مشاركة :د.مسلم عباس الطعان.مسافة التكرار في قصيدة الهايكو العراقية المعاصرة: قراءة نقدية مسافاتية في مج شعرية ( ذلكَ الحقلُ أنتِ) للشاعر الهايكوي :طالب داخل.

مسافة التكرار في قصيدة الهايكو العراقية المعاصرة : قراءة نقدية مسافاتية في المجموعة الشعرية الموسومة ( ذلكَ الحقلُ أنتِ) للشاعر الهايكوي طالب داخل

قراءة: الدكتور مسلم عباس الطعان

*مسافة الإستهلال:

لم يعد التكرار Repetition أداة تقنية Technical Device و فنية تساهم في تشكيل الهرم الموسيقي للقصيدة المعاصرة فحسب، بل أصبح عاملاً أساسياً و جوهرياً في تشكيل بنيتها الثيماتية Thematic Structure، الأمر الذي جعل مسافة التكرار Repetition Distance تلعب دوراً مهماً في قصيدة الهايكو الحديثة. إنَّ القصيدة الهايكوية المعاصرة خرجت عن طوق إشتراطات بؤرتها التأسيسية في اليابان وأصبحت تعرف بهويتها المحلية Local Identity، فأصبحت لدينا قصيدة هايكو إنجليزية، و أمريكية وأسترالية و عربية بصورة عامة، و عراقية بصورة خاصة وكل منها تحاكي البيئة التي ولدت فيها أسلوباً و دلالةً و معنى. و حسب رؤيتنا المسافاتية، نرى بأنَّ مسافة التكرار ذاتها في القصيدة الهايكوية تتكوّن من مسافتين: مسافة التكرار التقني ( الفني) ومسافة التكرار الثيماتي، وهذا ما نحاول أن نسلّط الضوء عليه في دراسة نموذج إخترناه من قصائد الشاعر طالب داخل من مجموعته الهايكوية الموسومة ( ذلكَ الحقلُ أنتِ) الصادرة عن منشورات أحمد المالكي/بغداد 2025.

*مسافة العنوان:
إنّ العنوان في النص الأدبي Literary Text، و خاصّة في القصيدة، لابد له أن يلبس اللبوس المسافاتيّ، أي لا يمكن أن يظهر بزي مجازي واحد، وهنا تكون كل علامة Sign أو دلالة مسافةً جماليةً بحد ذاتها، وتلك المسافة حسب نظريتنا المسافاتية تتشظى إلى مسافات ثانوية، والعنوان يمكن أن يكون حقلاً يجمع كل تلك المسافات، حيث يجتهد الشاعر الهايكوي طالب داخل في صياغة عنوان مجموعته الأخيرة ( ذلكَ الحقلُ أنتِ)، و كأنه يكتب قصيدة هايكوية بثلاث مفردات ( ذلكَ، الحقلُ، أنتِ)، وكل مفردة لها سماتها المسافاتية، ف ( ذلكَ) اسم إشارة للبعيد وتلك مسافة لغوية أو نحوية على وجه الخصوص، و كلمة (الحقل) جامعة لمسافات عدة كالمسافة المكانية والمسافة الرومانسية، والضمير المخاطب ( أنتِ) يعبر عن المسافة الأنثوية التي تتفرّع بدورها إلى مسافات ثانوية كمسافة الحب و مسافة الغزل و مسافات أخرى. و حسب المنظور المسافاتي يمكننا قراءة العنوان من أجل فهمه و فك رموزه و علاماته بمسافتين: الأولى مسافة ظاهرة موضوعها المرأة و الحب و مسافة صورة الغلاف تشي بذلك، و بذلك يجعلنا الشاعر ندرك بأنَّ حقله الهايكوي هو تربة خصبة للأحلام والآمال والرؤى الجمالية التي تترجم جمال المرأة-الحبيبة التي يخاطبها الشاعر، أما الثانية فهي المسافة المخفية Hidden Distance و التي يكون فيها ذلك الحقل حقلاً مجازياً Metaphorical Field يرمز للقصيدة الهايكوية، و هنا يستفز الشاعر مجسّات قارئه الجماليّ ليكتشف عبر أدوات وعيه الجماليّ المُستَفَز بأنَّ الأنثى التي يخاطبها الشاعر بكل جوارحه ويغرس في تربتها أشجار مخياله الجمعي و اللاجمعي هي القصيدة ذاتها، لأن ثمار غرس الشاعر و حصاد نتاجه الجماليّ مصدره أنثاه الهايكوية، أي القصيدة الهايكوية التي يفوح منها عبير و أريج المرأة-الوردة-الحبيبة.

