العربية بين منطقها الداخلي ووظيفتها الحضارية: نحو معياريةٍ حيةٍ في الزمن الرقمي:
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ليست اللغةُ كياناً صوتيّاً عابراً، ولا مجرّد مخزنٍ تراثيٍّ نُجلّه ونبكي على أطلاله، بل هي نظامٌ معرفيٌّ متكامل، ومنطقٌ داخليٌّ يضبط العلاقات بين الألفاظ والمعاني، ويشيِّد رؤيةً للعالم. ومن ثمّ فإنّ الدعوة إلى جعل العربية لغةً معياريةً وظيفيةً ليست حنيناً عاطفيّاً، بل ضرورةً حضارية، تقتضي إعادة تفعيل منطقها، واستثمار تاريخها، وتكييفها مع شروط العصر.
أولًا: منطق اللغة… التعليل بوصفه عقلًا باطناً .
إنّ أعظم ما ميّز الدرس النحوي العربي منذ نشأته أنه لم يكتفِ بالوصف، بل طلب التعليل؛ فرفع الفاعل، ونصب المفعول، وجرّ المضاف إليه، لم تكن عند النحاة أحكاماً اعتباطية، بل نتائجَ منطقيةً لبنيةٍ عميقة. لقد شيّد سيبويه في كتابه صرحاً يقوم على فكرة العامل، فجعل الإعراب أثراً لعلاقة، لا حركةً ميكانيكية. فالفاعل مرفوع لأنه مسندٌ إليه الفعل، والمفعول منصوب لأنه محلّ وقوع الحدث؛ أي إنّ العلامة الإعرابية ترجمةٌ لعلاقةٍ ذهنية.
وكذلك الأمر في تقديم الخبر على المبتدأ؛ فليس التقديم شذوذاً، بل استجابةٌ لاعتباراتٍ دلالية: تخصيص، أو قصر، أو عناية بالمسند. إنّ العربية، في جوهرها، لغةُ عللٍ لا لغةُ مصادفات؛ كلّ ظاهرةٍ فيها قابلةٌ لأن تُقرأ في ضوء منطقها الداخلي.
وإذا وسّعنا النظر إلى المقارنة بين اللغات، وجدنا أنّ تذكير اسمٍ في العربية وتأنيثه في لغةٍ أخرى لا يعني اضطراباً، بل اختلافاً في التصنيف الثقافي. فاللغة ليست مرآةً للطبيعة فحسب، بل مرآةٌ للتصوّر. ومن هنا تتلاقى العربية مع الفكر اللساني الحديث عند فرديناند دو سوسير الذي رأى في اللغة نظاماً من العلاقات، لا قائمةً من المفردات. فالمعنى ينشأ من الفرق، لا من الجوهر المفرد.
ثانياً: البعد الزماني… المشيخة الضاربة في العمق.
لا معيارية بلا تاريخ. فاللغة التي لا تمتلك أرشيفاً نظريّاً عميقاً تظلّ هشّةً أمام العواصف. والعربية تملك «مشيخة» علمية تمتدّ إلى القرن الثاني والثالث الهجري، حيث تأسّست مدارس البصرة والكوفة، وتبلورت نظريات في الصوت والصرف والنحو والدلالة.
إنّ استحضار جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه العينيّ ونظريته في العَروض، ليس احتفاءً بالماضي، بل استعادةٌ لمنهجٍ استقرائيٍّ دقيق. لقد حوّل الخليل اللغة إلى نظامٍ رياضيٍّ في الإيقاع، وأرسى بذور ما يمكن أن نسمّيه اليوم «النظرية الخليلية» في تحليل البنى. وهذا الامتداد الزمني يمنح العربية شرعيةً معيارية؛ إذ ليست لغةً طارئة، بل منظومةً صقلتْها قرونٌ من النظر.
وفي المقابل، فإنّ اللسانيات الحديثة في جنيف — حيث درّس دوسوسير — لم تولد في فراغ، بل في سياقٍ تاريخيٍّ خاص. إنّ المقارنة بين البصرة وجنيف ليست مفاضلةً، بل وعيٌ بأنّ لكلّ مدرسةٍ سياقها، وأنّ الحوار بين التراث والحداثة هو شرطُ الإحياء.
ثالثاً: البعد المكاني… الجغرافيا بوصفها أفقاً معرفيّاً
لم تكن البصرة والكوفة مدينتين فحسب، بل مختبرين فكريّين. ففي الأولى غلب القياس والصرامة المنهجية، وفي الثانية حضرت الرواية والمرونة. إنّ هذا التعدّد المكاني أغنى النظرية النحوية، وجعلها قابلةً للاجتهاد.
واليوم، لا بدّ أن يتّسع «المكان» ليشمل الفضاء الرقمي. فالمعيارية الحديثة لا تُبنى في الكتب وحدها، بل في قواعد البيانات، ومحركات البحث، ونظم الترجمة الآلية. إنّ حضور العربية في هذا الفضاء هو شرط بقائها لغةً فاعلة، لا أثراً متحفيّاَ.
رابعاً: شرط التكييف… من التراث إلى الذكاء الاصطناعي
اللغة التي لا تتكيّف تموت ببطء. وقد أثبت التراث العربي قابليته للتكييف؛ فتحوّلت اجتهادات الخليل وسيبويه إلى نظريات قابلةٍ للتطوير. واليوم، يفرض الذكاء الاصطناعي سؤالاً جديداً: هل للعربية «عملة» في السوق الرقمية؟
إنّ تكييف العربية مع تقنيات المعالجة الحاسوبية يقتضي:
تقعيداً معياريّاً واضحاً يحدّ من الفوضى الإملائية والنحوية.
تطوير معاجم رقمية تعتمد الجذور والبنى الاشتقاقية.
بناء نماذج لغوية تراعي خصائص الإعراب والتصريف.
فاللغة ليست ملكاً للبلاغة وحدها، بل أداةُ إنتاجٍ معرفيّ. وإذا لم تدخل العربية في اقتصاد المعرفة، ستظلّ خارج معادلات التأثير.
خاتمة: معيارية حيّة لا قداسة جامدة.
إنّ الاهتمام بالعربية لا يعني تحنيطها، بل تحريرها من التقديس السلبي. معيارية اللغة لا تُبنى على الشعارات، بل على ثلاثة أركان: منطقٌ داخليٌّ مُعلَّل، وعمقٌ زمنيٌّ يمنح الشرعية، وقدرةٌ على التكيّف مع شروط العصر.
بهذا فقط تصبح العربية لغةً معياريةً وظيفية؛ لغةً لها جذورٌ في البصرة، وأجنحةٌ في جنيف، وحضورٌ في خوارزميات الذكاء الاصطناعي. عندئذٍ لا تكون العربية تراثاً يُستعاد، بل طاقةً تُستثمر، ولا ذكرى تُبكى، بل مستقبلاً يُصاغ.
******************************************
– المصادر:
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية


