•• كتب الأديب خالد رحمة :
بديع صقور: سيرةُ الكلمة بين البحر والبنفسج والذاكرة
مقاربة ببليوغرافية وأنطولوجية في تجربة الشاعر والأديب السوري بديع صقور
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
تأتي السيرة الأدبية، في جوهرها، أبعد من أن تكون جرداً للأسماء والتواريخ والعناوين؛ فهي محاولة لاستنقاذ الإنسان من عابر الزمن، وإعادة بناء صورته في الذاكرة من خلال ما تركه من أثر في اللغة والثقافة والوجدان. ومن هذا المنظور تبدو تجربة الشاعر والأديب السوري بديع علي صقور جديرة بأن تُقرأ بوصفها سيرةً للكلمة وهي تعبر من الريف إلى المدينة، ومن البحر إلى المنفى، ومن الطفولة إلى الذاكرة، ومن الجغرافيا السورية إلى فضاءات أمريكا اللاتينية، ومن التجربة الفردية إلى سؤال الإنسان والحرب والوطن.
ولد بديع علي صقور في بيت علان، البهلولية، اللاذقية، في 21 تشرين الأول/أكتوبر 1949. وفي هذه البيئة الساحلية الريفية، حيث البحر والجبال والكروم والطيور والمرافئ جزء من الوعي اليومي، تشكلت البذرة الأولى لحساسيته الجمالية. وليس من المصادفة أن يصبح البحر لاحقاً واحداً من أكثر الرموز حضوراً في تجربته الشعرية؛ فهو عنده ليس كتلةً مائية أو فضاءً جغرافياً، بل ذاكرة مفتوحة، ومجازاً للرحيل، ومرآةً للغربة، ومركباً للروح في بحثها عن جهة لا تضيع.
حصل صقور على أهلية التعليم من دار المعلمين في اللاذقية عام 1972، ثم نال إجازة في الفلسفة من قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بجامعة دمشق عام 1980. وهنا تتجاور في تكوينه ثلاث دوائر معرفية متداخلة: المعلّم، والفيلسوف، والأديب. فإذا كان التعليم قد منحه صلةً يومية بالإنسان وتكوّن الوعي، فإن الفلسفة فتحت أمامه أسئلة الوجود والمعنى والحرية والمصير، بينما منحتْه الأدبيةُ اللغة التي يستطيع بها أن يحوّل هذه الأسئلة إلى صور واستعارات وحكايات.
من المدرسة إلى فضاء العالم
عمل بديع صقور معلماً ومدرساً في مدارس الحسكة واللاذقية منذ عام 1972، ثم انتقل إلى تجربة مختلفة حين عمل مدرساً للغة العربية في مدارس الجالية العربية في تشيلي بين عامي 1980 و1984. ولم تكن الرحلة إلى أمريكا اللاتينية مجرد انتقال وظيفي؛ لقد تحولت إلى منعطف معرفي وجمالي في تجربته، إذ أتاحت له الاحتكاك باللغة الإسبانية وبالثقافة اللاتينية، وأدخلته في حوار إبداعي مع الشعر العالمي، ولا سيما شعر أمريكا اللاتينية.
ومن هنا أصبحت الترجمة عنده جزءاً من مشروعه الأدبي، لا نشاطاً هامشياً. ترجم عن الإسبانية قصائد ونصوصاً لشعراء وكتاب من تشيلي وأمريكا اللاتينية، كما تُرجمت نصوصه وقصائده إلى الإسبانية والفارسية والأوردية والتركية. وهكذا صار مشروعه قائماً على حركة مزدوجة للكلمة: كلمة تأتي من الآخر إلى العربية، وكلمة تغادر العربية إلى الآخر.
وهذه الحركة تكشف أن الترجمة، في تجربته، ليست نقلاً لغوياً فحسب، وإنما فعل حوار حضاري؛ فالشاعر حين يترجم شاعراً آخر إنما يوسّع حدود لغته، وحين تُترجم قصيدته إلى لغة أخرى يصبح نصه جزءاً من ذاكرة أدبية تتجاوز الحدود الوطنية.
