ملامح الشخصيات الرئيسة في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير وأبعاد تأثيرها على الأحداث فيها

صور شكسبير الشخصيات الرئيسة قي مسرحية يوليوس قيصر بروعة كبيرة، فقد أطلعنا على أعماق نفوسها، وعرفنا مبررات الأفعال التي قامت بها في هذه المسرحية، وكانت براعة شكسبير في تصويره لهذه الشخصيات الرئيسة في هذه المسرحية من أهم أسباب روعتها وكثرة عروضها والدراسات عنها.وسنجد أن هناك فروقا واضحة بين هذه الشخصيات الرئيسة في هذه المسرحية وبين وجودها في كتب التاريخ التى استمد منها شكسبير أحداث هذه المسرحية وشخصياتها، فهذه الشخصيات في كتب التاريخ بلا أعماق نفسية، وأحيانا لا نتعرف على مبررات مقنعة لبعض تصرفاتها، أما وجودها في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير فعلى العكس من ذلك، فهي شخصيات ذات أبعاد مختلفة، وأطلعنا شكسبير على أعماقها النفسية، وما يختلج فيها، وأقنعنا بكل الأفعال والأقوال التي قامت بها أو صدرت منها في هذه المسرحية، وجعلتها بهذا التماسك الشديد.

وأول هذه الشخصيات الرئيسة في هذه المسرحية هو شخصية يوليوس قيصر نفسه الذي سميت المسرحية باسمه، وعلى الرغم من أنه يقتل في بدايات الفصل الثالث فإن أثره ظل موجودا طوال فصول هذه المسرحية حتى الفصل الخامس والأخير منها؛ ولهذا رأى بروتس شبحه مرتين خلال استعداده مع كاسياس وجيشيهما لحرب جيشي أنطونيو وأوكتافيوس، وقد تنبأ شبح يوليوس قيصر لبروتس بالهزيمة، وحدث ما توقعه.وعندما انهزم جيشا بروتس وكاسياس، وهم كل واحد منهما على حدة بالانتحار قالا: إن قيصر قد انتصر، وثأر لنفسه.

وتبدو شخصية قيصر من خلال المشاهد التي ظهر فيها، ومن خلال الخطبة التي ألقاها بروتس في تأبينه – وهيج بسببها الشعب في روما على الذين قاموا باغتياله، لا سيما بروتس وكاسياس – أنه شخص نبيل، وشجاع، وشديد الاعتداد بنفسه، وعلى معرفة بمكنون الأشخاص الذين يتعامل معهم، ولكن ثقته الكبيرة بنفسه تعميه أحيانا عن الاحتياط للخطر؛ مما سهل للمتآمرين بقيادة كاسياس اغتياله.

وبروتس هو أكثر الشخصيات ظهورا في هذه المسرحية، وهو شخص فاضل، ويقدر النبل والأخلاق الفاضلة، وقد شارك المتآمرين على قيصر في اغتياله؛ لأنه خشي إن انفرد يوليوس قيصر بحكم الإمبراطورية الرومانية أن يتحول لحاكم جبار ديكتاتور، ورغم أنه لم يبد من يوليوس قيصر ما يدل على ذلك، ولكن كاسياس استطاع بمكره أن يوهم بروتس بهذا، كما أنه قد أكد هذا الهاجس عند بروتس عندما جعل بعض الأشخاص يلقون من خارج إحدى نوافذ بيت بروتس لداخله أوراقا تدل على الشكوى من جبروت قيصر والخوف لتحوله لحاكم ديكتاتو عند انفراده بحكم الإمبراطورية الرومانية، وأراد كاسياس بهذا أن يوهم بروتس أن هذه الشكاوى من يوليوس قيصر هي من أبناء الشعب؛ مما حفزه للانخراط مع المتآمرين على قتل بوليوس قيصر.ومما يدل على حسن خلق بروتس أنه كان يرفض ما يقوم به كاسياس وقادة جند جيشه – خلال الاستعداد لمواجهة جيشي أنطونيو وأوكتافيوس للمعركة الحاسمة بينهم – من أخذ الرشاوى، والإساءة لأهالي البلاد التي يستقر فيها جيشه استعدادا لهذه المعركة.وأيضا مما يؤكد على حسن خلق بروتس وأنه خدع من قبل كاسياس – على وجه الخصوص – في التآمر على يوليوس قيصر أن أنطونيو قال أمام جثته بعد انتحاره: – وقد انتحر بروتس حين علم بانهزام جيشه وجيش كاسياس أمام جيش أنطونيو – إنه أشرف الرومان، وهو وحده من بين كل من تآمروا على قيصر كان حسن النية، وكان لا يرغب في مصلحته الشخصية، لكن في مصلحة روما.

