جوزيف حيلو – ملك الطوابع البريدية التذكارية في حلب
بقلم الأستاذ عبد الرحمن الجاسر
هل كنتم من هواة جمع الطوابع البريدية التذكارية في ستينات وسبعينات القرن الماضي؟
إذا كنتم كذلك، فلا بد أنكم دخلتم يوماً ذلك المحل الصغير الواقع في شارع التلل بحلب، لصاحبه الراحل جوزيف حيلو، الذي افتتحه قبل نحو تسعين عاماً، وأصبح مع مرور الزمن واحداً من أشهر محال بيع وشراء الطوابع البريدية التذكارية في المدينة.
كان جوزيف حيلو شخصية لها بصمتها الثقافية الخاصة في حلب، وما يزال كثير من أبناء المدينة يتذكرون دكانه الصغير وما كان يعرضه من طوابع ومجموعات وبلوكات ومغلفات ختم اليوم الأول.
وقد تعاملتُ شخصياً مع محله عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية بمدرسة الحكمة، واقتنيت من عنده مئات الطوابع الجميلة والمجموعات والبلوكات ومغلفات ختم اليوم الأول. كما علّمني كيف أحافظ على الطوابع وأرتبها داخل ألبومات خاصة سوداء اللون، وما تزال تلك الألبومات محفوظة حتى اليوم ضمن أرشيفي.
ومررتُ مؤخراً بشارع التلل في حلب، فتذكرت ذلك المحل الذي تبدل حاله اليوم، وخطر ببالي أن أوثق قصة صاحبه وشخصيته. لكنني كنت أفتقر إلى المادة التاريخية اللازمة، فالرجل رحل منذ سنوات، ولم يكن هناك من يعرف الكثير عنه أو عن أسرته.
لكن كما يقال: «رب صدفة خير من ميعاد».
فقد علّق أحد الأشخاص مؤخراً على منشور لي في إحدى مجموعات التواصل الاجتماعي، وكان السيد هنري حيلو، المقيم في السويد. ومن باب الفضول سألته إن كان يعرف بائع الطوابع الحلبي جوزيف حيلو، فجاءت المفاجأة عندما أجابني قائلاً:
«إنه والدي رحمه الله»!
ومن هنا بدأت رحلة البحث والتوثيق عن هذه الشخصية التي ما تزال عالقة في ذاكرة أجيال كثيرة من شباب حلب، والتي امتلكت أحد أشهر المحال المتخصصة بالطوابع التذكارية في المدينة.
《 جوزيف حيلو 》
وُلد جوزيف حيلو في مدينة ماردين عام 1911، ونجا مع أسرته من مذابح عام 1914، ثم هاجروا باتجاه مدينة حلب واستقروا فيها.
تعلّم اللغة الفرنسية في مدرسة الأب باليان بحي السليمانية، كما أجاد الأرمنية والتركية والإنكليزية، وكان يعرف قليلاً من اللغة الكردية. وعمل خلال فترة الانتداب الفرنسي لدى أحد المحامين في حلب.
وعندما أصبح شاباً، توظف في مديرية تخزين الحبوب في بلدة الدرباسية، ثم عاد من جديد إلى مدينة حلب، حيث بدأ مرحلة جديدة من حياته.
في عام 1938، أسس جوزيف، بالاشتراك مع أخيه جورج، محلاً لبيع وشراء الطوابع البريدية التذكارية. وكان موقع المحل في بداية شارع التلل، بالقرب من مدخل خان الهوكيدون.
كان المحل صغيراً، لكنه كان كافياً لتأمين معيشة أسرتين. وبعد وفاة شقيقه جورج عن عمر ناهز 65 عاماً إثر مرض عضال، تابع جوزيف العمل في المهنة نفسها وفي المحل ذاته.
ومع مرور السنوات، أصبح المحل مقصداً للكثير من شخصيات حلب، إضافة إلى طلاب المدارس من هواة جمع الطوابع التذكارية. وكان من زبائنه أيضاً المندوب الفرنسي في حلب.
وهكذا تحوّل ذلك الدكان الصغير في شارع التلل إلى عنوان معروف لكل من اهتم بهواية جمع الطوابع في المدينة، خصوصاً خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي.
📮 أربعة عقود مع الطوابع
عمل جوزيف حيلو في دكانه نحو 42 عاماً، وظل مرتبطاً بمهنته حتى وفاته عام 1980 في حلب، عن عمر ناهز 69 عاماً.
برحيله، انتهت مرحلة طويلة من حياة ذلك المحل، إلا أن مهنته لم تنتهِ مباشرة، فقد تابع ابنه هنري حيلو، المولود في حلب عام 1945، العمل في الدكان.
لكن هواية جمع الطوابع بدأت تخف تدريجياً خلال ثمانينات القرن الماضي، الأمر الذي دفع هنري إلى تغيير نشاط المحل، فتحول إلى بيع الهدايا والعطورات تحت اسم «موستاش».
وبسبب ما تعرض له من مضايقات من قبل التموين، باع المحل لاحقاً، ثم افتتح مطعم الطيب في حارة الجب بحي السليمانية.
كما أدار هنري وكالة ساعات أوميغا بجانب سينما الكندي لمدة 18 عاماً، وكان المحل تابعاً للمؤسسة العامة للتجارة الحكومية، ثم عمل لاحقاً في السوق الحرة بمنطقة العزيزية.
وفي عام 1990، قرر هنري تصفية أعماله والهجرة مع أسرته إلى السويد، حيث ما يزال مقيماً هناك.
🕊️ حكاية اسم «حيلو»
أما عن معنى الكنية «حيلو»، فيروي السيد هنري أن اسم والد جده كان عبدالأحد نجيم، وقد وُلد في مدينة ماردين وتوفي فيها عن عمر ناهز 125 عاماً.
وبسبب بنيته القوية، كان الناس في ماردين يلقبونه بـ «عبد الحيل»، إذ إن كلمة «الحيل» في السريانية تعني القوة. ومع مرور الزمن تحولت هذه التسمية إلى الكنية «حيلو» بدلاً من «نجيم».
والأسرة من الأرمن الكاثوليك، مع الإشارة إلى أنهم لم يكونوا يتكلمون اللغة الأرمنية.
🏛️ ذاكرة محل من شارع التلل
إنها قصة أسرة هاجرت من مدينة ماردين في بدايات القرن الماضي، وحطت رحالها في مدينة حلب، ثم كافح أحد أبنائها، جوزيف حيلو، ليؤسس محلاً صغيراً أصبح مع الزمن عنواناً معروفاً لهواة الطوابع في سوق التلل.
رحل جوزيف حيلو عام 1980، وأغلق معه فصل من فصول الحياة التجارية والثقافية القديمة في حلب.
لكن الطوابع التي باعها، والمجموعات التي جمعها، والألبومات التي ساعد أبناء المدينة على ترتيبها وحفظها، بقيت موزعة في بيوت الحلبيين، شاهدة على زمن كانت فيه هواية جمع الطوابع جزءاً من حياة جيل كامل.
رحل جوزيف حيلو… وظلت طوابعه بصمةً في ألبومات ومجموعات العديد من الشباب الحلبي، وبقيت حكايته واحدة من تلك الحكايات الصغيرة التي تصنع في مجموعها ذاكرة حلب القديمة.
الصورة تم تلوينها وترميمها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
الصورة الأصلية القديمة من أرشيف الأستاذ عبد الرحمن الجاسر.