الأدب بوصفه حياةً عامة
لم ينعزل بديع صقور داخل برج الكتابة، بل انخرط في الحياة الثقافية والتربوية والنقابية والعامة. انتُخب عضواً في المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب في اللاذقية بين 1994 و1996، وعضواً في المكتب الفرعي لنقابة المعلمين باللاذقية عام 1995، ثم عضواً في المكتب التنفيذي لنقابة المعلمين في سورية في دورات متعاقبة، وتولى رئاسة مكاتب للنشاط والثقافة والإعلام.
وترأس تحرير مجلة وجريدة «بناة الأجيال» بين عامي 2001 و2013، وكان عضواً في مجلس اتحاد الكتاب العرب لدورتين بين 2000 و2010، ثم عضواً في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب في سورية بين 2015 و2021، وترأس تحرير مجلة «الآداب العالمية» الصادرة عن الاتحاد خلال الفترة نفسها.
كما انتُخب عضواً في مجلس الشعب السوري في الدور التشريعي الأول بين 2012 و2016، وتولى رئاسة لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان. وشارك ممثلاً لنقابة المعلمين السورية في مؤتمرات ومجالس لاتحاد المعلمين العرب، كما كان عضواً في اللجنة التأسيسية لجائزة فلسطين العالمية التي تأسست في طهران عام 2018.
ومع ذلك، فإن استعادة هذه المحطات لا تأتي لإغراق السيرة في الوظائف والمناصب، وإنما لإظهار أن المثقف عند بديع صقور لم يكن منفصلاً عن المجال العام؛ فقد ظل الأدب عنده متصلاً بالإنسان، والتعليم بالثقافة، والثقافة بالمسؤولية، والكلمة بالشأن العام.
ومن المهم، في سياق قراءة شخصيته الثقافية، الإشارة إلى أن بديع صقور كان مستقلاً في خياره الشخصي والأدبي، ولم ينتمِ إلى أي حزب سياسي، وهو ما يضيء جانباً من استقلال صوته الثقافي، ويؤكد أن علاقاته بالثقافة والشعراء والقضايا الإنسانية لم تكن محكومة بانتماء حزبي أو اصطفاف سياسي.
الببليوغرافيا: حين يتحول الكتاب إلى خريطة عمر
إذا كانت السيرة هي الزمن الذي عاشه الإنسان، فإن الببليوغرافيا هي الزمن الذي استطاعت الكتب أن تنقذه من النسيان.
وتكشف أعمال بديع صقور عن مشروع إبداعي متعدد الأجناس، يتحرك بين القصة والشعر والسيرة والنص الأدبي والترجمة والتحقيق.
أولاً: في القصة
من أبرز أعماله القصصية:
- «مرفأ طائر الظهيرة»، دار الثقافة، دمشق، 1980.
- «شمال المغيب»، دار الجمهورية، دمشق، 1999.
- «خريف المطر»، دار الجمهورية، دمشق، 2000.
- «طقوس الغريب»، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2013.
- «الأعمال القصصية 1980–2003»، دار الحارث، دمشق، 2006.
وتدل هذه الأعمال على أن صقور لم يتعامل مع القصة بوصفها جنساً منفصلاً عن الشعر، بل بوصفها فضاءً آخر لاختبار اللغة والذاكرة والمكان.
ثانياً: في الشعر
يمتد مشروعه الشعري من «الدفتر البري لأعشاب البحر»، الذي صدر بالإسبانية في تشيلي عام 1983، إلى أعمال لاحقة رسخت حضور البحر والخريف والريح والذاكرة والبنفسج بوصفها مفردات مركزية في معجمه الشعري.
ومن أعماله:
- «الدفتر البري لأعشاب البحر»، بالإسبانية، تشيلي، 1983؛ وبالعربية في طبعة لاحقة.
- «شقائق الخريف»، دار أرواد، طرطوس، 1992.
- «جلنار البحر»، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1995.
- «تحت فيء النجوم»، مطبعة الجمهورية، دمشق، 1997.
- «يرث البحر الغبار»، مطبعة الجمهورية، دمشق، 2000.
- «حاضر الآن… دائماً»، مطبعة الجمهورية، دمشق، 2001.
- «حائرون كالقطا»، دار الحارث، دمشق، 2004.
- «الأعمال الشعرية 1980–2001»، دار الحارث، دمشق.
- «يحدث في السهل البعيد…»، دار الحارس، دمشق، 2010.
- «أيها العابر، أيها الغريب…»، دار ليندا، السويداء، 2012.
- «دعوا الحمام ينام»، وزارة الثقافة، دمشق، 2014.
- «خواتم في أصابع الصدى»، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2016.
- «أعد الزهرة إلى السماء»، دار الحارث، دمشق، 2018.
- «قمرٌ على مركب الريح: مختارات شعرية»، وزارة الثقافة، دمشق، 2018.
- «مات البنفسج: إنها الحرب»، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2023.
وإذا تأملنا هذا المسار، وجدنا أن عناوينه نفسها تكاد تكون قصيدةً ببليوغرافية متصلة: البحر، الأعشاب، الخريف، النجوم، الغبار، السهل، العابر، الغريب، الحمام، الصدى، الريح، البنفسج. إنها مفردات لا تؤدي وظيفة الزينة، وإنما تنتظم في شبكة رمزية واحدة، يتحول فيها العالم الخارجي إلى مرآة للداخل الإنساني.
ثالثاً: في السيرة والنصوص الذاتية
وفي هذا المجال:
- «في السماء إلى سانتياغو… سيرة الرحيل»، دار إنانا، دمشق، 2011.
- «زهرة الريح… وتبقى الجبال: نصوص في قصيدة»، وزارة الثقافة السورية، دمشق، 2019.
- «على تلك الجبال… سيرة الطيور»، دار عين الزهور، اللاذقية، 2024.
- «صندوق بريد السماء»، مكتبة نوبلز الإلكترونية، طرطوس، 2025.
وفي هذه الأعمال تبرز السيرة لا بوصفها اعترافاً ذاتياً مغلقاً، وإنما بوصفها سفراً في المكان والذاكرة. فالرحيل عند صقور ليس انتقالاً من جغرافيا إلى جغرافيا، بل انتقال من حالة وجودية إلى أخرى؛ والسماء ليست سقفاً، بل احتمالاً؛ والطيور ليست كائنات عابرة، بل استعارات للحرية والهجرة والحنين.
رابعاً: النصوص الأدبية والتحقيق والترجمة
ومن أعماله:
- «أبعد من زهرة النهار»، وزارة الثقافة، دمشق، 2001.
- «مدارج الريح»، دار الحارث، دمشق، 2003.
- «الثورة الجزائرية في الأدب العربي السوري»، جمع وتحقيق بالاشتراك مع د. نزار بني مرجة، اتحاد كتاب الجزائر، الجزائر، 2019.
- «خريف الهضاب العالية: ما يشبه أرواحهم»، مكتبة نوبلز الإلكترونية، طرطوس، 2026.
ومن الأعمال المشار إليها بوصفها قيد الطباعة «نواطير الأنديز»، وهو مشروع ترجمة عن الإسبانية لأدباء من أمريكا اللاتينية وإسبانيا.
«صندوق بريد السماء»: حين يكتب الشاعر إلى شاعرٍ غائب
تكتسب تجربة بديع صقور بعداً آخر في كتابه «صندوق بريد السماء»، ولا سيما في النص الذي يحمل عنواناً دالاً: «صندوق بريد السماء… بديع صقور»، وهو نص يمكن قراءته بوصفه رسالة شعرية إلى الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، ورسالة في الوقت نفسه إلى الذاكرة الفلسطينية والعربية، وإلى معنى الصداقة حين تتحول من لقاء عابر في المكان إلى حضور دائم في الغياب.
يستهل صقور رسالته بنداء حميم:
««صديقي العزيز محمود…»»
ثم يستحضر عبارة لمحمود درويش عن الذكريات والقهوة والوحدة، ليقيم منذ البداية جسراً بين ذاكرة الشاعرين: ذاكرةٍ تستعيد الصديق، وذاكرةٍ تستعيد المكان، وذاكرةٍ تحاول أن تجعل الموت شكلاً آخر من أشكال الحضور.
يكتب صقور إلى درويش محملاً بتحية الطبيعة:
««تحية زهور اللوز أبعثها لك مع نسائم بحر أوغاريت…»»
وهنا تتلاقى علامتان شعريتان شديدتا الدلالة: زهر اللوز الذي يحيل إلى عالم درويش، وبحر أوغاريت الذي يحيل إلى الجغرافيا السورية القديمة وإلى عالم صقور البحري. وكأن الرسالة لا تعبر من شاعر إلى شاعر فحسب، وإنما تعبر من جغرافيا إلى جغرافيا، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، ومن فلسطين إلى سورية، عبر فضاء شعري لا تعترف فيه الروح بالحدود.