أما عن شخصية كاسياس في هذه المسرحية فهو شخص شديد الذكاء وواسع الحيلة، ولديه قدرة كبيرة في كيد المؤامرات والتأثير في الآخرين، وهو أيضا شخص لديه طموح كبير، وفي نفسه حسد وحقد على كل شخص يبدو له أنه في منزلة أعلى منه؛ ولهذا حقد على يوليوس قيصر، وقاد التآمر على اغتياله.وكاسياس لا يستنكف عن استخدام أي وسائل شريفة أو غير شريفة في سبيل تحقيق مآربه، ومع ذلك فهو لا يخلو من قدر من النبل؛ ولهذا لم يقبل توجيه بروتس له ولقادة جنده اتهامهم بأخذهم الرشاوى، فرد عليه بحدة، وكذلك لم يقبل بعد هزيمة جيشه وما عرفه خطأ من هزيمة جيش بروتس من جيش أوكتافيوس – أن يؤخذ أسيرا، فانتحر، ووقف بروتس أمام جثته، فنعاه، وقال: إنه من أنبل رجال روما.أما أنطونيو فقد ظهر في بداية أحداث هذه المسرحية شخصا لاهيا يحب الشراب ومجالس اللهو، ولكنه صار شخصا آخر حين علم باغتيال يوليوس قيصر – الذي كان يكن له حبا شديدا – وما أشبهه في ذلك بامرئ القيس الذي كان أيضا لا هيا في شبابه حتى بلغه مقتل والده، فقال قولته الشهيرة: اليوم خمر، وغدا أمر، وتفرغ باقي حياته للثأثر لوالده.واتصف أنطونيو أيضا بموهبته في الخطابة والتأثير في الناس؛ ولهذا استطاع بلباقة كلامه في الخطبة التي رثى فيها يوليوس قيصر أن يقنع عامة الناس بمزاياه العديدة، وأنه لم يكن ينوي الانفراد بالحكم وأن يصبح حاكما جبارا؛ وكانت هذه الخطبة سببا مهما في انقلاب الرومان على المتآمرين على يوليوس قيصر؛ مما جعلهم يغادرون روما؛ خوفا من انتقام أبناء الشعب الروماني منهم، وكذلك بدا أنطونيو في هذه المسرحية قائدا عسكريا قديرا، فهو الذي حول هزيمة جيش أوكتافيوس أمام جيش بروتس لنصر.أما أوكتافيوس فقد ظهر في هذه المسرحية شخصا مغرورا مندفعا؛ ولولا وجود أنطونيو معه في الحرب على المتآمرين على يوليوس قيصر وأتباعهم لانهزم أوكتافيوس وجيشه.أما عن العنصر النسائي في هذه المسرحية فدوره محدود فيها؛ لأن أحداثها عن جريمة التآمر لاغتيال يوليوس قيصر والأحداث التي تلت ذلك في الحرب على هؤلاء المتآمرين وأتباعهم؛ ولهذا – كما قلت – لم يكن للعنصر النسائي دور كبير في هذه المسرحية.وأهم امرأتين ظهرتا في هذه المسرحية هما بورشيا زوجة بروتس، وكالبورنيا زوجة يوليوس قيصر، وقد بدت بورشيا في المشاهد القليلة التي ظهرت فيها في هذه المسرحية طيبة، وزوجة محبة لزوجها بروتس، وشديدة الخوف عليه لما تراه من انشغاله بأمر ما، وعندما تعرف أن بروتس قد فر من روما بعد انقلاب أهل روما عليه وعلى بقية المتآمرين على قيصر وأتباعهم، وعندما تعرف أيضا بخطورة وضعه – فإنها تقدم على الانتحار.أما كالبورنيا زوجة يوليوس قيصر فقد ظهرت في هذه المسرحية امرأة ذكية وشديدة الخوف من ثقة قيصر الكبيرة في نفسه، حتى إنه لا يعبأ بأن تكون هناك مؤامرة على حياته، ونبهته هي لاحتمال وجودها، ورغم ذلك فلم تستطع إنقاذه من هذه المؤامرة.وبهذا رأينا قدرة شكسبير الكبيرة في تصوير الشخصيات الرئيسة في هذه المسرحية، وأطلعنا بعبقريته على دوافع أفعالها من خلال استبطانه نفوسها، حتى بدت كأنها شخصيات حية تعيش بيننا، وليست مجرد شخصيات كتبها في مسرحية.

بقلم د.علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم