من سبلان المدينة إلى حنفيات البيوت.. مياه الفيجة
بجهود رفيقة وأيادٍ وطنية مخلصة، تحول حلمٌ راود أهل دمشق لعقود إلى واقع، فتدفقت مياه نبع الفيجة العذبة إلى بيوتهم، لتُنهي عصراً من المعاناة مع مياه الأنهار غير النقية.
في مطلع القرن العشرين، وتحديداً في عام 1908، خطت مدينة دمشق أولى خطواتها نحو تحديث نظام مياه الشرب. ففي عهد الوالي العثماني ناظم باشا، تم جرّ جزء من مياه نبع الفيجة إلى المدينة عبر أنبوب من الحديد الزهر (الفونت) قطره 250 ملم، لتصب في خزانين رئيسيين أقيما في المناطق الشمالية المرتفعة؛ الأول خزان العفيف بسعة 2000 متر مكعب، والثاني خزان ظبيان بسعة 500 متر مكعب . كان هذا المشروع الأولي يغذي نحو 400 سبيل منتشرة في الأحياء، حيث كانت المياه تجري بمعدل ساعتين صباحاً ومساءً. ورغم أن هذه الكمية كادت أن تسد حاجة السكان من مياه الشرب، إلا أن الأهالي ظلوا مضطرين لاستخدام مياه الأنهار للأغراض المنزلية الأخرى، وهو ما كان يُشكل خطراً صحياً مستمراً لعدم نقائها.
بقي الوضع على هذا الحال حتى العام 1923، حين برزت شخصية وطنية من صميم النسيج الدمشقي، هو لطفي الحفار، الذي ولد في دمشق عام 1885 لعائلة تجارية عريقة. لمس الحفار، الذي كان حينها نائباً لرئيس غرفة تجارة دمشق، المعاناة اليومية لأبناء مدينته من نقص المياه النظيفة، فقرر خوض معركة تنموية وطنية بامتياز. أسس الحفار مع نخبة من تجار دمشق الكبار “جمعية ملاكي المياه”، وهي أول جمعية تعاونية في سوريا، لتكون درعاً وطنياً في مواجهة أطماع الشركات الأجنبية، وخصوصاً الفرنسية منها، التي سعت للاستئثار بهذا المورد الحيوي خلال فترة الانتداب الفرنسي.
جُمع رأس المال اللازم للمشروع، والبالغ 270 ألف ليرة ذهبية عثمانية، بطريقة مبتكرة ومتأصلة في وعي السكان، وهي بيع “حقوق ارتفاق دائمة” على الماء، حيث بلغت قيمة حق الارتفاق للمتر المكعب الواحد 30 ليرة ذهبية. كان إقبال الأهالي على شراء هذه الحقوق استثنائياً، مدفوعين بإيمانهم بجدوى المشروع وبتعطشهم للمياه النقية. أوكلت دراسة المشروع وتصميمه إلى شركة فرنسية، وبُدئ بالتنفيذ عام 1924، غير أن الأحداث السياسية، وعلى رأسها الثورة السورية الكبرى (1925-1927)، تسببت في توقف الأعمال بين عامي 1926 و1928، لتستأنف بعد ذلك حتى اكتمل المشروع العظيم.
في عام 1932، أبصر مشروع لطفي الحفار النور، وتم تدشينه بوصول مياه الفيجة النقية إلى داخل البيوت على أوسع نطاق، عبر شبكات توزيع نظامية، ليُحدث ثورة حقيقية في حياة الدمشقيين اليومية ويقضي على الأمراض المرتبطة بتلوث المياه . كانت هذه اللحظة تتويجاً لنضال وطني واقتصادي، وجسّدت رؤية الحفار ليس فقط كمهندس مياه، بل كمخطط حضري محب للعمران العربي، انعكس ذلك على بناء “مصلحة الفيجة” في منطقة الحجاز. استمرت الجمعية التعاونية في إدارة هذا المرفق الحيوي بنجاح كبير حتى عام 1958، حيث أمّمت الدولة السورية مؤسسة المياه في عهد الوحدة مع مصر، لتتحول إلى ملكية عامة.
وهكذا، تظل قصة وصول مياه الفيجة لبيوت دمشق علامة فارقة في تاريخ العمل الأهلي والسياسي السوري. لقد جسد لطفي الحفار ورفاقه، الذين رحل عن عالمنا عام 1968، أسمى معاني الوطنية من خلال مشروع تنموي بحت، رُسم بدقة ونُفذ بإخلاص ليتجاوز كونه مجرد شبكة مياه، ليخلد ذكرى إرادة شعب انتزع حقه في الحياة الكريمة بجهود أبنائه البررة.
المصدر صفحة سائليني ياشام
التحرير:#سوريات_souriat