ويستعيد صقور ظهيرة ربيعية من عام 2004، يوم التقى محمود درويش وهيلين بسارس وزوجها غانم زريقات، وجلسوا تحت شجرة التوت في دار أهل هيلين، حيث روت جدتها حكاية أبيها «بسارس»، الملقب بـ«اليوناني»، الذي مات قبل أن يتحقق حلمه في العودة إلى أرض أجداده.
الحكاية في ظاهرها حكاية مهاجر، لكنها في العمق حكاية الإنسان الذي يحمل وطنه في قلبه، حتى حين تعجز قدماه عن العودة إليه.
كان الرجل يحب البحر والموسيقى والشعر والنوارس، وكان يحلم بأن يموت ويدفن في أرض أجداده. وحين تنهدت الجدة وهي تستعيد حلم أبيها، تحولت الحكاية في وجدان صقور إلى مرآة لحلم فلسطيني أوسع؛ حلم العودة الذي لا يموت بموت صاحبه.
ومن هنا يضع الشاعر حلم الرجل اليوناني في مواجهة حلم الفلسطيني:
أن يموت الإنسان فوق الأرض التي أحب، وأن تستعيده الأرض التي ظل يحلم بها.
ويصبح اللقاء مع درويش، في ذاكرة صقور، أكثر من لقاء بين شاعرين؛ إنه لحظة تواطؤ روحي بين تجربتين تعرفان معنى الوطن والرحيل والحنين والموت.
ثم يطرح صقور سؤاله الوجودي:
««هل تموت الأحلام عندما يموت أصحابها؟
أم أنها تَهِمُ في الليل بحثاً عمّن يحملها من جديد؟»»
وهذا السؤال هو، في جوهره، أحد المفاتيح الأنطولوجية لتجربة صقور كلها؛ فالأحلام عنده لا تُدفن مع أصحابها، وإنما تنتقل من ذاكرة إلى ذاكرة، ومن جيل إلى جيل، ومن شاعر إلى شاعر.
ولهذا يمكن قراءة «صندوق بريد السماء» بوصفه بريداً للغياب؛ فالرسالة لا تنتظر جواباً من المرسل إليه، لأن غايتها ليست الوصول، بل مقاومة النسيان. إنها كتابة إلى من غاب، لكي يبقى حاضراً.
محمود درويش: الصديق الذي بقي في القصيدة
يحضر محمود درويش في ذاكرة بديع صقور بوصفه شاعراً فلسطينياً وعربياً وعالمياً، وبوصفه أيضاً صديقاً ورفيقاً في فضاء الشعر.
وكان درويش من أبرز الأصوات الشعرية الفلسطينية والعربية في العصر الحديث، وقد ارتبط اسمه بقضايا الأرض والمنفى والهوية والحرية والموت والحب، وترك أعمالاً شعرية ونثرية ذات أثر عميق في الأدب العربي الحديث، من بينها «كزهر اللوز أو أبعد»، و«في حضرة الغياب»، و«حالة حصار».
وفي ذاكرة صقور لا يبدو درويش تمثالاً أدبياً بعيداً، وإنما إنساناً جلس تحت شجرة توت، واستمع إلى حكاية جدة، وتأمل معنى الوطن والموت والعودة.
وهذه الصورة الإنسانية بالذات هي التي تمنح الشهادة قيمتها؛ لأنها تعيد الشاعر الكبير من فضاء الأسطورة إلى فضاء الإنسان.
إن درويش، في نص صقور، لا يموت تماماً؛ إذ إن موته يتحول إلى سؤال، وذكراه تتحول إلى قصيدة، واللقاء القديم يتحول إلى وثيقة، والحديث الذي لم يكتمل يتحول إلى صندوق بريد مفتوح في السماء.
لقاءات فلسطينية في ذاكرة بديع صقور
ولا تقف ذاكرة صقور عند محمود درويش، بل تمتد إلى لقاءات أخرى مع شعراء ومثقفين فلسطينيين، بما يكشف اتساع شبكة علاقاته الثقافية وعمق انشغاله بالتجربة الفلسطينية.
