من أجلها تشرق الشمس .. حكاية نفرتاري كما رآها رمسيس

دينا أبو شادي

من القصر إلى القلب: لقاء لم يكن عادياً

لم يكن رمسيس الثاني مجرد حاكم عادي في  تاريخ مصر القديمة، بل كان رمزاً للقوة والنفوذ رجلاً نشا على فكره المجد والسيطرة وعلى ان اسمه يجب ان يُخلد بين اعظم من حكموا الارض، ومع ذلك وسط هذا العالم الصاخب بالحروب السياسيه ظهرت في حياته امرأه لم تكن عابره بل كانت كحدث غير مسار حياته بالكامل ..نفرتاري، لم تصل لنا قصه لقائهما بشكل دقيق ولكن المؤكد من النقوش والاثار أن نفرتاري كانت حاضره منذ السنوات الاولى لحكمه وانها لم تكن زوجه متاخره او هامشيه .

اسمها نفسه الذي يعني “جميله الجميلات” لم يكن مجرد وصف شكلي بل انعكاس لمكانتها الرفيعه ولموقعها الخاص في قلب الملك ، وفي ذلك الزمن كانت زيجات الملوك غالباً تُبنى على التحالفات السياسية أو على تقويه النفوذ أو توحيد العائلات الحاكمة ، لكن علاقه رمسيس بنفرتاري كانت مختلفه، كانت اقرب إلى اختيار شخصي أو إلى انجذاب حقيقي لم تحكمه المصالح فقط ، كان واضحا من البدايه ان هذه المرأة ليست كغيرها وانها لم تكن مجرد اسم يذكر في قائمه زوجات الملك، بل ستصبح الوجه الذي يرافقه في كل شيء تقريبا.

أكثر من ملكة: عندما يصبح الحب قراراً ملكياً
في مصر القديمه ، لم تكن المشاعر تعرض بسهوله بل كانت تخفى خلف الرموز والطقوس وكان الملك دائما ما يظهر في صوره الإله او القائد الذي لا يتاثر بأي شيء، الذي يقف فوق الجميع شامخاً بلا ضعف، ولكن رمسيس الثاني فعل شيء مختلف … قرر ان يظهر حبه لا بالكلمات فقط بل بالأفعال .

عندما ننظر إلى النقوش في المعابد تظهر نفرتاري إلى جواره بشكل لافت ليس في الخلف كما اعتاد الفن المصري القديم ، بل في موقع يوازي حضوره وكأنها ليست مجرد زوجه بل شريكه في الصور والرموز، وهذه لم تكن صدفه بل إنها رساله واضحه ان هذه المرأة تعني شيئا استثنائيا في الاعمال الفنيه كان الملك يصور بحجم اكبر بكثير من باقي الشخصيات كدليل على عظمته ، لكن مع نفرتاري اختفى هذا الفارق احيانا وكأن الفن نفسه خضع لمشاعر الملك وجسدها على الجدران.

في اقصى جنوب مصر حيث يلتقي النيل بالصحراء في مشهد مهيب، يقف معبد ابو سمبل شاهد على واحد من أجمل الرسائل في التاريخ ، لم يكن هذا المكان مجرد مشروع معماري ضخم بل كان بياناً شخصياً من ملك الى امرأه أحبها .. لملكة مصر، بجوار المعبد الكبير الذي يخلد انتصارات رمسيس الثاني يوجد معبد اصغر حجماً لكنه اكبر في المعنى، لأنه مخصص بالكامل لنفرتاري..

ما يلفت النظر فوراً هو ان تماثيل نفرتاري على واجهه المعبد جاءت بنفس حجم تمثال الملك حيث انه يعكس مكانتها وهذا التساوي لم يكن مجرد اختيار جمالي بل كان تصريحًا واضحاً بأن نفرتاري لا تقل عن الملك نفسه ، وداخل المعبد تظهر الملكه مرتبطة الالهه حتحور رمز الأمومة، الحب والجمال، و أراد رمسيس ان يمنحها صفه مقدسة وان يرفعها الى مستوى يتجاوز البشر وبين النقوش تظهر كلمه تعبر عن مشاعر عميقه ومن اشهر تلك العباره التي اصبحت رمزاً “من اجلها تشرق الشمس” هذه الجمله رغم بساطتها ولكنها تحمل معنى هائل، ولم يكن هذا المعبد مجرد بناء بل اصبح رساله منحوته في الصخر لأجيال.

قصة لا تموت : لماذا مازلنا نتذكرها حتى اليوم؟

مرت القرون ومع ذلك ما زالت قصتهما حاضره تُروى وتُكتب وتدهش كل من يسمعها وكل من يراها، السر ليس في انها قصه حب بل انها قصه يمكن رؤيتها ولمسها ليس مجرد كلمات ..بل معابد قائمه ونقوش واضحه والوان لم تختفي، عندما يقف اي انسان امام معبد ابو سمبل او يدخل مقبره نفرتاري يشعر ان هذه القصه حقيقيه ليست خيالاً او مبالغه ، هذا الحضور المادي هو ما منحها الخلود وجعلها تتجاوز حدود الزمن، لكن هناك سببا اخر اعمق هو أن القصه تظهر جانبا إنسانياً نادراً في شخصيات الملوك العظام ، نحن نعرف رمسيس كقائد وجندي وبناء لكننا هنا نراه كشخص مختلف تماما ، يعرف مكانه المرأة ويخلدها بكل ما يملك وهذا ما يجعل القصه قريبه من اي انسان مهما اختلف الزمني والمكان قد تسقط الامبراطوريات وتختفي الاسماء ولكن المشاعر الصادقه تظل وتجد طريقها للبقاء.

******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم