سنعود إلى بابل قبل الإسكندر نحو أربعة قرون، وسوف نقارب الواقع البابلي الذي هو اختصار للشخصية المشرقية، ولا سيما بين القرن السابع والخامس قبل الميلاد. الواقع الديمغرافي يُعبّر عن اشتداد عمليات الاختلاط الإثني، فثمّة تعددية ثقافية مهمة، وحضرت الديانات المختلفة حتى المتناقضة، عالم من رموز وتفاعلات تُذكر بعالمنا الهلنستي، ولكن هنا قبله.فمثلاً: “دار العمل” لموروشو اليهودي الذي يُفترض أنَّ مسبيّ مغلوب على أمره، تُقدم وثائق نيبور وضواحيها العائدة إلى الدار في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد على أنَّ ثلثَ أسماء الأشخاص المتعاقدين والشهود غير بابلية. وبين هؤلاء مصريون وفرس وعيلاميون وليديون وأرمن وعرب وهنود وغيرهم، الواقع المتنوع هذا خلقَ واقعاً اجتماعياً موازياً أساسُهُ التنوع والتفاعل، وثائق بابل تُقدم أحد العيلاميين الذي زوّجَ ابنته إلى مصري عام 511 ق.م، لنتابع الشهود: فرس، بابليون، آراميون، وثمّة عدد من الأشخاص من ممثلي الشعوب الأخرى.”دانداماييف” دارس الوثائق البابلية يشير إلى أنَّ “السمة الأساسية للوضع الديني في بابل كانت تكمن في عدم غرس روح التعصب تجاه المعتقدات الأخرى للشعوب. والمشرق القديم لم يعرف الموقف العدائي من عادات وتقاليد وثقافات الشعوب المجاورة والبعيدة.( )وبعيداً عن مطابقات الرموز في العصر الهلنستي، فقد شهد مجتمع بابل آنذاك ظاهرة أنه حتى بعض الأسماء البابلية دخلت فيها مسميات لآلهة غير بابلية مثل: “متريدات”؛ أي عطية الرب “مترا”. حتى إنَّ الغرباء في بابل أخذوا أسماء ورموز بابلية هي: ندنتو بعل (هبة الإله بعل). كما أنهم راحوا يؤمنون بالآلهة البابلية التقليدية دون أنْ يرغمهم أحد على ذلك؛ لهذا إنْ استرجعنا مقولةَ الملك الآشوري آشور بني بعل في حديثه لمواطني بابل، حين كانت تحت الفاعلية الآشورية، نكون قد قاربنا الفهم الآشوري للمسألة أيضاً، مع الحضور الآشوري التاريخي المُقاتل: “إن بابل قلب المعمورة، وكل مَنْ يدخلْ إليها يحصل على امتيازات معينة، حتى الكلب الداخل إلى بابل يمنع قتله”.تقول الدراسات الرصينة: الشرق القديم لم يعرف الخلافات والصراعات القائمة على أساس إثني أو الحقد العرقي والشعور بتفوق شعب على شعوب أخرى. نذكر الآن: السلام السومري/ الأكدي أو الأموري، كما نذكر الاندماج الآشوري/ الآرامي، وكذلك الآرامي/ العربي المتمشرق.في مقاربة للنظام الإداري البابلي آنذاك حظي المجلس الشعبي، في الجناح الرافدي من المشرق على جدارته وحيويته وقدرته على التلاؤم والتكيف. هذا الأمر عاصر مجتمع بابل مع ملوك الفرس الأخمينيين ومع الإسكندر المقدوني، حتى هيئات الإدارة المحلية للأقليات الإثنية في بابل تذكّر بنظام “بوليتيغما” في العصر الهلنستي الذي كان قائماً إلى جانب المجالس المحلية الشعبية للمدن البابلية.”دانداماييف” يشيرُ إلى أنَّ هذه “البوليتيغما” التي يُعِدُّها علماءُ التاريخ مؤسسةً هلنستية بحتة، كانت قد ظهرت في الواقع قبل وقت طويل من احتلال الإسكندر بلادَ الرافدين. ويصل إلى القول: “الاتصالات الإثنية النشيطة التي ساعدت على النشوء التدريجي للحضارة المادية الروحية الجديدة كانت قد جرت قبل قدوم الإسكندر المقدوني بفترة طويلة مما سهّل فيما بعد انتصار الهلنستية”.( )حتى في الحقبة الأخمينية من الاحتلال لبلاد الرافدين لم تقطع بابل تقاليدها المحلية، واستمرت الحضارة البابلية القديمة في تطورها حتى بعد احتلال المقدونيين بلاد الرافدين، وهذا يُحسَبُ أيضاً على مجمل المدن المشرقية، وهو ما أطلقنا عليه تعبير “القاع الثقافية” التي تفعلُ فعلَها، بصرفِ النظر عن الظروف السياسية والعسكرية السائدة، لعله نداءُ الأصالة في الحياة، ومن ثم التطور في الزمن.سنتخيل الآن تلك المرونة المشرقية التي وسمت الحضارة المشرقية: السيطرة الآشورية مثلاً لم تمنع الإدارة الآشورية من استخدام الآرامية، فها هو قصر الملك الآشوري سنحاريب حوى لوحةً لرجلينِ آشوري وآرامي، الأول يكتب على لوح من الطين بقلم مسماري، والآرامي يكتب على ورق البردي.بشار خليف. تاريخ المشرق#المشرق تاريخ واثار#مجلة ايليت فوتو ارت..