ومن هذه اللقاءات لقاؤه بالشاعر الفلسطيني فؤاد حبش في سانتياغو، وهو شقيق الزعيم الفلسطيني الراحل جورج حبش. وقد وردت هذه الذكرى في سياق تجربته اللاتينية، وخصوصاً في كتابه «في السماء إلى سانتياغو… سيرة الرحيل»، الذي يمثل وثيقة مهمة في استعادة ذاكرته عن تشيلي وأمريكا اللاتينية، وعن الشخصيات التي التقاها في تلك الرحلة.
كما التقى الشاعر الفلسطيني حنا جاسر في قرطبة بالأرجنتين. وحنا جاسر، وفق ما ترويه السيرة، فلسطيني اضطر إلى النزوح بعد نكبة عام 1948، ثم هاجر إلى الأرجنتين، واستقر في قرطبة، حيث عاش ومات.
وتكتسب هذه اللقاءات قيمة تتجاوز بعدها الشخصي؛ لأنها تكشف كيف تحولت أمريكا اللاتينية، بالنسبة إلى بديع صقور، إلى فضاء فلسطيني أيضاً، بما تحمله من جاليات ومهاجرين وذاكرة نكبة، ومن شعراء حملوا فلسطين في حقائب الرحيل، ثم أعادوا بناءها في اللغة والحنين.
وهكذا يصبح كتاب «في السماء إلى سانتياغو…» أكثر من سيرة سفر؛ إنه أرشيف للقاءات الإنسانية والثقافية التي صنعت جانباً من وعي صقور بالعالم والمنفى وفلسطين.
بديع صقور وغزة: حين تصبح الزيارة شهادة
ومن العلامات اللافتة في مسيرته الثقافية أنه زار غزة، والتقى فيها عدداً من كبار المثقفين والأدباء والشعراء. وتكتسب هذه الزيارة دلالتها من كون غزة ليست مجرد مكان في الجغرافيا الفلسطينية، بل واحدة من أكثر البقاع التصاقاً بالذاكرة العربية المعاصرة، بما تحمله من تاريخ للمقاومة والصمود والحصار والشهادة.
ولذلك فإن حضور غزة في سيرة شاعر سوري مثل بديع صقور يندرج ضمن رؤيته الأوسع إلى فلسطين بوصفها قضية إنسانية وثقافية، لا مجرد عنوان سياسي.
لقد كانت فلسطين، في الوعي الأدبي العربي، وما تزال، امتحاناً أخلاقياً للقصيدة: هل تستطيع اللغة أن تنحاز إلى الإنسان من دون أن تفقد جمالها؟ وهل يستطيع الشاعر أن يجعل من الألم معرفة، ومن الذاكرة مقاومة، ومن القصيدة جسراً بين الشعوب؟
وفي هذا السياق يمكن وضع علاقات صقور بالشعراء الفلسطينيين ولقاءاته بهم ضمن مسار ثقافي يرى في فلسطين جزءاً من الوجدان العربي والإنساني.
البحر: استعارة الهوية والرحيل
يصعب قراءة شعر بديع صقور من دون التوقف عند البحر.
البحر في تجربته ليس خلفية طبيعية، بل كائن أنطولوجي؛ إنه المسافة بين الوطن والمنفى، وبين الذاكرة والحاضر، وبين الثبات والرحيل. وحين يقول في عنوان مبكر «الدفتر البري لأعشاب البحر»، فإن البحر يدخل الكتاب من عنوانه، لكن الأعشاب البحرية تمنحه مفارقة جمالية: فهي تنتمي إلى الماء، لكنها لا تكف عن التعلق بما هو حي، متحركة مع المد والجزر كما تتحرك الذاكرة مع الزمن.
وفي «جلنار البحر» يتجاور البحر مع الجلنار، أي مع الزهرة والنار والجمال؛ بينما في «يرث البحر الغبار» تبلغ المفارقة ذروتها: البحر، رمز الاتساع والنقاء والحركة، يرث الغبار، رمز الفناء والركام والذاكرة اليابسة.
وهنا تتحول الصورة الشعرية إلى سؤال وجودي:
ماذا يبقى من الأشياء حين يمر عليها الزمن؟
الخريف: زمن الذاكرة والانكسار
الخريف من أكثر الفصول التصاقاً بالمناخ الروحي في شعر صقور. ففي «شقائق الخريف» لا يصبح الخريف مجرد فصل، بل بنية شعورية كاملة؛ فهو فصل التحول، وسقوط الأوراق، وعبور الأشياء من الامتلاء إلى الذبول.
