مفاهيم طرحها فريدريك شيلر.

فريدريك شيلر: “المرء مزود بالحكمة وهو مفرد، فإذا وُجد في جماعة أصبح غبياً”يفترض العقل المنطقي أن دمج مجموعة من العقول الفذة في مساحة واحدة سينتج كياناً فائق الذكاء، إلا أن المراقبة السيكولوجية للظاهرة التجمعية تكشف عن مفارقة تشكك في هذا الافتراض: العقلانية الإنسانية تتراجع بمجرد انخراط الفرد في الحشد. الذكاء يتصرف هنا كعنصر متطاير، يستقر في الحالة الفردية، ويتبدد عند التعرض لضغط الكتلة البشرية.يطرح الفيلسوف والشاعر فريدريك شيلر هذه الإشكالية عبر مقولته التي تقرر أن الفرد، متى أُخذ على حدة، يظهر مزوداً بالحكمة والذكاء المعقول، في حين يتحول بانضمامه إلى الجماعة إلى جزء من كيان يتسم بالغباء. تلتقي هذه الأطروحة مع القواعد النظرية التي قدمها غوستاف لوبون في تحليله لنفسية الجماهير، إذ يقرر انحطاطاً عقلياً للحشد، ويضع الجمهور في مستوى أدنى من المستوى الفردي للأشخاص الذين يتألف منهم. التجمع البشري، بحسب هذا الطرح، يُخضع الأفراد لحالة ارتدادية تحد من ملكاتهم النقدية، وتدفعهم نحو سلوكيات تعتمد على الاندفاعية والحركات اللاشعورية.يأخذ هذا التراجع الإدراكي طابعاً لافتاً؛ فالانخراط في الجمهور يمثل عودة نحو مستويات دنيا من التفكير. يفسر لوبون هذه الحالة بأن الجمهور يميل بطبيعته إلى التدمير وممارسة ضروب من الوحشية بدلاً من السمو الأخلاقي، حيث تسيطر الانفعالات البدائية وتتراجع المعالم الفردية الواعية. تسند هذه الرؤية الملاحظة السيكولوجية التي وثقتها مدام رولاند، حين صورت هذا التدهور الإدراكي بعبارة لافتة، مشيرة إلى أن الناس “تطول آذانهم” عندما يتواجدون في جماعة، في إشارة رمزية إلى تراجع الرصانة البشرية والارتكاس نحو سلوكيات أقرب إلى الغريزة.تتجلى هذه الديناميكية النفسية في حوادث الذعر الجماعي أو الشغب المفاجئ في الملاعب الرياضية. يدخل الآلاف من الأفراد، بينهم أطباء ومهندسون وأكاديميون يتمتعون في حيواتهم اليومية بالرصانة، إلى المدرجات. بمجرد صدور قرار تحكيمي مستفز، تتراجع الهويات العقلانية المستقلة، وتتشكل كتلة بشرية تتصرف باندفاع وتدمير غير مبرر. الذكاء الفردي لهؤلاء الأشخاص لم يختفِ، بل تعطل وظيفياً تحت وطأة الضغط السيكولوجي للكتلة، مسلماً القيادة للغرائز الدنيا.تُفرز هذه النظرة المتشددة تجاه الجمهور معضلة فلسفية مقابلة طرحها سيبيلي سيجل. تفكيك أطروحة الانحطاط الحتمي للجمهور يكشف عن تناقض جوهري يستوجب الوقوف عنده؛ فإذا كان الفرد يفقد ذكاءه وأخلاقه ووعيه بمجرد وجوده في جماعة، تبرز حقيقة أخرى تؤكد أن ذكاء الفرد وعقله ينموان بفضل البيئة المجتمعية ذاتها. يضع سيجل السيطرة الجمعية في إطار ديالكتيكي: فهي تؤدي من جهة إلى التقهقر في صورتها الساكنة (Statique)، وتُعد في الوقت ذاته شرطاً للنمو والتطور البشري في صورتها الديناميكية (Dynamique). صعوبة التوفيق بين تصور السير نحو الأمام عبر التقدم الإنساني، والإقرار بضرورة التقهقر كحالة ترافق كل تجمع بشري، تخلق تبايناً معرفياً حول طبيعة التأثير الجماعي على العقل البشري، وتجعل من نظرية الغباء الحتمي للجمهور نظرية قابلة للتطبيق على حالات محددة أكثر منها تفسيراً شاملاً لكل صور التطور البشري.تكشف مقولة شيلر وتحليلات لوبون عن هشاشة نسبية للعقل الفردي أمام قوة الحشود. الذكاء البشري يظهر، بحسب هذا الطرح، كصفة تتطلب قدراً من العزلة والتأمل الفردي لتزدهر، وتتعرض للتآكل حين تخضع لقوانين الكتلة التي قد تستبدل الحكمة الفردية بالاندفاع الجمعي.#فلسفة_الاجتماع #سيكولوجيا_الجماهير#سالم يفوت#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم