلاثة ولكن هذا التداخل بين نظرية الأدب والنقد والتاريخ ، لا ينفي استقلالية نظرية الأدب ويؤكد الاختلاف بينهما وبين غيرها .
فالمؤرخ الأدبي : يتعامل مع النص ليبين الظروف والملابسات التي احاطة بالنص وبصاحبه . أما الناقد : فهو يهتم بتبيين مواطن الجودة وأسبابها ، وقد يبين انفعالها وهدفهم في النهاية أن يصدر حكماً تقويما على النص . أما المنظر الأدبي : فإنه يهتم بجملة من النصوص ، لا ليصدر أحكاما أو يصور انفعاله إزاء هذه الأعمال ، وإنما لكي يستنبط أحكاماً عامة وشاملة تبين حقيقة الأدب وهدفه وأثره .
إن النظرية في الدراسات الأدبية ليست تقريرا لطبيعة الأدب أو مناهج دراسته ووظيفته ومعاييره وأجناسه الرئيسية، إنما هي مجموعة من الممارسات في التفكير والتخييل والكتابة والدراسة. وأن الفيلسوف "ريتشارد روني" قد ساق الكلام عن نوع أدبي جديد " تطور نوع جديد من الكتابة في بداية عصر "غوتة" و"ماكولاي" و"كارلايل"، وهذا النوع الجديد من الكتابة ليس تقييما للمزايا النسبية للمنتجات الأدبية، ولا للتاريخ ولا للفلسفة الأخلاقية ولا للتنبؤ الاجتماعي، ولكنه كل هذه الأشياء ممتزجة مع بعضها البعض في نوع أدبي جديد[11].
4- مهام نظرية الأدب :
تتداخل مهام نظرية الأدب مع مهام النقد الأدبي وتاريخ الأدب ، والناقد لابد له من الاستناد على نظرية أدبية قبل تعامله المباشر مع النصوص الأدبية.
فالنقد الأدبي أقدم من نظرية الأدب ، للنقد تاريخ طويل يمتد من خلال أفلاطون ، أما نظرية الأدب فقد ظهرت خلال النصف الثاني من القرن العشرين خاصة سنوات 1960-1970 من القرن الماضي ،والنقد الأدبي يعنى بتقييم وتفسير العمل الأدبي ويعطي أهمية للعناصر الجمالية فيه ،ويصدر حكما عليه وفي حين النقد يرتكز أكثر على الخصائص المتأصلة في العمل الأدبي .
تحاول نظرية الأدب اكتشاف علاقة النص بعوامل خارجية مثل علاقة النص بالكاتب والقارئ واللغة والمجتمع والتاريخ ، والنظرية تغني النقد وتعطيه بعدا فلسفيا ولكن أهم ما يميز النقد عن النظرية هو أن النظرية تثير شكوكا حول مادة العمل الأدبي وأيضا حول أساس عملها وتطبيقها ،أي أنها تثير الشكوك في عملية التفسير أو التحليل الأدبي أو بمعنى آخر في طريقة فهمنا وإدراكنا للعمل الأدبي .
عن جامعة الجفلة الجزائر