وفي التعبير الشعري:
««في الغد الذي مضى»»
ينقلب الزمن على نفسه. فالغد، الذي يفترض أن يكون مستقبلاً، يصبح ماضياً. إنها مفارقة زمنية تختصر مأزق الإنسان حين يعيش مستقبله بوصفه شيئاً ضائعاً قبل أن يصل إليه.
وهذه المفارقة ليست لعبة لغوية؛ إنها أنطولوجيا الفقد: المستقبل الذي لم يأتِ، لكنه أصبح في الذاكرة كأنه مضى.
البنفسج: من الجمال إلى مأساة الحرب
أما البنفسج في تجربة بديع صقور فيتجاوز كونه زهرة إلى أن يصبح علامة ثقافية وجمالية ووجودية.
وفي عنوان «مات البنفسج: إنها الحرب» تحمل الزهرة طاقة رمزية مضاعفة؛ فموت البنفسج ليس موت زهرة فحسب، وإنما موت الجمال حين تستولي الحرب على العالم.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في الصورة الشعرية التي تقوم على قلب وظائف الطبيعة:
««انهمر الرصاص، تخضّب وجه التراب بدم الزهور، جفّت مآقي السماء، ابتعد الصديق المطر، هاجر السنونو… مات العزيز البنفسج، إنها الحرب».»
هنا يحل الرصاص محل المطر، ويحل الدم محل لون الزهور، وتجف السماء من الدموع، ويهاجر السنونو، ويتيم القلب.
إنها عملية انقلاب شاملة في النظام الكوني: المطر الذي يمنح الحياة يصبح رصاصاً يمنح الموت؛ والسماء التي تمطر خيراً تصبح عيناً جافة؛ والسنونو، رسول الربيع، يصبح مهاجراً؛ والبنفسج، رمز الجمال، يموت.
وهكذا تصبح الحرب في شعر صقور قوةً مضادة للطبيعة؛ لأنها لا تقتل الإنسان وحده، بل تفسد علاقة الإنسان بالعالم.
القصيدة بوصفها أنطولوجيا إنسانية
ما يميز تجربة بديع صقور أن الإنسان لا يقف فيها بعيداً عن الطبيعة؛ بل يذوب فيها وتذوب فيه. فالطائر يصبح صورة للروح، والبحر يصبح صورة للذاكرة، والجبل يصبح صورة للثبات، والزهرة تصبح صورة للجمال، والمطر يصبح صورة للحياة، والبنفسج يصبح صورة للسلام المهدد.
ولهذا يمكن القول إن قصيدته لا تسأل فقط: ماذا يحدث للإنسان؟ بل تسأل سؤالاً أعمق: ماذا يحدث للوجود حين يُصاب الإنسان بالعنف؟
إنها نقلة من الشعر الاجتماعي إلى الشعر الأنطولوجي؛ لأن الحرب عنده ليست حادثاً سياسياً فحسب، وإنما خلل في معنى الوجود.
اللغة: البساطة التي تخفي عمقاً
لا تتكئ تجربة صقور على التعقيد اللفظي المصطنع، بل تميل إلى لغة تبدو قريبة وشفافة، غير أن هذه الشفافية تخفي وراءها طبقات من الرمز والإيحاء.
إن مفرداته مأخوذة من الأشياء اليومية والطبيعة: البحر، المطر، الطيور، الجبال، الزهور، المرافئ، السفن، الريح، التراب. لكنه يعيد ترتيبها داخل سياق شعري يجعلها تتجاوز مدلولها القاموسي إلى مدلول رمزي.
ومن هنا يمكن فهم العبارة النقدية التي تختصر جانباً من تجربته: إنه يكتب الشعر بالقصص، ويكتب القصص بالشعر؛ فحدود الأجناس الأدبية في تجربته ليست أسواراً صلبة، وإنما جسور. القصة تستعير كثافة الشعر، والشعر يستعير من القصة حركتها وسرديتها، والنص النثري يستعيد موسيقى القصيدة دون أن يكون أسيراً للوزن الخليلي.
إنها كتابة تتقدم على الحدود الشكلية لكي تبحث عن جوهر الشعر في اللغة والرؤية.