*مسافة أولى:
يستهل الشاعر المبدع طالب داخل نصه الأول في مجموعته الهايكوية قائلاً:

(ظلال الأمس
في لوحة الشرف
صورة الجد)*ص5

إنَّ مسافة التكرار في النص الأول ( ظلال الأمس) تشكّل لازمة مسافاتية تتكرّر في النصوص التي تعقبها، و كأنّها لازمة موسيقية تكرراها يفتح عدة مسافات تأملّية تقود قطيع ظلالها الذاكرة Memory، و هنا يؤسس الشاعر طالب داخل لذاكرة مسافاتية يجعلها حقلاً من الصور والرؤى العائلية ( ظلال الأمس/ في لوحة الشرف/ صورة الجد). ثمَّةَ مفتاح جمالي Aesthetic Key للمسافة الأولى تجسّده كلمة ( ظلال)، و الظلال مرتبطة بالأشجار و أيّة أشجار..؟! إنها أشجار الأمس التي تجعل (الجد) حاضراً اليوم عبر صورته في لوحة الشرف، و هنا يمسك الشاعر بذكاء خيوط لعبة الزمن التي نجدها جلية عند ترجمة علاماته السيميائية.

*مسافة ثانية:
في تلك المسافة يكرّر الشاعر ذات اللازمة لكنه يقدم لنا شخصية أخرى لها فعلها الدرامي المهم فوق خشبة مسرح قصيدته الهايكوية حيث يقول:

(ظلال الأمس
على سوادها باقية
أثوابُ أمّي )*ص5

و هنا تصدح موسيقى الذاكرة Music of Memory عبر لازمة ( ظلال الأمس) التي تعمل أيضاً كمفتاح جماليّ لما يمكن أن نطلق عليه أسم المسافة الإسترجاعية Recollective Distance، حيث تذكرّه بأثواب أمه التي لا تفارق سوادها، و الصورة هنا كناية عن الحزن السرمدي للأم العراقية الجنوبية السومرية التي لا يغيّر سواد ملابسها ألا بياض الكفن، و تلك الصورة تحيلنا إلى مسافة الذاكرة الجمعية حيث الصورة الشعبية المغروسة في حقل اللاوعي، أي صورة ( حزن المعدان) السرمدي.

*مسافة ثالثة:
في المسافة الثالثة والأخيرة تقودنا ذات اللازمة الموسيقية ( ظلال الأمس) إلى منطقة جمالية جديدة، لنفهم بأنَّ مسافة التكرار لها القدرة على أن تفتح الباب الجماليّ على مصراعيه لكي نكتشف مسافة جديدة يمكن أن نسمّيها بمسافة الذاكرة العائلية حيث تلتقي الأجيال في ألبوم الصور حين يقول الشاعر:

(ظلال الأمس
في ألبوم الصور يتشابهون
أبي و الأولاد)*ص5

في تلك المسافة الجمالية يكون ( ألبوم الصور) حقلاً جماليّاً تجتمع تحت ظلال أشجاره أزهار العائلة( الجد و الأب والأولاد)، و هنا يبرع الشاعر طالب داخل في جعل ( ظلال الأمس) دليلاً جماليّاً يقودنا نحو حقل الذاكرة العائلية، حيث تكون لازمة التكرار ( ظلال الأمس) مفتاحاً موسيقياً يجعلنا نغني و نحلّق في فضاء الذاكرة العائلية لنسترجع صور الجد والأم والأب و الأولاد. إنَّ تلك الصور الجماليّة تجعلنا ندلف إلى حقل الألفة العائلية التي نفتقدها اليوم حيث إننا بأمس الحاجة لظلال أشجارها في زمن التصحّر الأخلاقي والجحود الإنساني بصوره الشاحبة.

*مسافة الخاتمة:
و خلاصة القول إنَّ الشاعر المبدع طالب داخل يجعل من خطابه الهايكوي حقلاً جماليّاً نقرأ فيه إيقاع موسيقى ظلال الذاكرة العائلية، و نشم فيه عبير الأزهار التي تتحول ببراعته إلى حقل عطريّ آخر، نراه تارةً في شَعر الحبيبة و أخرى في قفطانها المغري، و عندما تكون الأبواب موصدة يجعل قصائد الهايكو تبوح بأسرار الفؤاد. في حقله الهايكوي يغرس الشاعر طالب داخل أشجار صور مسافاتية تجتمع في بؤرتها الجمالية الصور التالية: ( الحمام الزاجل، الدلو المثقوب، عذوبة الناي، جمرات القصب، شال الفلاحة، أقمار شتائية تغازل قميص الحبيبة الإستبرق، وشوشة العنادل، و رنين الأساور). أن تلك الصور وصور كثيرة أخرى تعبّر عن إيقاعات موسيقية مدهشة تكشفها لنا مسافة التكرار في حقل الخطاب الشعري الهايكوي.

  • المصدر: طالب داخل/ ذلكَ الحقلُ أنتِ/
    منشورات أحمد المالكي/ بغداد 2025

أخر المقالات

منكم وإليكم