أعلام من حماة | محمد إحسان العظم «أبو أنس» (1913–1978)
أحياناً يصلني اسم من أحد متابعي الصفحة، أبدأ البحث عنه وأنا أظن أن حكايته يمكن اختصارها ببضعة أسطر، ثم أكتشف أن وراء الاسم قصة أكبر بكثير.
وهذا تماماً ما حدث مع محمد إحسان العظم.
وصلني اسمه باقتراح من أحد المتابعين، ومعه بعض المعلومات عن حياته، فوعدته أن أبحث عنه. ومن هنا بدأت رحلة بين المجلات القديمة والوثائق والمذكرات، حتى وصلت إلى ملف كامل خُصص لتأبينه بعد وفاته.
وكلما تقدمت في البحث، لم يعد السؤال: من هو إحسان العظم؟ بل أصبح: كيف غاب رجل كهذا عن ذاكرة كثير من أبناء مدينته؟
وُلد محمد إحسان العظم، المعروف بين أصدقائه ومعاصريه بكنية «أبي أنس»، في حي البارودية بحماة سنة 1913، ونشأ في بيت عرف بالعلم والأدب والاهتمام بالتاريخ.
تلقى تعليمه في حماة ثم حمص، وظهر اهتمامه بالأدب والتاريخ منذ شبابه. وفي سنة 1935 شارك في الإعداد للمهرجان الألفي لأبي الطيب المتنبي في حماة، وألقى فيه بحثاً عن المتنبي، وهي مشاركة ورد ذكرها أيضاً في مذكرات أكرم الحوراني.
وفي سنة 1936 سافر إلى فرنسا ودرس الحقوق في مونبلييه، وحصل على الإجازة في الحقوق، ثم عاد إلى حماة قرابة سنة 1940. عمل فترة في التدريس، ثم اتجه إلى المحاماة.
لكن الجانب الأهم في حياته كان شغفه بالعلم والبحث.
امتلك مكتبة شخصية ضخمة ضمت نحو 11 ألف كتاب، وكان مجلسه ملتقى للأدباء والباحثين وأهل الثقافة. ومن عرفوه تحدثوا عن دقته الشديدة؛ فإذا سُئل عن مسألة تحتاج إلى بحث، لم يكن يتسرع بالإجابة، بل يعود إلى كتبه ومراجعه حتى يتأكد من المعلومة.
ولعل من أقوى الأدلة على مكانته العلمية أن خير الدين الزركلي، صاحب موسوعة «الأعلام»، اعتمد عليه مصدراً في بعض تراجم آل العظم، وأشار إليه بالاسم وإلى معلومات ومخطوطات كانت بحوزته.
ولم يكن اهتمام إحسان العظم بحماة نظرياً فقط.
عمل في بلدية حماة وشغل فيها مسؤوليات إدارية وقانونية، وكان له بحسب شهادة عبد الرزاق الأصفر دور رئيسي في إنشاء دار الكتب الوطنية بحماة، وساهم في تجاوز العقبات التي واجهت المشروع، ثم بقي مرتبطاً بالمكتبة ونشاطها الثقافي سنوات طويلة، وساهم في رفدها بالكتب والمراجع.
أما حماة نفسها، فكانت حاضرة بقوة في أبحاثه ومحاضراته.
كتب عن تاريخ المدينة ونواعيرها وأبي الفداء ونضال أهلها وأحداثها الوطنية. ومن أعماله المنشورة دراسة «مدينة حماة عبر التاريخ» سنة 1969، ودراسة «حماة في عصر أبي الفداء» سنة 1974، إضافة إلى أبحاث ومحاضرات ومقالات أخرى لم تُجمع في كتاب واحد.
وفي سنة 1978 رحل أبو أنس.
وأثناء البحث وجدت أن الطريقة التي ودعته بها حماة تكشف الكثير عن مكانته.
أقام المركز الثقافي العربي بحماة حفلاً تأبينياً لإحياء ذكراه، ووثقت مجلة الثقافة الحفل في ملف ضم سيرته وشهادات من عرفوه وكلمات أسرته وقصائد في رثائه، إضافة إلى الرسائل والبرقيات التي وصلت بمناسبة التأبين.
كتب عنه وليد قنباز وعبد الرزاق الأصفر وسهيل عثمان، ورثاه نذير الحسامي بقصيدة حملت عنوان «وداعاً أبا أنس».
أما عدنان قيطاز، فاختار لقصيدته في رثائه عنواناً من كلمتين فقط، لكنه ربما يلخص مكانة الرجل بين معاصريه:
«مأتم الفكر»
وبعد كل ما وجدته عنه، بقي سؤال يستحق أن نطرحه اليوم:
أين أصبحت مكتبة محمد إحسان العظم التي ضمت نحو 11 ألف كتاب؟ وأين أوراقه وأبحاثه ومحاضراته؟
إذا كان لدى أسرته أو عند أحد أبناء حماة شيء من مكتبته أو وثائقه أو صوره، نتمنى أن يشاركنا به، فقد نصل من خلالكم إلى جزء آخر من تراثه.
فرجل أمضى جانباً كبيراً من حياته يبحث في تاريخ حماة ويحفظ ذاكرتها، يستحق ألا يغيب هو عن ذاكرتها.
المصادر: ملف تأبين إحسان العظم – مجلة الثقافة 1978، كتاب الأعلام للزركلي، مذكرات أكرم الحوراني، مجلة العمران 1969، مجلة المعرفة 1974.
الحموية المغتربين
علاء حماه