الفلسفة في الخلفية
ولعل حصوله على إجازة في الفلسفة ليس تفصيلاً عابراً في سيرته؛ فالكثير من الأسئلة التي تتردد في نصوصه ذات طبيعة فلسفية: الزمن، الموت، الرحيل، الذاكرة، الحرية، الوطن، الغياب، الإنسان.
ولذلك فإن الشاعر بديع صقور لا يتعامل مع الأشياء بوصفها موجودات مكتفية بذاتها؛ إنه يحاول دائماً أن يسأل عما وراءها.
فالطائر ليس طائراً فقط.
والبحر ليس بحراً فقط.
والغريب ليس مسافراً فقط.
والبنفسج ليس زهرة فقط.
والجبل ليس حجراً فقط.
كل شيء عنده قابل لأن يتحول إلى علامة على الإنسان.
الوطن والإنسان وفلسطين
تؤكد الشهادات حول تجربته أن الوطن والإنسان والحرية ومناهضة الظلم تشكل محاور أساسية في كتابته. كما حضر الفقراء والبسطاء والشهداء والأصدقاء الراحلون في شعره، بوصفهم جزءاً من الذاكرة الأخلاقية للذات.
ومن هنا لا تبدو الوطنية في تجربته مجرد خطاب شعاري، وإنما عاطفة وجودية؛ فالوطن هو المكان الذي تحفظ فيه الذاكرة أسماء الذين ذهبوا، وهو الجهة التي تتجه إليها الروح حين تتعب من المنافي.
ومن هذه الزاوية تحديداً تتصل تجربته السورية بالتجربة الفلسطينية؛ فالمكان عنده ليس جغرافيا محضة، بل ذاكرة، والرحيل ليس انتقالاً محضاً، بل اقتلاع، والعودة ليست حركة جسدية فقط، بل استعادة للذات.
ولذلك فإن لقاءاته بمحمود درويش وفؤاد حبش وحنا جاسر، وزيارته لغزة، واحتفاؤه بفلسطين، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها وقائع هامشية في سيرته، وإنما بوصفها أجزاء من أنطولوجيا المنفى والعودة والذاكرة التي تشكل أحد خيوط تجربته.
بديع صقور: الشاعر الذي جعل الذاكرة وطناً
إذا أردنا اختزال التجربة في عبارة واحدة، أمكن القول إن بديع صقور شاعر الذاكرة المتحركة.
ذاكرته ليست ماضياً ساكناً؛ إنها بحر، وسفينة، وطائر، وجبل، وزهرة، وقرية، ومدينة، ومنفى، وكتاب.
وقد أسهمت تجربته في تشيلي وأمريكا اللاتينية في توسيع أفقه الشعري، فصار الوطن عنده أكثر اتساعاً من الجغرافيا، والمنفى أكثر عمقاً من المسافة، واللغة أكثر رحابة من حدود القاموس.
ومن هنا يمكن النظر إلى ترجماته عن الإسبانية بوصفها امتداداً طبيعياً لمشروعه: هو شاعر يعبر الحدود لأنه يؤمن بأن الإنسان أكبر من خرائطه.
كي لا تموت الكتب مرتين
إن توثيق تجربة بديع صقور ليس احتفاءً بشخص أدبي وحسب، وإنما محاولة لحفظ صفحة من صفحات الثقافة العربية السورية الحديثة، بكل ما تنطوي عليه من شعر وقصة وترجمة وسيرة ومشاركة ثقافية وعامة.
لقد امتدت تجربته على أكثر من أربعة عقود، وتوزعت بين التعليم والأدب والصحافة الثقافية والعمل النقابي والترجمة والمشاركة في الحياة الثقافية العربية والدولية. وصدرت له أعمال متعددة الأجناس، وكتبت حول تجربته دراسات وشهادات نقدية، وترجمت نصوصه إلى لغات عدة، وظلت الطبيعة والإنسان والوطن والرحيل والحرب والسلام مكونات أساسية في عالمه الإبداعي.
لكن القيمة الأعمق لهذه التجربة تكمن في أن صاحبها لم يتعامل مع الكتابة باعتبارها حرفة لغوية فقط، بل باعتبارها شهادة على زمن الإنسان.
فالكتاب عند بديع صقور ليس ورقاً؛ إنه أثر.
والقصيدة ليست كلمات؛ إنها ذاكرة.
والزهرة ليست نباتاً؛ إنها إمكانية للحياة.
والبحر ليس ماءً؛ إنه طريق إلى المجهول.
والطائر ليس كائناً عابراً؛ إنه صورة للحرية.
والبنفسج ليس لوناً؛ إنه حلم بأن يبقى الجمال ممكناً رغم الحرب.
خاتمة: صندوق بريد مفتوح في السماء
ولعل «صندوق بريد السماء» يمثل، في نهاية المطاف، مفتاحاً رمزياً بالغ الدلالة لقراءة تجربة بديع صقور كلها.
فالشاعر الذي حمل البحر في دفاتره، والرحيل في سيرته، والطيور في ذاكرته، والبنفسج في قصائده، يحمل أيضاً أسماء الذين التقاهم ثم غابوا: شعراء، وأصدقاء، ومثقفون، ومهاجرون، وأحبة، وشهداء، وأناس حمل كل واحد منهم حلماً خاصاً بوطن أو عودة أو حياة أكثر عدلاً.
ومن هنا تصبح رسالة صقور إلى محمود درويش أكثر من رثاء لصديق؛ إنها تأمل في مصير الأحلام بعد رحيل أصحابها.
إن السؤال:
«هل تموت الأحلام عندما يموت أصحابها؟»
لا يبحث عن جواب نهائي، بل يفتح باباً للأجيال. فالأحلام، مثل القصائد، لا تموت حين يغيب أصحابها إذا وجدت من يحملها ويعيد كتابتها في زمن جديد.
وهكذا يصبح محمود درويش حاضراً في غيابِه، ويصبح اللقاء القديم تحت شجرة التوت جزءاً من ذاكرة الأدب، وتصبح حكاية «بسارس» اليوناني عن الوطن والعودة مرآةً لحكايات الفلسطينيين والسوريين وسائر الذين حملوا أوطانهم في قلوبهم حين حالت المسافات دون عودتهم.
وفي هذا المعنى، فإن «صندوق بريد السماء» ليس صندوقاً للرسائل التي تبحث عن عنوان، بل فضاءً تتجاور فيه الأرواح والذكريات والقصائد.
إنه صندوق يضع فيه الشاعر رسالته إلى من غاب، ثم يتركها للسماء، لا انتظاراً لجواب، بل إيماناً بأن الكلمة، حين تصدر من قلب صادق، تعرف طريقها إلى الخلود.
ولذلك تستحق تجربة بديع صقور أن تُقرأ وتُوثق وتُفهرس وتُدرس، لا بوصفها سيرة فرد فحسب، بل بوصفها جزءاً من السيرة الأوسع للكلمة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
إن الأجيال لا ترث من المبدعين أسماءهم فقط؛ ترث الأسئلة التي تركوها مفتوحة، والصور التي حفروها في الذاكرة، والكتب التي قاومت بها أرواحهم العدم.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الوثيقة أن بديع صقور يترك للأجيال دفتره البحري، وخريفه، وطيوره، ومرافئه، وبنفسجه؛ ويترك قبل ذلك كله سؤالاً لا يشيخ:
كيف يستطيع الإنسان أن يحفظ جماله الداخلي حين يمر العالم من حوله بعاصفة الخراب؟
ولأن الأدب الحقيقي لا يقدم إجابة نهائية عن مثل هذا السؤال، فإن تجربة بديع صقور تظل مفتوحة على القراءة، مثل بحر لا تنتهي مرافئه، ومثل قصيدة لا تنتهي عند آخر سطر، ومثل بنفسجة صغيرة تصر، رغم كل شيء، على أن تتفتح.
وهنا، ربما، تكمن خلاصة السيرة كلها:
أن الشاعر لا يكتب لكي يهزم الموت، فهو يعرف أن الموت أقوى من الجسد؛ وإنما يكتب لكي يمنع الموت من أن يهزم الذاكرة.
وهذه هي وظيفة الأدب في أعمق تجلياته: أن يحفظ ما كان يمكن أن يضيع، وأن يمنح الغائبين حياة ثانية في اللغة، وأن يجعل من الكتابة وطناً أخيراً لمن تعذرت عليهم العودة.
وفي هذا الوطن اللغوي الرحب، يظل بديع صقور واقفاً عند نافذة البحر، يرسل رسائله إلى السماء، ويترك لنا أن نفتحها بعده، رسالةً رسالة، وكتاباً كتاباً، وذكرى إثر ذكرى.


